الرئيسية / إضاءات / التفاعلية وما بعد التفاعلية في الإعلام الحديث

التفاعلية وما بعد التفاعلية في الإعلام الحديث

 خاص- ثقافات

  *سهير نحاس

 

واكبت وسائل الاتصال ثورات عديدة ابتداءً من مرحلة الإشارات والعلامات مرورا بمرحلة التخاطب والكتابة ومن ثم ثورة التلغراف وبعدها اختراع جوتنبرج للطباعة والمطبعة ,فالسينما وبعدها الصحيفة مرورا بثورة اللاسلكي الذي تطور لاختراع الراديو فالهاتف والتلفزيون وصولا إلى وسائل الإعلام الجديدة والتواصل الاجتماعي من خلال ثورة الكمبيوتر ومنتجات الشبكة العنكبوتية.

ثورة تكنولوجيا الاتصال كسرت الحدود والمسافات والمستويات فكان التلغراف أهم وسيلة اتصال انتشرت في نهاية القرن التاسع عشر من ثم الهاتف بداية القرن العشرين ,التلفزيون في منتصفه والانترنت في أواخره. وتحول العالم بذلك إلى  قرية كونية (حسب مارشيل ماكلوهين).

وما يميّز المرحلة الراهنة في مجال تكنولوجيا الاتصال : نشوء او ظهور مستهلك جديد (آخر) يمتاز بالمرونة ,النضج والوعي المعرفي لتقنيات الاعلام الجديد , حر, انتقائي وفعّال في اختيار الوسيلة المناسبة له والمستجيبة لاحتياجياته المعرفية, الترفيهية ,التسويقية (التجارية) وغيرها.. من مجمل الحجم الهائل للمعلومات المتاحة له .كذلك ادت ثورة تكنولوجيا الاتصال الى عولمة وسائل الإعلام عن طريق الاتصال والتواصل بالإمكانيات التكنولوجية المتطورة والتكنولوجيا التفاعلية Interactive Tech وتكنولوجيا الاتصال متعدد الوسائط Multi Media Communication Tech ،  والتي بدورها ساهمت في تحطيم الحواجز بين ماهو جمهوري أو غير جمهوري.

 

ترتكز تكنولوجيا الاتصال Communication Technology على أساسين هاميين : الأساس الفكري النظري، والأساس التطبيقي الذي يصل إلى تكنولوجيا المعلومات ومرحلة التفاعلية .

وقد أدى تطور تقنيات الاتصال وظهور الانترنت التي تحولت إلى “منصّة” لتطبيقات الإعلام  الجديد إلى تذويب الفروق بين الاتصال المواجهي والاتصال الجماهيري بحيث لم تعد السمات المميزة لكل نوع حكراً عليه، فالتفاعلية وتبادل الأدوار الاتصالية والمرونة لم تعد سمات خاصة بالاتصال المواجهي، كما لم تعد العمومية والاتصال عبر وسيلة جماهيرية سمات خاصة بالاتصال الجماهيري (صادق، 2008م، ص: 36)

 تشكل المعلومات أساسا في التنوير والتطوير ، ومن يملك المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب فانه يملك عناصر القوة والسيطرة في عالم متغير يعتمد على العلم في كل شئ بعيدا عن العشوائية والارتجالية .

يشير مصطلح تفجر المعلومات Information Explosion  إلى اتساع المجال الذي تعمل فيه المعلومات ليشمل كافة مجالات النشاط الإنساني مما يؤدي إلى النمو الهائل في حجم الإنتاج الفكري  وتنوعه ابتداءا من الكتب والدراسات والاختراعات وصولا الى ابسط المعلومات التي تعاملت وتواصلت معها عامة الناس .

تعريف مصطلح “التفاعل”:

جاء في معاجم اللغة العربية أن التفاعل من الأصل اللغوي ، فعل الشئ فعلا وفعالا أي عمله ، وافتعل الشئ أي اختلقه ، وانفعل بشيئ ما أي تأثر به ، انبساطا أو انقباضا فهو منفعل ، ويقال تفاعلا أي أثر كل منهما في الآخر ، والتفاعل عملية كيماوية يتم من خلالها تحويل بعض المعادن النفيسة إلى الخسيسة ، أي أن عملية التفاعل الكيماوي أن تؤثر مادة في مادة أخرى فتغير تركيبها الكيميائي .

 

متى ظهر مصطلح التفاعلية ؟

يشير الباحثون ان أول ظهور لمصطلح التفاعلية إلى عام 1954م حينما أشار ولبور شرام (Schramm) إلى ضرورة وجود خبرة مشتركة بين المرسل والمستقبل تسهم في حدوث التفاعلية  ومع ظهور الانترنت وانتشار تطبيقاته الاتصالية تعزز الاهتمام بالتفاعلية وظهرت العديد من الدراسات التي عنيت بتحليل مفهوم التفاعلية .فهناك ابحاث اهتمت بخصائص التفاعلية، ودراسات اخرى تناولت العلاقة مع المتلقي وكيفية استقباله للمعلومة والتعامل معا .

اورد فيما يلي بعض التعريفات البارزة لمفهوم التفاعلية :

جودج وزملاؤه (Guedj et al. 1980) الذين عرفوا التفاعلية بأنها  منهج التحكم في النظام عن طريق تغذيته بنتيجة فعله وأداءه السابق

تعريف روجرز (Rogers, 1995) للتفاعلية انها تعني مدى قدرة المشاركين في العملية الاتصالية على تبادل الأدوار والسيطرة والتحكم في خطابهم المشترك.

وكذلك بافليك (Pavlik, 1998) الذي حددها بالاتصال ثنائي الاتجاه بين المرسل والمستقبل، أو الاتصال متعدد الاتجاهات بين مجموعة من المرسلين والمستقبلين.

أما الحقيل (2011، ص:5) فيستعرض دمجا أو تجميعا لعدة تعريفات بانها  “عملية اتصالية تبادلية يتشارك فيها طرفان (مستقبل ومرسل) أو أكثر، حول خطاب مشترك، ويسيطرون على توقيته ومضمونه بدرجة مستقلة ومتساوية”.

 للاتصال التفاعلي خصائص عديدة أهمها الاستجابة Responsiveness أي أن الاتصال التفاعلي يتعدى حدود الاتصال البينشخصي ليصل ويتفاعل مع الوسيلة ذاتها وليس بين الفرد وأطراف العملية الاتصالية . كذلك يتحلى بصفة المساواة بين المشاركين في الاتصال والتماثل بين المرسل (المتصل) والمتلقي (المستقبل)  من خلال التبادل الحر للآراء دون تدخل أو تأثير من مصادر وقوى خارجية أخرى . كذلك الاتصال التفاعلي يهتم بالمشاركة الديمقراطية المفتوحة مثل حلقات النقاش المباشرة (Online)   والحية في حجرات المحادثة (Chat room) ومواقع تبادل رسائل البريد الالكترونية الحالية Online Email Sites.

لقد مرّ التفاعل مع الجماهير من خلال وسائل الاتصال والقنوات المتخصصة  بثلاث مراحل وهي :

  • التلفزيون الكابلي Cable Tv

  • القمر الصناعي المباشر Direct Broadcasting Satellite ( DBS )

  • التلفزيون الرقمي Digital Television

بعد ثورة الأقمار الاصطناعية والبث المباشر والبث الرقمي جاءت ثورة تفجر المعلومات عبر شبكة المعلومات الدولية Internet وتقنيات الواقع الافتراضي ومن ثم ال  Video Textفي   الثمانينات من القرن الماضي  ، وفي  أوائل التسعينيات تطوّر الانترنيت واصبح بمتناول يد الجميع وليس للنخبة كما كان سابقا  اذ تم تطوير فكرة البريد الالكتروني Electronic mail ومن ثم خاصية  المداولات النقدية الالكترونية من حساب بنكي إلى حساب آخر وفق البطاقات الائتمانية Credit Card وغيرها من الخدمات … وبعدها ظهرت برامج  الدردشة Chat lines التي انتشرت انتشارا واسعا بين الشباب . ومن ثم والجرائد الالكترونية وبرامج الصحة والدواء .

 وفي عام 2004 كان ظهور الفيسبوك  ومن ثم اليوتيوب عام 2005 وبعدها ظهر العديد من برامج التواصل الاجتماعي الا ان الفيسبوك واليوتيوب والتويتر اكثرهم شعبية واقبالا .

ما بعد التفاعلية: ما بعد التفاعلية Post Interactivity مفهوم تبلور مع بداية الالفية الثالثة  يصف المراحل الجديدة لشبكة الإنترنت منذ عام 2006؛ اعتمادا على ما أضافته إليها تقنيات Web 2.0 وWeb 3.0، . ومصطلح “ما بعد التفاعلية”   مصطلح صاغه الباحث في مجال سوسيولوجيا الإنترنت وسام فؤاد؛ معبرا به عن اتجاه الإنترنت لمرحلة جديدة في علاقة مرتاديها وزوارها بمحتواها والمنشور على صفحاتها  .
فحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان  التواصل محدودا من خلال مجموعة من الأدوات الاتصالية البدائية كبريد عموم المواقع أو ما يسمى: الويب ماستر، أو من خلال البريد الإليكتروني لصفحات المواقع  ، أو من خلال البريد الإليكتروني لمنتج المادة .  وبدءا من أواخر عام 2005، دخلت الإنترنت مرحلة جديدة  فأصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many. فأصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها  تحميل (تنزيل) ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص   مجانا ودون رقابة (في اغلب الاحيان) وكانها خاصة لهم وحدهم وبامكانية التعامل مع هذه الملفات على المستوى العام والخاص انتقلاقا من رغباتهم  واحتياجاتهم.

تمثلت خصائص “الما بعد تفاعلية ”  بعدد من الخطوات المستحدثة لدى روّاد الانترنيت :

  • كثافة المدونات والمواقع الاجتماعية ومجموعات التواصل  ..

  • رغبة كبيرة لدى متصفحي الإنترنت بالوصول للخدمات المجانية لمواد جادة وأيضا ترفيهية .

  • ازدياد الوعي لدى المتصفحين للقضايا السياسية التي لا يزال الاعلام الرسمي يبثها ضمن حدود الممنوع المسموح .

  • يتوفر لدى المستهلك الجديد إمكانية المساهمة الفعّالة في انتاج المحتوى .

  • المواطن مساهم في تجميع وتصنيف الاخبار والمعلومات – ما يسمى بالمواطن الصحفي.

  • إعلام متعدد الاتجاهات:     تحول نمط التدفق الإعلامي من نمط تدفق في اتجاه واحد One to Many إلى نمط تدفق متعدد الاتجاهات  Many to Many

  • الاداء الذاتي – الطابع الذاتي: هو تطوير لمفهوم النيوجورناليزم لكن لديه قدرة على إعطاء المستخدم اكتشاف أو تقديم محتوى جديد، وامكانية توزيعه كيفما يرغبون او يتاح لهم.

  • الما بعد تفاعلية تقدم لمجموعات مهنية (زملاء عمل) او اية مجموعة ذات اهتمام مشترك خيارات جديدة تندرج ضمن دائرة اهتماماتهم وتمكنهم من تحديد طريقة قضاء الوقت المحدود المتاح لديهم.

  • المصداقية :  توفير سبل هز هذه المصداقية من خلال وسائل ملموسة من المحتوى الإعلامي تصل لدرجة التوثيق المرئي عبر تقنيات الفيديو؛ بما في ذلك التقنيات الرخيصة. كذلك استغلال لمفهوم الإنفوميديا من خلال الهواتف الذكية وما تتيحه من امكانيات التصوير التواصل التعليق والبحث والحوارات المباشرة  .

ﻭالسؤال الذي يجب طرحه في هذه المرحلة ﻫﻮ :

هل يتوجب ﻭﺿﻊ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ لثقافة الما بعد تفاعلية في الإعلام ، لمراعاة ومراقبة حرية التعبير انطلاقا من انتماتئنا وحماية لمجتمعاتنا وثقافتنا؟

 

هل الإعلام الحديث وما تتيحه تطبيقات للتفاعلية الجديدة يدعنا امام مخاوف واسقاطات لسيادة الاعلام الترفيهي على كافة شرائح مجتمعنا عامة وعلى ابناء الشبيبة خاصة؟

 

هل ينطبق المثل الشعبي القائل  “|اذا بدك تحيروا خيروا ” على حالة المتلقي في مرحلة الما بعد تفاعلية والذي يتعاطى مع مواد هائلة من المعلومات وامكانيات استجابة واسعة النطاق؟ هل حقيقة “|سيحتار؟” هل سيذوّت المادة وسيستمتع بها وسيرد عليها باسهاب وبعمق دون القفز سريعا من مادة لاخرى كما نرى عند ابناء الشبيبة في مجتمعنا؟

المراجع

1- الحقيل، عبدالله (2011م) المرجعية المنهجية لقياس التفاعلية للإعلام الجديد، بحث غير منشور.

2- فؤاد، وسام (2012) الإنترنت ما بعد التفاعلية وإتجاهات تطوير الإعلام الإلكتروني:

http://www.ahewor.org/diliat/show.art.asp?aicl=115099,Retrived on 9-1-2012.

3صادق، عباس مصطفى (2008م) الإعلام الجديد.. المفاهيم والوسائل والتطبيقات (عمان، دار الشروق)

   4- Guedj, Richard; Paul J.W. ten Hagen, F. Robert Hopgood, Hugh A. Tucker, and David A. Duce (1980), Methodology of Interaction, Amsterdam: North Holland Publishing Company.

                         5- Pavlik, John V. (1998).  New Media Technology: Cultural and Commercial Perspectives.  2d ed, Boston: Allyn and Bacon

  Rogers, E. M. (1995).  Diffusion of Inovations.  4th edn. New York: Free Press6

شاهد أيضاً

نافذة على شعريّة إيف بونفوا

* ساسي جبيل ليس من باب الحظّ والمفاجأة أن تَصدّرَ الشّاعر الفرنسي إيف بونفوا مرحلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *