الرئيسية / خبر رئيسي / قصتان لـ«خوان خوسيه مياس»

قصتان لـ«خوان خوسيه مياس»

*ترجمة: عبد الله ناصر*

1- الرجل الذي يتخيل الكوارث

كان جسده متخلفاً على الدوام عن رأسه. عندما يَحلِق مثلاً كان يفكر في كوبٍ من القهوة، ولكن عندما يشربها يتخيل نفسه عالقاً في زحامٍ مروري ينصت إلى أخبار الصباح عبر الراديو. وفي حقيقة الأمر لم يكن يستمع إلى الأخبار أيضاً، لانشغاله بالتفكير في المصائب التي تنتظره في المكتب. كان يطارد الأحداث، كما يطارد الحمار الجزر الذي لن يلتقطه أبداً.

كان عقله وجسده يقعان في أماكن جغرافية مختلفة، وهذا البعد أصاب روحه بحالةٍ ثابتة من القلق، كأنه يطارد نفسه طوال الوقت. يتناول في الليل أقراصاً منومة لتريحه من الضغوط، فتنكمش عضلاته مثل رباطٍ مطاطي ملقى على الطاولة. وعندما ينام يتخيل نفسه مسافراً في الفضاء بلا خوذة أو بدلة أو حتى مركبة فضائية. كان يتنفس حتى في انعدام الضغط الجوي، بفضل تلك الكبسولات التي اخترعها وتناولها مع قليلٍ من الماء، وقد مكنته من السفر في الفضاء وفي أعماق المحيطات أيضاً. ولكنه قبل أن يغرق في النوم يشعر أحياناً بأنه قد تاه، ويحلم بعدها بأنهم قد منحوه جائزة نوبل في الطب لاختراعه تلك الكبسولات فيصحو بحلقٍ جاف وجسدٍ ثقيل. وفي الصباح يتناول قرصاً أو قرصين من المنشطات ليكافح تلك المهدئات الليلية.
وفي أحد الأيام كان مع عشيقته، وشرع يفكر في زوجته فأدرك أن مشكلته تتلخص في وجوده في مكانٍ مختلفٍ عن الذي يوجد به فعلياً مما لا يساعده على المرح هنا أو هناك. واستنتج أنه عندما يكون عقله ورأسه في مكانٍ وزمانٍ واحد ستختفي جميع مشاكله. حاول ولكن الخطأ لم يكن خطأه، فعلى سبيل المثال عندما كان يحلق كان يقول لنفسه: «ياللروعة، أحلق الآن ولا أقوم بشيءٍ آخر. وعندما أقوم بذلك الشيء الآخر سوف أستمتع به، ولكن ليس الآن، فأنا أشعر براحةٍ كبيرة في ملاحظة تجاعيد وجهي الظاهرة في المرآة والشعور بملمس الجلد في هذه اللحظة الفريدة من نوعها، لأن هناك العديد من الأيام التي سأحلق بها ولكن لن يشبه أحدها هذه الحلاقة..»، ولكن خلف تلك الكلمات كانت تدور الكثير من الصور التي لا علاقة لها باللحظة الراهنة بقدر ارتباطها بما يمكن أن يحدث في الغد. ما يجعله قلقاً للدرجة التي لا يعود بمقدور المرآة أن تعكس صورته، ويظهر بدلاً منها المكتب والناس تأتي وتذهب وهو في المنتصف يبحث عن الحلول ويتخذ القرارات. فيتوقف عن الحلاقة ويسارع في ارتداء ملابسه. يشرب قهوته على عجالة ويقود سيارته مثل ممسوس، وعندما يصل وينشغل في مكالمات هاتفية أو توقيع المعاملات ينخرط بالتفكير في غداء عمل أو عشاء فاخر، وعندما يحين الوقت يجد نفسه مرهقاً للغاية فلا يفكر إلا في الاستلقاء فوق السرير.

بإيجازٍ شديد، لم يستطع أبداً اللحاق بنفسه مهما اجتهد في الركض. عندها فكر بأن هناك الكثير من الناس يعيشون بهذا الشكل وهي طريقة لا تبدو غريبة جداً، مقارنةً بحياة الآخرين، حتى داهمه ذلك الهاجس البشع وهو يحتسي قهوته بسرعة. تخيل أنه لا يستمع إلى الأخبار من راديو السيارة، بل يسير بسيارته فوق أحد الأطفال أو يصطدم بإحدى الشاحنات الثقيلة وجهاً لوجه. وعندما ركب سيارته في الواقع تلاشى ذلك الرعب، وجاءت عوضاً عنه بعض الرؤى التي لا تقل كارثية، كأن ينهي المدير خدماته أو يهاتفه أحدهم لينقل خبر تحطم طائرة فوق منزله. هذه الرؤى أكسبته درجةً من الواقعية حتى باتت تكسو من حوله ملامح الخوف والامتعاض.

وفي إحدى المرات، كان مرهقاً من العمل وفي طريقه إلى البيت تخيل أن يجد زوجته مقتولةً ودماءها على الموقد، والخادمة مشنوقة في المطبخ، وأطفاله في الصالة مخنوقين بوساطة أكياس بلاستيكية. تعرق خوفاً من هذه الكارثة التي قد يقدم على ارتكابها رجلٌ  مختل. تخيل نفسه وهو يهاتف الشرطة، وقد شرعوا يحققون معه والشك يساورهم بأنه خلف تلك الجرائم الفظيعة. فكر أنه لا يمتلك حجة غياب، فقد قضى وقتاً لا بأس به خارج مكتبه وتناول غداءه وحيداً في مطعم لا أحد يعرفه فيه. وصل البيت منهكاً يملؤه الخوف واقفاً أمام الباب لدقائق، لم يجرؤ حتى على قرع الجرس حتى استمع إلى جلبة في الداخل فظن للوهلة الأولى بأنه القاتل الذي لم يكمل عمله حتى الآن على ما يبدو. ولكنه بعد قليل تعرف على صوت أطفاله فركض يحتضنهم جميعاً كما لو كانوا قد نجوا من كارثةٍ محققة. ثم طرحته الحمى لأسبوع وهو يتخيل زميله في العمل يشغل منصبه.

وقبل أن يهلك نفسه بمطاردة نفسه، أدرك بأن الهدف من تلك المطاردة هو السعادة حتى عندما لم يتمكن من ملامستها، وعندما يفعل لا بد أن يتصادف ذلك مع حدوث مأساة. لم يتخل عن المرح ولكن انشغاله بمطاردة نفسه جعل الناس يظنونه رجلاً متوتراً مشحوناً بالحياة والطاقة. والآن يشعر بالكآبة في ظل انتظاره الدائم للنهاية طوال الوقت، مما جعله صموتاً وجافاً. وانتهى به الحال مريضاً دون أن يعرف أحدهم ما الذي أصابه بما أنه لا يشكو من ألمٍ محدد. فحصهُ الأطباء من رأسه لقدمه حتى وجدوا أمراً خطيراً للغاية، وعندما نقلوا له ذلك الخبر السيئ قفز من السعادة مباغتاً الجميع. لقد حدثت المأساة أخيراً وليس عليه أن يبقى فزعاً كما اعتاد، بل عليه أن يخلد للراحة للمرة الأولى في حياته، تمكن من الإمساك بنفسه، وعاش سعيداً جداً في الوقت المتبقي له.

2- كانت في كل مكان

عندما أخفق زواجي الثاني، أدركت أن قصص الحب انقضت تماماً من حياتي. ربما أحظى في المستقبل بالكثير أو القليل من العلاقات الغرامية، ولكن جميعها ستبقى زائفة. هناك عنصر درامي يصعب أن يتداخل مع ذلك النوع من الالتزام، وهذا العنصر في رأيي الخاص هو من يغذي أي مشروع عاطفي. لا أود أن أبدو متطرفة ولكن الرجال غريبون حقاً.. حسناً، أعني أنهم يفتقرون إلى الانفعالات، وتعجز الأحداث عن التواصل معهم. ينتسبون إلى الأشياء على نحوٍ جيد – سيارة، ساعة ذهبية، مذكرة مواعيد فخمة، بطاقة ائتمانية – وعبرها قد يحاولون التعمق بقولهم إن النساء ليس بوسعهم فهم ذلك. نحن ننتسب بشكلٍ أفضل إلى الهاوية والخواء والغياب. لا يمكن أن يدير الرجال حديثاً عن الحياة، وعندما يفعلون ذلك، يتحدثون بنبرةٍ مبتذلةٍ وفجّة، تثير بداخلي الغثيان. ياللغرابة، لأنك تراهم يحيطون بناتهم برعايةٍ شديدة، ويبدون ميلاً للرقة كما لو أنهن قد بلغن الكمال أو شيئاً من هذا القبيل. لا شك أن كل هذا مجرد تعميم، هناك رجال يقفون على حافة الهاوية التي نسكنها نحن النساء، ولكني لم أجد أحدهم حتى الآن، ومن غير المرجح أن أعثر عليه في هذه المرحلة من حياتي. على أية حال، لست في انتظار حدثٍ نادرٍ كهذا.

في المقابل، علاقاتي مع النساء لم تكن سهلة أيضاً. كنت أوقظ المنافسة بداخلهنّ وهذا ما كان يبهجني عندما كنت في سنٍّ أصغر، أما الآن فقد زهدت بها. ليس لديّ  صديقات مقربات، وبالطبع ليس هناك من يرغب في مشاركتي العيش. لذا عندما غادر زوجي الثاني بدأت أتقبل العزلة كما لو أنها لم تعد حالةً انتقالية. لقد اكتسبت كل أنماط المرأة غير المتزوجة، تلك العادات الصغيرة التي دعمتني للدرجة التي توصلت بها إلى اتفاقيةٍ مع جدران منزلي، والملاءات، وسارت الأمور بشكلٍ حسن حتى التقيت بجوليا.

لقد بدأت علاقتي بها في مقهى كنا قد تناولنا العشاء فيه. في اليوم الأول الذي رأيتها به، وبمجرد أن التقت عيناي بعينيها أدركت بأن هناك شيئاً يخصني في تلك المرأة. كان تبادل ثلاثة جمل كافياً ليؤكد صحة ذلك الشعور المربك. وقد تنامى في الأسابيع التي تلت لقاءنا الأول. كان الخريف قد بدأ، وأصابني ذلك اللبس، ولكن الكآبة اللحوحة هي من دعتني للبحث عن رفقة جوليا. بدأتُ في الاعتماد عليها دون أن أدفع ذلك الثمن الفلكي الذي ندفعه في الغالب عند الاعتماد على شخصٍ  ما. لم أجرؤ على إخبارها بذلك، ولكني اعتبرتها بمثابة جزءٍ كان قد استُأصل مني في الماضي البعيد. وها قد وجد الراحة أخيراً ذلك الجزء المكلوم.

وفي هذه الأثناء انزلق الخريف إلى الشتاء، وشرعت أفكر بالحياة كما لو كانت بيتاً يبدو المساء أجمل غرفه. لم أعد خائفةً من الآحاد، واستعدت بهجة التنزه وفكرت بنفسي كشيءٍ يستحق المشاهدة مثل شعلة تتوهج لزمنٍ غير معلوم وإن كان نهائياً. في الأيام المطيرة ألوذ بالمقاهي، حيث يحلو لي مراقبة الناس وهم يعبرون الشارع متفادين السيارات والبرك ليصلوا إلى لا مكان، كما هو الحال في أفلام الغابات الوثائقية حيث تقوم الحيوانات بالهجرة بلا طموحات مرئية ولكن بدقة وبجماليةٍ أخّاذة.

تزورني جوليا بشكلٍ منتظم، ونقضي الأماسي في الحديث عن أشياء قد لا تمسنا مباشرة، نحاول عدم التطرق إلى أمورنا الشخصية ليس بسبب احترامنا لما يدعونه الحميمية، ولكن لأن الأمور تقتضي ذلك. كانت علاقتنا تنمو ببطء، كما لو كنا نخيط جسراً يربط بين أرضٍ  تصدعت وتباعدت بسبب كارثةٍ ما.

أتذكر أنها كانت تثلج في أحد الأيام، شاهدت جوليا من نافذة غرفة المعيشة وهي تنزل من الباص وتجري إلى المدخل. كانت قدماها مبتلتين فأعرتها جوارب صوفية وخفّاً منزلياً، وقد كان على مقاسها بالضبط. وبعد قليل أعددت الشاي، ثم احتسينا كأساً من الكونياك بحجة الظلام والبرد. سألتها:

«هل بوسعك البقاء لتناول العشاء؟».

أجابت وهي تبتسم:

«إذا ما تواصل سقوط الثلج أخشى أني سأقضي الليلة هنا».

قلت لها وأنا أخفي رغبتي بأن هناك غرفة ملائمة للمبيت. ثم طلبتْ مني مشاهدة بعض الصور، أحضرتُ بعض الألبومات المتفرقة. قد لا أكون منظّمة في كثيرٍ من الأمور ولكن فيما يتعلق بالصور فأنا في منتهى الأمانة والتنظيم. أقوم بترتيبها وفقاً للتواريخ والأحداث، وفي أسفل كل صورة سطران أو ثلاثة تنقل حالتي المزاجية حال التقاطها. جلسنا حول الطاولة التي وضعتها مؤخراً في غرفة المعيشة قبالة النافذة، وأخذنا نتفرج على أول الألبومات السميكة، بينما كانت ندف الثلج تتهادى في الجانب الآخر من الزجاج الذي يفصلنا بحدّة عن العالم الخارجي. ربما كان الكونياك الذي لم أعتد عليه هو ما دفعني للحديث؛ إذ أشرت قائلةً بأنها صورتي في أول قدّاس، فتساءلتْ لماذا هذه الملامح الجادّة وأجبتها بأن والدتي هي من أشارت علي بألا أبتسم فقد سقطت في ذلك الوقت بعض أسناني. ثم سألتني من تلك التي في الخلف. لقد كانت تقصد الطفلة التي في الجانب الأيمن من الصورة وتبدو في سنّي. كانت ترمقني باستياءٍ وسخرية كما لو أنها تنتقد تاجي أو ملابسي أو ربما هيئتي بالكامل. لم أستطع التعرف عليها على الإطلاق كما لم أستطع التعرف على تلك الفتاة التي تظهر في كل صور المدرسة – ربما كانت الفتاة نفسها – وتحدجني ممتعضةً من وشاح الشرف الذي على صدري. لم أتمالك نفسي فوضعت ثقتي كاملةً بجوليا لأول مرة، وأنا أنظر إلى الألبوم:

«تلك الفتاة! إنها في كل مكان، قد تبدو مختلفة في كل صورة، ولكنها توجه نحوي على الدوام نظرةً توبخني وتسخر مني».

في الواقع، كل الصور خصوصاً تلك التي تصادف أهم أحداث حياتي توجد بها تلك الفتاة التي كانت تكبر معي، وهي تنظر إلى بكل وقاحة من زاوية الصورة. اكتشفت ذلك ظهيرة السبت الماضي عندما تفرغت لترتيب الألبومات الأخيرة حسب تواريخها. هاتفت والدتي وإخوتي وسألتهم عن تلك المرأة التي تظهر في صور زواجي الأول والثاني، ورحلتي الأولى للخارج، وحفلات ميلادي، ولكن أحدهم لا يعرف شيئاً عنها. أعرف فقط أنها تنظر إليّ بشفقةٍ أحياناً، وفي الغالب بحزنٍ وأسى، كما لو كان جانبي اللاذع ينظر إليّ.

عندما كنت أشرح ذلك لجوليا متحاشيةً النظر إلى عينيها أو ابتسامتها أدركت بأن تلك المرأة هي من تجلس بجانبي الآن. تأملتُ حياتي بينما كان الثلج معزولاً في الخارج يمهر ميثاقنا السري وقد عثرنا على الطمأنينة التي سوف توحدنا أخيراً وإلى الأبد. كان الكونياك قد دفأ أوردتي، وارتفع رنين السكاكين والأشواك التي وضعت للعشاء العائلي، بينما كانت جوليا خلف الباب تقول إنها ستنام هنا.
____
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

حاجتنا إلى فكر الإمام محمّد عبده

( ثقافات ) *حاتم السروي قبل الشروع في الحديث عن ميراث الإمام المجدد محمد عبده …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *