الرئيسية / مقالات / أما من عودة لأيام ” الروزانا ” ؟

أما من عودة لأيام ” الروزانا ” ؟

خاص- ثقافات

*جواد غلوم

في زيارتي الأخيرة إلى بيروت أخذني مشوار طويل إلى زيارة أصدقاء فنانين وترتيب جلسات في مشاغلهم التي بعملون فيها وفي الزاوية من كل مشغل رأيت أسرّتهم ومكان نومهم تدنو منها طاولة صغيرة يفرشون عليها طعامهم وما تشتهي نفوسهم غذاءً وشراباً ، وأنا أجلس متسامرا في أحاديث ذات شجون وشؤون معهم وبنفس الوقت كنت أتملّى ما يصنعون ورؤية منتجاتهم الإبداعية ولوحاتهم وتماثيلهم بما في ذلك العُدد والأدوات والألوان والكانفاس الذي يستخدمونه.

وفي ساعات متأخرة بعد منتصف ليلة مرهقة ممطرة بعد أن انفضّت جلساتنا ؛ اقتعدت مكانا على رصيف مقهى ” الكوستا ” الشهيرة في الحمرا لأرتاح قليلا قبل أن أصل الشقة التي أقيم فيها وليتني واصلت طريقي رغم الجهد الذي اعترى جسدي وعدلت عن الاستراحة في تلك المقهى.

لم أهنأ حتى باحتساء كوب الشاي المحلّى والمطعّم بالنعناع وقدح الماء وكم كان مريرا بذائقتي ؛ ففي كل نصف دقيقة تفاجؤك متسوّلة يرثى لحالها أو طفل يستكين أمامك يدعو لك بالخير لعلك تغدق عليه ما استطعت ؛ وهؤلاء معظمهم من السوريين النازحين وخصوصا من حلب التي كانت شهباء وتحوّلت إلى شوهاء بفعل الحرب الطويلة التي تجاوزت الخمس سنوات دون بارقة أمل في السلام لا من محادثات جنيف ولا من رحلات دي مستورا العقيمة ؛ وفيهم أيضا بعض اللبنانيين المسحوقين من الفقر والفاقة  الذين ركبوا الموجة واستهوتهم مهنة التسول التي تدرّ وفرة في المال بلا أيّ رأسمال وهذا ماعلمته منهم وأنا أسألهم عن أوضاعهم وأعطيهم البخس مما بقي في جيبي من العملات النحاسية.

ومما خفف من حزني والتياعي من أوضاع هؤلاء المساكين ، فقد كان صوت فيروز يطرق أسماعي في تلك الليلة  من تلفاز المقهى مما خفّف من تعبي وهي تصدح وقبلها تزفر ببحةٍ حزينة  أوف .. أوف تكاد تقطّع نياط القلب :

ع الروزانا ع الروزانا كل الحلا فيها

وشو عملت الروزانا ، الله يجازيهــا

يارايـحـين ع حلب حبي معاكم راح

يامحـملــين العنب تحت العنب تفاح

وقد زاد عليها زجّالو الشام والحكواتيون بعض المقاطع :

يارايحين عَ حماه صفّـولي نِــيّـتكـم

وكثـير عقـلي شرد بْهـوى بْنـيتكــم

حـلّـفْــتـكـم بالغالي ومْـنين مَـيّـتْكـم

مَــيّـتنا عاصي حماه شرب الافنديّة

تذكرت قصة الباخرة ” روزانا ” أيام العهد العثماني حين رست في شواطئ لبنان آتية من تركيا وهي محملة بفواكه العنب والتفاح الفائض عن حاجة الدولة العثمانية لإغراق البلاد بها وعرضها بسعر بخس من أجل منافسة السلع اللبنانية وتحطيم اقتصاد البلاد وإفقار تجارها وفلاّحيها مما سبّب كسادا كبيرا للبضاعة اللبنانية المحليّة ، وفي هذا الموقف الحرج انتخى تجار حلب لمساعدة إخوانهم اللبنانيين فقاموا بشراء كل بضاعتهم المحليّة الكاسدة ونقلها إلى حلب وبقية المدن السورية لترويجها وبيعها وإعانة الاشقّاء اللبنانيين . وعلى أثر ذلك عاد الانتعاش للاقتصاد اللبناني ولم تفلح محاولات الأتراك التخريبية في النيل من لبنان وأهله واقتصاده.

هذه القصة ذات المعنى التضامني ألهمت الكثير من المطربين والحكواتيين في زمانها على جعلها فولكلورا تغنت بها حناجر كبار المطربين والمطربات في الشام والهلال الخصيب كلّه حتى وصلت الموصل الحدباء وكانت مادة للتسامر في المجالس والمقاهي والبيوتات وتسمعها كأهزوجة تتداولها ألسن الناس في الشام ولبنان وفلسطين وفي موصلنا الحزينة الآن الواقعة تحت نقمة داعش حتى قيل إن الملا عثمان الموصلّي هو الذي قام بتلحينها فانتشرت في كلّ البقاع بألسنة شامية وعراقية ولبنانية معاً.

مما يؤسف له أن كل هذا التضامن بين الأهل والأشقاء قبلا غدا مفقودا تماما في زماننا الوغد هذا ؛ فقد تناسى اللبنانيون أن لهم إخوة طحنتهم الحرب وشتّت شملهم الرصاص الطائش بحيث لا يدري المواطن السوري أيّة رصاصة يتقي وأيّ برميل مليء بالمقذوفات ينأى عنه فأينما يولّي وجهه فثمّ وجه الفزع والموت والخوف والفاقة والتشرّد :

وسوى الروم خلف ظهرك رومُ —– فعلى ايّ جانبيك تميلُ

حلب التي تضامنت مع بيروت وخلّدتها اغنية ” الروزانا ” استبيحت الان ، فبعد أن كانت العصب الرئيسي للاقتصاد السوري والمركز الرئيسي لصناعة الغزل والنسيج الفاخر المصدّر إلى أرقى الدول الاوربية عبر ميناء اللاذقية وهو الممول لخزانة بيت المال الشامي أضحت الآن بلا صناعة بعد ان كانت بحوزتها قرابة الفي مصنع لصناعة المنسوجات الراقية منها مصانع  كبيرة وصغيرة ، هذه معظمها إن لم نقل كلها  تم تفكيكها وتهريب قطع غيارها بعناية تامة إلى تركيا ليعاد نصبها هناك في عمليات نهب منظّمة

ليست البلوى والتشرذم واقعا على رؤوس الفقراء وعامة البسطاء السوريين المقيمين في لبنان نزوحا فحسب ؛ إنما ينسحب الامر حتى على الاثرياء السوريين والحلبيين بالذات فقد التقيت خلال رحلتي تاجرا حلبيا جلس بقربي في حافلة نقل عام متّجهين إلى بعلبك ، كان جليسي السوريّ موفور المال يعيش في بحبوحة قبل نزوحه إلى بيروت قادما من حلب ليأمن على نفسه وأسرته ؛ لجأ إلى لبنان فراراً من المعارك ويعتاش على ماادخره لتُعينه في ايام النحس هذه وأباح لي قصة ابتزازه من احد مالكي الشقق المعروضة للايجار واستغلال حاجته إلى سكن مريح لأسرته اذ كان يدفع بدل ايجار الشقة مضاعفا قياسا إلى بقية الشقق المماثلة مع ان المالك كان يقسم بأغلظ الايمان انه يراعي وضعه كلاجئ هارب

وفي موقف طريف ومرعب معا مثلما نسميها الكوميديا السوداء ؛ حدثني انه كان في زيارة صديق له في الاشرفية وعاد بعد منتصف الليل إلى مسكنه وفي الطريق ماشيا كان يتكلم مع احدهم من تلفونه النقّال فسمعه فتيان ساهرون في شقة قريبة منه ونادوا بأعلى صوتهم :

— سوري …سوري أمسكوه ، إلحقوه

فشعر بالفزع ولم يجد بدّا من الهرب حيث اطلق ساقيه للريح دون ان يبدر منه ايّ ذنب مخلّفا وراءه ضحكات الاستهزاء والسخرية منه بسبب خوفه

مثل هذه الظواهر لم تكن شائعة في لبنان وهو البلد الجميل الذي تعوّد استقبال السوّاح العرب وغير العرب لكن الامر تغيّر الان بفعل الظروف الاستثنائية التي يعيشها وعدم قدرته على استيعاب هذا الكم الهائل من النازحين

نعرف بان لبنان عانى قبل عام انسحاب قوات حافظ الاسد / 2005 من تواجد سوري كثيف وان اكثر من ثلاثة ملايين سوري كانوا يعملون في لبنان وقتذاك عدا الجيش السوري الذي كان منتشرا بكثافة بذريعة حمايته من الاحتلال الاسرائيلي ؛ لكن تلك الحالة لاتبرر ان يقف اهله موقفا سلبيا تجاه شقيقه التوأم النازح قهرا من سوريا اذ وصلت الاساءة إلى مداها الذي لايحتمل حينما عمد البعض من السماسرة والقوّادين إلى استغلال حالة الفقر والخوف لاستقطاب الكثير من نسوتنا السوريات وحجرهن في شقق وعرضهن للدعارة في سلوك غاية في البشاعة والقرف طوال اشهر عديدة وممنوع عليهن الخروج او حتى استحصال البخس من المال جراء شراء أجسادهنّ وفي حالات تفوق عمليات السبْي والنخاسة بشاعةً وإذلالاَ

وبالرغم من كل مايحصل مما ذكرت فان لبنان مازال الفسحة الجميلة التي يقصدها الانسان للترويح عن النفس بالقياس إلى ماتعانيه بقية البلدان المجاورة وغير المجاورة وكل مانأمله ان تعالج مثل هذه السلبيات معالجة سليمة لازالة هذه الدمامل والثآليل أو على الاقلّ التقليل منها عن وجه لبنان الناصع كما عهدناه قبلا مقصدا للراحة والاستجمام والسياحة المروّحة للنفوس في زماننا المكفهرّ المتجهم الطلعة فقد يئسنا من إعادة التضامن والتآخي بين الاخوة وخرست اغاني الوحدة والنضال المشترك وسكتت ” الروزانا ” وغير ” الروزانا ” والقدود الحلبية ولم يعد يصغي لها احد

أيها الاشقّاء إن لم تستطيعوا أن تكونوا معنا فلا تكونوا علينا وبعبارة دارجة عندنا نقول بملء أفواهنا ” كَفّونا شرّكم “

شاهد أيضاً

رامبو في الحبشة: كيف يغدو الشاعر مجرماً؟

* سعيد الخطيبي نهاية 1880، هجر آرثور رامبو فرنسا، اعتزل الشعر وترك الألسن تلوك قصائده …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *