الرئيسية / خبر رئيسي / التجريد في التشكيل استجلاء.. من الترنسندنتالي إلى البصري

التجريد في التشكيل استجلاء.. من الترنسندنتالي إلى البصري

خاص- ثقافات

 

*محمد كريش، فنان تشكيلي وكاتب مغربي

الواقع حجاب دون الحقيقة والفن فَتْقُه وهَتْكُه

         قبل حدث اللوحة؛ كان البياض. والبياض صمت وبوح في آن. سديم للبدء والنهاية…  والبياض مجمع الكلم؛ فما بعده ما يقال. وهكذا هو حال صِنوه السواد كذلك. ومفتاحهما حتما البصيرة/العقل، لا العين… والبياض سليلٌ من السواد. وبه صار نورا. والبياض من السواد كالشجرة من البذرة/النواة. أو كالضوء من الطاقة. والضوء – بعد نفاده – يرجع إلى أصله “ظلمة الكون”. وفي نفس الآن؛ الضوء استجلاء للسواد، لما فيه، أو لبعض مما فيه…

         وبهكذا يكون الأصل البصري للوحة البياض، وهي ممتلئة به وباستفاضة. والبياض فراغ توهمي. فبفرط أفياض النورانية الغزيرة فيه، والوهج الكثيف، تحول إلى حجاب/ستار أبيض. “فكما ضوء الشمس في العين يعميها وينتزع منها خاصية الرؤية”؛ هكذا هو البياض… والبياض كالسواد، هما كذلك غشاء بصري مطبق، تتحجب خلفهما الحقيقة والجواهر وماهيات الوجود، والعدم والكون والذات… فالظلام مثلا، يتستر على كون/وجود الأشياء ويخفيها عن الرؤية، فوجودها فيه لا يُدرك سوى عبر لمسها فقط. أو بروائحها وأصواتها… والفن توسل العقل والوجدان لاستجلاء هذه الحقيقة وسبر أغوارها بمعول العقل والفكر والتدبر، عبر الشكل واللون والتقنيات في فعل الإبداع/ التشكيل. فاللوحة/المبدعة هي مسرح التجربة والمغامرة الجمالية الكبرى للفن في خرق هذا البياض/السواد الأصلي المعتم، توقا لفتق المبهم فيه وهتك أستار المتخفي والمتواري والجواني، والمتستر المنفلت…إلخ. وبالتالي ما يلف اللوحة بصريا وتتسربل به من أشكال وألوان وحركات وخامات، ليس إلا ذاك الطموح الجامح، والتشوف الغريزي الأبدي للإنسان لاستكشاف واستشراف حقيقة ذاك المجهول، المجهول فيه. ذاك الذي يولد معه، يؤرق حياته تنغيصا، ثم أخيرا؛ يحمله معه هذا “الإنسان العقل” إلى الأبد… إلى المجهول المطلق. – مجهول   الذات “ذاته هو” ومجهول المآل.

 التجريد: تقشير وتعرية، هكذا جاء من معناه لغويا.

وهكذا في البدء، كانت الأشياء لذاتها دونما أسماء وتسميات… إلى أن جاء اللسان الإنساني/العقل ليحول الكون برمته أسماء وإحالات ورموزا وإشارات إلى غير ذلك… فأصبغ عليها وجودا ثان غير وجودها المادي العياني. أي وجود أسماء لا وجود أشياء. ويمكن التلميح في سياق فكرتنا هذه إلى ثنائية ” اسم /مسمى” على أساس أن هناك وجودين الأول لذات “الاسم” وآخر لذات “المسمى” أي الشيء بعينه المادي…

والتجريد هو كذلك كون بدئي ومعدن قوة، له سلطة وسطوة فعلية وفاعلية “التحييد” و”التجريد” المسلطتان على اللامجرد. أي سلخ المعين من تعيينه وتحييد وعيه بذاته عنه. ليتحول إلى “مجرد”، لا ارتباط له البتة. حر طليق…  واللامجرد أي المعين هويته هي وتده الذي يربطه باسميته التعيينية ربطا وثيقا أبديا لا فكاك منه، هو محبسه وسجنه. والمشخص في الفن/التشكيل، هو كذلك؛  تشكل “تشخيصيته” حاجبا وحاجزا صادا بينه وبين تعبيريته المطلقة، خلافا لتلك التي يكتنزها المجرد ويتمتع بها. فــ”تشخيصيته” هذه، تجثم واقفة أمامه تتصدر الواجهة حين حدث التلقي والاستقصاء والانجلاء والبوح، إذ تحدُّه وتبتره أشباح وصور التشخيصية والتمثيلية والمحاكاة (ما يشخصه وما يمثله وما يحاكيه). والمشخِّص هو تحت حكم سلطة مدلول التشخيص (أي ما يشخصه). لا يبرحها كلية مهما فعل (سوى عبر حيز التفلسف ومهارة التأويل ومناوراته).

التجريد يقوم مقام المرآة تنطبع عليها جواهر الأشياء والماهيات والأسرار… وأحياز من الحقيقة… حيث ينجلي ذلك  في مرآة الفن/التشكيل الصقيلة.

وبهكذا يكون التجريد كذلك تثبيتا للذات الفردانية (ذاته هو). ومحوا لذات الآخر أي المعين/المشخص بالتسمية. ولا غرو  ولا استغراب  في أن يكون التجريد/التجرد شرطا مبدئيا للسلوك في التصوف، ولا سبيل للراغب السالك/المريد في ذلك دونه. وبه تفتتح الطريق ويهون المسلك صوب حيز التسامي والتعالي، والإشراق الوجداني ومحو “الإنية والأناي”. والتجريد يشكل العتبة الأولى في محراب التشوف والتشوق العرفاني الروحي…وهو بَيْنِي الوضع، بمقام برزخ رابط/ فاصل بين الجوهر/الحقيقة وذات الكائن؛ العارفة/الإنسان/العقل…

قال ابن عربي: “التجريد إماطة السوى والكون عن الغائب والسر”. وقيل كذلك: ” التجريد نفي الأغيار”. أي نفي كل ما سواه. بما في ذلك أنت.

التجريد في التشكيل، هو أيضا الحيز المقفل الموصد، وهو المحظور عن كل تحديد إذ لا هوية عيانية له (أي ليس له عين قبلي أصلي يستند إليه)، وهو بطبيعته هارب حيث أنه هو لذاته مطلقا، وليس له سليلية مرجعية. كما أنه انسلخ من المحاكاة ومن كل إحالات وارتباطات صورية طبيعية عينية. وحتى رمزية عرفية تواضعية. وبالتالي هو انسلاخ الكل عن الكل… غير أن التجريد في التشكيل – مع ذلك – يبقى صوري الكون والحدث من حيث أنه رؤيوي بصري، عيني مَعْطِي  للمشاهدة، أو بالأدق: ” مَعْطِي قصدا للتفكر والتدبر  دفعة واحدة”. (فالفكر/العقل هو الصائغ المشكل الأصلي لما نراه ولما يريدنا أن نراه، وهو المتعرِف وليس العين، بل هي تتبعه لا العكس، كما يمكن الاعتقاد)…

التجريد كذلك فعل مبهم يشتغل على خلق المنعجم ووضع المغلق وصياغة الاستفزاز. أي يصنع الخام البدئي  للتفكر و التحليل والإسقاطات والسفر، الخام  المتحرك والمتجدد واللامتناه، زمانا ومكانا…

         الفنانون التشكيليون من جهة، “لاهوتيو الأهواء”، “كهنوتيون”  “دجالون”.  اشتغالهم في “السحر والغواية والتفتين”. وفي صياغة “الوهم” والتوهيم. يصنعون ويصيغون وهم الأشياء ووهم الحقيقة. يخرجون اللامرئي إلى حيز المشاهدة، أو بالأحرى إلى حيز “وهم المشاهدة/الرؤية”. “تواجديو” الطقوس والأحوال. منهم الليليون لا يتلألؤون سوى في  العتمة والظلمة. متنسكون في خلواتهم عند محراب ذواتهم، يساءلون ويتساءلون ويستفسرون. متميزون عبقريون إشراقيون ألمعيون. فهم كالآلهة الميثولوجيين: “أبولو، أفروديت  وإيروس،”. خلاقون مستحدثون بطبعهم. وحدهم الفنانون – ومعهم الفيلسوف بالتجوز ومع الفارق- لهم الإمكان وقوة  خرق الواقع واستشفافه  وولوج المستعصيات، وغواية الوجدان. هم حلقة وصل بين “الغائب والحاضر” وبين “المجهول والمعلوم” و”اللامرئي والمرئي”… يشكلون “لغة مستقلة متنفذة” تشتغل بالتشفير والترميز والإحالة والتمثيل…  تُفكُّ بها الألغاز وطلاسم الأشياء والواقع. ويُستفرغ عبرها مطويات وخفايا الأسرار والكنهات. الفنانون  تراجمة وخدام للحقيقة وللجمال واللذة والمتعة والحلم والسفر… هم المقتفون أثرها والباحثون عنها. ولذلك تكرسوا… فلذلك هم “لاهوتيو وكهنوتيو السجية”. يبدعون الجميل والفاتن، ويشعلون شمعة الأمل والحلم، والخيال والارتحال. يفتلون أواصر الإنسان بذاكرته الأزلية وكينونته. إنهم هائمون في الذات (ذاتهم)، يفكرون ويستفسرون ويجترئون ولا يتورعون. ذاك ديدنهم… فللحقيقة جذب مع فتنة… ومنع وتحير وحيرة. وغيبة بلا رجعة… “الفنانون دوما يمدون الروح والعقل والقلب بماء الحياة؛ لتعيش”. لذا قال نيتشه: “إننا لا نستطيع أن ننقذ أنفسنا من الفناء إلا عن طريق الفن”.

ليس هناك في الفن محاكاة بمعنى “الاستنساخ التمثيلي” الصرف. لأن هذا الفن/الإبداع  أبدا  متخلل ممزوج بكثير من الإرادة والإضافة، والتصويب والتحريف والإضمار… إلخ. فضلا عن العشق والفتنة، والتسامي (ترنسندنتالية) والاستدراج،  والحب والأمل والحلم. كما فيه حيز هائل وغائر من المكبوت، والقلق الوجودي، والكثير من الألم الدامي…إلخ.  فما تراه العين تابع مفتول بما نظنه ونتوهمه أنه هو كذلك. فالفن هو انبعاث الأشياء من “اللاموجود” إلى “الموجود” أي ا”للاكون” إلى “الكون”. والفن توهيم وإيهام واستيهام في الآن ذاته، وقد أشار إلى هذا المعنى – وببلاغة نادرة – الفنان “بول كلي” في قوله: “الفن لا ينتج المرئي (أي”المنظور/الواقع” بمعنى “النسخ والمحاكاة”)، وإنما يحول “اللامرئي” إلى “مرئي”. (أي يخرجه من الخفاء إلى عين المشاهدة والمعاينة)”.

وكما أورد ذلك كذلك المفكر الفيلسوف “بيركسون” ضمن مؤلفه “الضحك” بقوله: “… إلى ماذا يهدف  الفن سوى أن يظهر لنا – في الطبيعة  وفي نفسنا، خارجا عنا وفينا – الأشياء التي تضرب/تصدم  ضمنيا حواسنا ووعينا…”.

 

شاهد أيضاً

رواية “القط الذي علّمني الطيران” لهاشم غرايبة PDF

( ثقافات )  ننشر تاليا النسخة الكاملة من رواية الأديب الأردني هاشم غرايبة ” القط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *