الرئيسية / إضاءات / شاه مات

شاه مات

*أمل إسماعيل

«يسكنُ قبالتكَ ذلك الجار الذي يمتلكُ أحصنةً مذهلة، ممشوقة القوام، يبعثُ منظرها، وهي تتهادى بخطواتها على العشبِ الراقصِ جَراء النسيمِ، طيفًا من الطمأنينة والسلام. تدركُ في قرارة نفسكَ بأنها أحصنةٌ مُعدّةٌ للحرب سلفاً، لسلبكِ أرضكَ، ودكّ أحلامكَ، وأنك لا محالة قاتلها أو قتيل حوافرها. صهيلها وهي تتأهب للانقضاض عليك يؤرقك ليلا، ولا تعرف بالضّبط متى سينعقُ غُراب الاجتياح، كلاكما يقفُ مترقباً، متفصداً عرقًا في انتظار تلك اليدِ التي تمتدُّ بالبيدقِ الأول إلى موقعه، ثم تبدأ رحلة النهاية وَسطَ أكداسٍ من العيون التي تراقبُ في حذرٍ وتغرقُ نظراتها في التّمني».

ما الذي يجعل لعبة الشطرنج في صورتها هذه ممتعة! كل تلك البيادق التي تتساقط، والفيلة التي تدوس المسافات خالطةً الأبيض بالأسود، والوزراء في مشاوراتهم التي تنتهي بالنّفي خارج حدود الرقعة، أضمُّ كفيّ على ملكةً برأسٍ مقطوع، بينما يقف الملكُ هناك في البعيد، مراقباً ما يجري متشبثاً بحبل نجاة مهترئ سرعان ما يتمزّق إثر توالي الضربات، ثم….

رقصة الملك الأولى

هل أحببتُ الشطرنج؟ سؤال مباشر جداً ينتهي إلى إجابة مراوغة: أحببتُ الشطرنج التي أحِبّها! فلِمَ عليّ أنْ أخوضَ حرباً رأيت أبي يخوضها مراراً، بينما أنا قادرةٌ على إحلالِ السلام على رقعتها؟! ذلك السلام الذي يُحوّل مربعاتها حقولاً خضراء مكسّوة بالأزهار البرية العشوائية، والبيادقَ طوابير من الراقصين يدورون حول مجموعة مصطفاةٍ من الراقصات، والأحصنة التي تغلف المشهد مؤدية رقصة التعقيلة وسط ذهول المتفرجين وإعجابهم. على مقربة، يؤدي الملك دوره على مسرح لا يراه إلاي، داعياً الملكة إلى الرقص وغناء مقطوعة «الشطرنج»، لا التباري على مربعاتها – أجل، ملكة جميلة ممشوقة القوام، تلك التي تقف إلى جانب الملك، تذودُ عنه، وتأتيه بالغنائم، مثلها مثل لبؤة مخلصةٍ لأسدها المتوسّد عرينه – تمدُّ يدها وينحني الاثنان لينشرا في المدى حكاية رقصة الأبدية، لكن يدَ الملك تتفلّتُ فتسرقُ الريحُ فستان الملكةِ وظِلّها، فيعودُ وحيداً، متأملاً المشهد باحثاً عن ذلك الطريق البديل. حينذاك، يتعثّر نظرهُ بالقلعة!

امرأتان.. وحرب واحدة!

أحببتُ القلعة كثيراً، لأنها كانت تقف عند زاوية الرقعة تراقب المشهد من عالمها الشمولي ذاك، وغالباً ما كانت حركتها الانتحارية التي تؤمّن بها الملك و«تبيّتُه» في مكانها مُحببة إليّ، أن تكون في مَأمن، متشبثاً بالأمل، ثم تتنازلَ عن كل ذلك دفعةً واحدة، تتخلى عن دفءِ بيتكَ وكوبِ القهوة الذي بين يديك، وتتركَ البرد يلفحُ وجهكَ وأنتَ تحرس بابكَ خَشية أنْ يُدَكّ البيت فتفقدَهُ وتفقدكَ في آن واحد. أي ولاءٍ وتضحيةٍ هذه!

تجيء القلعة منتعلةً المسافة وتمُدّ يدها للملك، فلا الملكة ستعود، ولا البيادق الذين ابتلعهم الضباب. في الشطرنج يمكنك أن تتزوج اثنتين: اللعبة، وانعكاس الحكاية، وفي خمس عشرة دقيقة، ستفوز باللعبة أو تخسرها – سيان – لكنك ستحملُ الحكاية بين راحتيك كطفلٍ ولد توًّا، ثم أخذ ينمو معك ليقتاتَ على تعبكَ وعرق جبينك إلى أن يشتدّ عوده، قبلَ أن تُسلّمه اسمك وقضيتكَ وتمضي بلا عودة، مثلما سلّم غاري كاسباروف مفاتيح الشطرنج إلى ديب بلو2، ستظن بأن أسطورتك خلدت بماء الذهب، وأن بإمكانك الرحيل بسلام، لن يبني أحدهم جداراً خلفك يمنعك من العودة إلى المربع الأول، أو سيمحو اسمك ويستبدلك بمخلوق آخر يحمل ملامحك، مهما حاولت إقناعهم بأنه لا يجيد حماية الخيول وترويضها ومراقصتها، مثلك!

ستحاول مقايضة حياتك بحباتٍ من القمح، وستنسى مملكة الرمال، وقهوة تغلي كانت في يد القلعة الواقفة على باب بيتك يلفحها الحنين، فتبيع الأحصنة وتطارد سرابها، السراب الذي لن يملي أحد عليك شروطه، متحركاً في كل الاتجاهات، أو قالباً الرقعة رأساً على عقب.

القفز على المسافات

أغمض عينيّ على حقول مربعة، كحقول الزنبق الهولندي المرتبة وفقاً للألوان، أو مدن كبرى قسّمتها إرادة مهندسي الطرق إلى قطاعات، أفردُ يديّ كجناحي عنقاء وأحلق فوق كل ذلك، من قال إن الشطرنج ولدت مربعات مربعات! ومن قال إن الحصان وحده جدير بالقفز من بين كل قطع الشطرنج!

منذ البدء اكتشفتُ أني فاشلةٌ في هذه الانتظار خلف الحواجز، فاشلةٌ في كُره عَدُوّي، لذا، لم أتبع حبات القمح ولا رقصتُ على دماء البيادق مع الملك، ولا خبأتُ ظلّه في بيتي، كنتُ أتفرج فحسب على أولئك الذين يفعلون، ثم أقفز!

«شاشكي»، خرَجَتْ من بين شفتيه لأول مرة كأنها دعوة إلى احتساء شراب مُسكِر، ورغم أني وافقته دون تردد إلا أن الأحصنة لاحقتني. كان عليّ أن أتقن القفز على الذاكرة، وفعلت. لم أستخدم تلك القطع المُدوّرة المُسطّحة للعِب الشاشكي، فضلت المساواة – أو الانتقام ربما – بين الملك والوزير والقلعة والفيل والحصان والبيادق، فليس لأحد أن يعلو على آخر إلا بالحق، في رقصات أشبه بالقفز المتتالي، تنسابُ قطع الشطرنج بين يَديّ لتنتهي من معانقة بعضها بعضا، قبل أن تعلن عن صمود القطعة ذات اللياقة الأعلى. ولأننا قومٌ تعوزه اللياقة، كنتُ أخسر أمامه، فأعيد اللعب مرة تلو أخرى، أدافع عن حقي في المسافة لا السلطة، أتعثر بقدرتي على الصمود في وجه الريح لا الرماح. آه لو أن الأحصنة تنطق، والفيلة تقرأ المربعات قبل أن تدوسَ المعاني عليها! أي انتصار كنا سنحرِز، وأيّ أرضٍ كنا سنموت واقفين على أغصان زيتونها!

في محاولة أخيرة لعناق

«قبل هجرتي يا بنيّة، التفتُ إلى القطع المبعثرةِ على أرضية الغرفة، لوح الشطرنج المكسور، ملكة برأس مقطوع.. لا أثر للملك، كنت ألعبُ وحدي ولم يغظ ذلك أحداً من قبل، القذيفة التي حطّت على سطح غرفتي أفزعت أسراب الحمام فهجّت من أبراجها حاملة في مناقيرها البيادق، وحدها الخيول كانت تعرف، دفنتُ جسد الملكة في جيب القمباز وامتطيت إحداها على عجل، فقفزت بي عاليا، تجاوزت السّور الذي ترينه الآن، خيولٌ أصيلةٌ بيضاء، في نواصيها الخير، وعلى ظهورها تساقطت قطعٌ كالحة السواد من السماء، حوّلت الأرض إلى لونين لا ثالث لهما: أسود، وأبيض، ونحن ما بينهما نشق الطريق باحثين عن الملك الذي سحقت تاجه البساطير»:

«عمّي يا بو الفانوس

نوّر لي عالعَتمِة

خوفي الطريق يطول يابا

ويطول معك همّي

ويطول معك همّي».

ولادة ملكة الشطرنج:

ملكة الشطرنج

لم تعرف الشطرنج الملكة، باعتبارها إحدى قطع الشطرنج رسمياً إلا سنة 1000 للميلاد، أي بعد 200 سنة من جلب العرب لهذه اللعبة إلى أوروبا، إذ كان «الوزير» هو التسمية المتعارف عليها لهذه القطعة – وما زالت كذلك – لدى العرب وبلاد الفرس. ورغم ذلك، فقد ظلت حركة الملكة على رقعة الشطرنج محدودة – تتحرك خطوة واحدة فقط في الاتجاهات كافة كالملك – إلى حين وصول الملكة الإسبانية إيزابيلا إلى سدة الحكم، حيث حَكمَت قشتالة في الفترة من (أبريل 1451م إلى نوفمبر 1504م) وغيّرت من قواعد لعبة الشطرنج عام 1497م مانحة ملكة الشطرنج حرية حركتها في صورتها الحالية – التي تعد أقوى قطعة شطرنج بين كل القطع الموجودة.

وترى مارلين يالوم – مؤلفة كتاب «ولادة ملكة الشطرنج» أن هذا التغيير الجذري في قطعة بالغة الأهمية في الشطرنج مردّه إلى السلطة السياسية والصلاحيات الواسعة التي كانت تحظى بها الملكة في دول أوروبا – خاصة في إسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وصولا إلى الدول الإسكندنافية وروسيا – مقارنة ببلاد العرب وفارس.

هوامش:

1- التعقيلة: تعد من أصعب أنواع رقص الخيل في مصر، ويحتاج الخيل غير المدرب إلى ترويض لا يقل ستة أشهر ليتمكن من إتقانها، حيث يثني الحصان الساق اليمنى الأمامية إلى صدره، ويقفز في مكانه بقدميه الخلفيتين عدداً من المرات بسرعة منتظمة النبضات.

2- الشطرنج، مسرحية موسيقية من كلمات تيم رايس وألحان بيورن ألفيس وبيني أندرسون، عام 1984، كانت تصف منافسة بين رجلين أحدهما أميركي والآخر سوفيتي للفوز بقلب المرأة التي يحبانها، ولكن المسرحية كانت في طياتها انعكاسا للحرب الباردة القائمة بين روسيا وأميركا.

3- إذا تحرك الحصان والفيل من موقعهما، وخلت المساحة بين القلعة والملك، فإنه يمكن عكس المواقع لتأمين الملك، ويطلق على هذه الحركة (تبْييت الملك).

4- في عام 1997 خسر أسطورة الشطرنج الروسي غاري كاسباروف مباراة الشطرنج لأول مرة أمام الحاسب الآلي المطور ديب بلو2. وهو النسخة المطورة التي أنتجتها شركة (IBM) بعد خسارة حاسوبها ديب بلو عام 1996

5- أراد ملك الهند (شرهام) مكافأة مخترع لعبة الشطرنج (سيسا بن ظاهر) الذي طلب مكافأة في ظاهرها بسيط وفي باطنها عظيم، بأن قال: «مُر لي يا مولاي بحبة قمح توضع على المربع الأول من رقعة الشطرنج، وبحبتين على المربع الثاني، وأربع حبّات على الثالث، وثمانية على الرابع، وهكذا.. بمضاعفة العدد لكل مربع تالٍ، مر لي يا مولاي بحبات من القمح تكفي لتغطية مربعات الرقعة الأربعة والستين». فاستخف الملك بالطلب، لكن كبير علماء الرياضيات في القصر أوضح للملك بأن محصول الهند من القمح – بل العالم بأكمله لألفي سنة – لا يفي طلب سيسا الماكر!

6- «إننا ونحن نلعب مباراة عادية، لا يتدخل فيها أحد، كانت تنتهى المباراة طبيعية، يعرف كل واحد فيها قدراته، أما عندما كانت تحدث تدخلات خارجية من لاعبين مؤثرين، كانت تنتهى المعركة بقلب رقعة الشطرنج، وربما تكسير القطع». من مقال: على رقعة شطرنج، محمد أمين، جريدة الوفد المصرية، عدد 9يوليو2017

7- «قال لي والدي دائما: إن أردت العودة حيا للبيت. اكره خصمك». (من مذكرات الجنرال بيترسون – زمن الخيول البيضاء، إبراهيم نصر الله – ص 375)

8- اسم لعبة «الضامة» أو «الداما» في الروسية.
___
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

في مئوية الدولة: الثقافة مرتكز أساسي للتأسيس والنهضة

( ثقافات ) مجدي التل  فكرة بداية مأسسة الحالة الثقافية والابداعية في الدولة الاردنية الحديثة؛ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *