الرئيسية / خبر رئيسي / الصورة فضاءً شعريا.. أعاجيب ترنس مالك

الصورة فضاءً شعريا.. أعاجيب ترنس مالك


خاص- ثقافات

*أحمد ثامر جهاد

إذا استعدنا أفلامه القليلة السابقة، لا يبدو المخرج “ترنس مالك” ميالا إلى تقديم أفلام سينمائية نمطية، تروي قصصا معتادة تشبع حاجة الجمهور للتفاعل العاطفي مع بعدها الدرامي أو إيقاعها المشوق.ترنس مالك، المخرج والشاعر وخريج قسم الفلسفة والمعجب بكتابات هايدجر،فنان متأن في اختياراته، لا يبدو- في العموم- منجذبا أو مهتما بنقل حكايات ترفيهية، قدر انحيازه لتقديم تجارب سينمائية جارحة في بنائها الشعري وجمالها البصري، تجارب إنسانية جديرة بالتأمل حين تستعيد او توظف او تنفتح بدرجة ما على الخبرات الذاتية والفكرية للإنسان، ببعديها الفسلفي والسايكولوجي،خاصة في فيلميه: شجرة الحياة، نحو الأعاجيب.

حتى في ملحمته الطويلة (خط احمر رفيع-1998) رشح لاوسكار أفضل إخراج وسيناريو،التي ارتكزت على رواية بالعنوان ذاته للكاتب”جيمس جونز” صدرت في ستينات القرن الماضي، حاول المخرج الذهاب إلى ما هو أبعد من الدراما الحربية، نحو الحدود المنشودة للكمال الفني، موظفا خلال ذلك، أدواته الإخراجية التي تمزح بين التسجيلي والروائي، معتمدة على سرد متقطع يتناغم في نسيج صوري دلالي. ثمة صوت دائم الحضور، يروي او يعلق من خارج الكادر، همس شعري وتذكر بليغ في مونولوج طويل، يوائم المخرج بين خيوطه بصريا، وغالبا باستخدام (الفلاش بك) في مواضع محددة من الفيلم، مع إبداء عناية ملحوظة بالتفاصيل الدقيقة التي تصل في ترابطها- خلال ما يقرب الثلاث ساعات- إلى مستوى كتابة قصيدة سينمائية مناهضة للحرب، هجاء انساني يتبنى أسئلة الوجود الكبرى ضمن تداخل سردي يجمع بين مصائر شخصيات عدة، متورطة في محنة قتال مجنون، لا ثمار مرجوة منه، ولا أفق لنهايته، قتال شرس يدار عن بعد ويرسم مجد أناس مأزومين.

لنا أن نتساءل مع المخرج، في متوالية العبث الأصيل هذه، أي مجد في أن يقتل الإنسان إنسانا آخر، بغض النظر عن عرقه ولونه وديانته؟ هل كانت خيرات الفردوس الأرضي المنشود في فيلمه اللاحق”العالم الجديد-2005″ كافية لشفاء تلك الروح المعذبة وهي تتأمل بدهشة أفعال الإنسان البدائي، وقد أصابتها لوثة الغزاة الأوربيين الأوائل؟

أليست البدعة الكولونيالية تلك،هي عينها التي دفعت،منذ قرون عدة، أفواجا من المغامرين والمستكشفين والمجندين من شتى البقاع والهويات واللغات، للبحث في الأراضي البكر عن غنائم الذهب والفضة بعد إبادة السكان الأصليين للحضارات البدائية السعيدة؟ وكأن ترنس مالك يتساءل كما في كل مرة: ما الذي منحناه إياهم، نحن ورثة الحضارة الأوربية وسادتها؟ ما الذي تعلمناه من حكمتهم ومعارفهم الموغلة في القدم؟

ان مهمة المخرج ترنس مالك-مواليد 1943- أسوة بمخرجين كبار آخرين، أمثال(تاركوفسكي، كوبريك،برغمان) تشبه بدرجة كبيرة مهمة المفكرين، الذين تتلخص رؤاهم وأعمالهم في طرح الأسئلة المدوية والمؤرقة عما اقترفه إنسان القرن العشرين-على نحو خاص-من كوارث، اكثر من محاولة الإجابة عليها. من بوسعه بكل الأحوال الإجابة عن لغز الانحدار الأخلاقي المؤذي الذي وسم مسار حضارتنا منذ قرون مضت والى يومنا هذا؟ انه فكر سينمائي يعيد قراءة العالم بأدواته الخاصة.

ربما ليس أمام المخرج الذي اختار اشد حقب التاريخ الأوربي جنونا”الحرب العالمية الثانية”في محاولة لتنقية الضمير الإنساني من أدرانه، إلا أن يجهض شهية القتل لدى الجنود الذين يغرزون بفعل هستيري حرابهم في صدور أعدائهم اليابانيين، فيما يعتمل في الأذهان سؤال أبدي مدوخ، في فضاء المحاولات الإنسانية للخلاص: كل هذا الشر الكبير من أين يأتي؟

في تجارب سينمائية من هذا النوع، لها قيمتها الفنية المتفردة النابعة من رؤية المخرج العميقة لمصائر شخصياته وعوالمها، سنرى ان أهم ما تتطلبه مشاهدة أفلام ترنس مالك: شئ من الصبر واقل قدر ممكن من التوقعات للتنامي الدرامي للأحداث. لأننا ببساطة سنكون أمام رحلة تأمل شاقة وطويلة، لا تعد متفرجيها مطلقا ببهجة زائفة.

terrence-malick

حلم يقظة مرير

في سنوات لاحقة على ملحمة الحرب تلك، يبقى ترنس مالك وفيا لأسلوبه السينمائي المثير للجدل، بل نراه يتطرف في بناء فيلمه الموسوم (2012-To the wonder) إلى حد المكوث في كتابة مشهدية حلمية تراهن على جماليات الصورة الشعرية. وقد اختار لفيلمه الذي اسند بطولته للنجم الأمريكي”بن افليك” ان يناور السرد الفيلمي بسرد آخر، صوت الراوي وتعليقاته، يعود ثانية في رواية الصور وتعميق اللقطات الخارجة عن التسلسل الزمني للحدث. وبإيقاع يستمر بتنويعات محدودة الى نهاية الفيلم يضعنا المخرج امام توليفة مرهفة تجمع بين الصور والموسيقى وبقدر درامي متقشف جدا. وهو ما جعل الفيلم كتابة شعرية بالصورة، وتمردا معلنا على تقاليد هوليود السينمائية. كتابة بصرية عبر الأشياء ومن خلالها ونادرا عنها، توظف خبرة الأحاسيس الإنسانية وتأملات الوجدان البشري في سبل حياته، التي كانت أضاعت في فيلم “شجرة الحياة” معنى البراءة عند تخوم متاهة الكون المهولة، وخبرت في الغضون قسوة التوحد الذي ربما عانته عائلة الديناصورات التائهة في براري الرب الفسيحة. انه درس البشرية وهي تستعيد طفولتها وتعاين مستقبلها على الشاشة، مثلما استعادتها قبل عقود من الآن مع ملحمة ستانلي كوبريك”اوديسا الفضاء”منذ بداية الخليقة وحتى عصر الفضاء.

إذا ما تساءلنا عن ناظم جوهري يجمع بين أفلام المخرج ترنس مالك (الحاصل على سعفة كان عن فيلمه “شجرة الحياة”) سيحضر الشعر بقوة أمامنا. ليس غريبا على المخرج الحاصل على مرتبة الشرف من جامعة هارفرد بدراسة الفلسفة خلال عقد الستينيات، ان يوزع مواهبه بين كتابة الشعر وصناعة الأفلام، فيحدث ان يستغرق انقطاعه عن السينما نحو عشرين سنة، وهي المدة الزمنية الفاصلة بين إنتاج فيلميه: أيام الفردوس وخط احمر رفيع. بالنسبة لمخرج مشغول بهموم الإنسانية، ستكون تلك فترة كافية لقول شئ جديد.

حكاية فيلمية بثياب شعرية

منذ مشاهده الأولى ندرك ان فيلم ((To the wonder لا يعد بحكاية نمطية، تنمو بفعل الصراع الدرامي لتجد حلها المناسب في النهاية. فهذا الفيلم المفعم بالعاطفة والشاعرية يبدو اقرب إلى أن يكون تجربة ذاتية شديدة الخصوصية لصانعه، تحفز المشاهدين لملامسة قاع المشاعر الخاصة بهم. صحيح ان كل فيلم سينمائي هو، بشكل ما، تجربة ذاتية أو يحمل ظلال تجربة مخرجه أو كاتبه، لكن مع ترنس مالك يصبح الأمر خيارا فنيا وأسلوبيا واعيا، يدفعه إلى الخروج عن التقاليد المعهودة للفيلم الأمريكي.

في فيلم يواجه أبطاله عواقب الحب والإيمان واليأس، وتتداخل لقطاته القريبة والمتوسطة والبعيدة في مونتاج مركب، ستتسع مساحة الرموز والدلالات المبنية بحس تشكيلي يرسم على الشاشة لوحات بصرية مكتفية بذاتها. ستحتفظ تلك اللقطات طوال زمن الفيلم، بحضورها التشكيلي وفرادتها البلاغية وقدرتها على تخليق المعنى السينمائي: يد تمسك نافذة، جسد يستلقي على العشب ولا يظهر كاملا، ريح تداعب خصلات شعر اشقر في حركة بطيئة، نافذة مشرعة على حقل فسيح، أمواج بحر هادئ تطل عبر ستائر بيض تستجيب لهمس الريح.

لنحاول إيجاز الحكاية قدر الممكن: تغادر مارينا”أولغا كوريلنكو” وهي امرأة فرنسية منفصلة عن زوجها السابق،مع عشيقها الأمريكي نيل”بن افيلك” برفقة ابنتها الصغيرة “تاتيانا” إلى اوكلاهوما في أمريكا. يصعب على مارينا رغم حبها لعشيقها التأقلم مع الحياة الجديدة والتخلص من ظلال ماضيها، وليس أمامها الا اللجوء الى القس كوينتانا”خافير بارديم” ليسدي لها النصح في تخطي أزمتها العاطفية هذه. لكن القس هو الآخر ليس واثقا من سوية البشر، يشكك حينا بإيمانهم وبفطرتهم السليمة. كوينتانا رجل نبيل يشعر انه موجود لزمن آخر اشد بساطة وأناس أكثر دعة، فنراه يعاني من أسئلة محيرة عن جدوى كنيسته ووعظه في عالم فقد رشده او يكاد. تتداخل أزمة الشخصيات فيما بينها، لاسيما بعد ان يجد نيل متنفسا لقلقه بالتعرف على فتاة جديدة تدعى جين”راشيل مكادامز”.

فصل عاطفي طويل هو الخط الأفقي الظاهر في الفيلم والمكرس لرصد حيوات نيل ومارينا وجين. لكن مشاعر الحب ستعصف بها الأزمات ويتعرض استقرارها لتعرجات، بمجرد انتهاء مدة إقامة مارينا واضطرارها للعودة الى موطنها الفرنسي. تقول مارينا لـ”نيل”: لو طلبت مني البقاء معك،سأبقى. يشيح نيل بوجهه وتقوده خطاه إلى الأرض المستسلمة لسحر أشعة الشمس . من جهته يواصل الأب كوينتانا تقديم الخطب والموعظة لرعيته،من دون ان يخفف ذلك شيئا من حمى قلقه الداخلي. يناشد ربه ان يظهر له، ان تكون رحمته مع ابنه الإنسان. لكنه يبقى متسائلا ومشككا في كل ما يصدر عن بؤس حال البشر حوله. ثمة أناس معوزين تلزمهم المعونة والرأفة. الشفقة التي تسمى رذيلة الطيبة، تبدو ضرورية. فالسعادة بالنسبة للكثيرين، ممن لا نعبأ بوجودهم، تتلخص برغيف خبز وسقف آمن. كل هذا الوجع الإنساني من حولنا، فيما أنوار الكنيسة ساطعة وبهوها فاره. بيت الرب محكوم بالقوانين هو الآخر. لكن اهتمام رجل الكنيسة بآلام الآخرين يشهد عليه، يمنحه العزاء، وإن كان يشعر ان إيمانه الحقيقي يذوب في وظيفة الواعظ، مع ان الإيمان يجب ان يكون سماحة طليقة، جلّ غايتها ان تكون بين الناس. تسمعهم وترعاهم مثلما رعى يسوع أتباعه.

عن الحب: أعاجيب سينمائية

في هذا الفيلم لا تتحدث الشخصيات إلى بعضها البعض إلا نادرا، حتى في المشاهد التي تجمعها وجها لوجه،فانها تهمس بحوار داخلي او باعتراف يسمعه المتلقي وليس مهما ان تدركه الشخصية. لنقل ان ثمة مصائر ولوعات وقلق إنساني مشروع. لكن ذلك كله لا يعد المتفرج بشئ يمنحه سعادة مطمئنة تصنعها النهايات النمطية. سيما وانه ليست ثمة حكاية في هذا الفيلم تنمو كما نريد او نتوقع، ليس ثمة دماء ولا صراخ. انها اشتغالات جوانية وانثيالات حسية ترسم مجتمعة صورة شخصيات الفيلم في مساحتها التعبيرية الأوسع.

في المقابل لا ينتظر المخرج من مشاهده ان ينفعل مع الحدث، فليس ثمة حدث يمكن لنا الانفعال به، انها استعادات وتأملات تعيد الشخصيات من خلالها فحص ماضيها ومراجعة مواقفها، وقد تنتفض حينا على قيودها او ترفض الانصياع لأقدارها المرسومة. في معظم المشاهد، تتحرك نساء “مالك” بخفة وزهو وابتهاج، وعلى الدوام بقرب عناصر الطبيعة الأم، التي يختار المخرج صورها بعناية بصرية شديدة تنصت اكثر مما تتكلم. ثمة ميل للولوج إلى سعادة الرحم الأول في الطبيعة الخلاقة، وشعور آخر يحاول الفرار من قيود الجاذبية الأرضية في الوقت ذاته. بمعنى ان الوجود برمته عند ترنس مالك بات مثل وتر مشدود يصعب التخلص من عواقبه.

قراءة “أعاجيب” ترنس مالك تشبه تصفح كتاب شعري، بحرية ومن دون التزام بقراءة القصائد وفقا ترتيب نمطي، وهذا ما فعله تحديدا في فيلمه هذا، الذي نزع الى اختيار بناء سردي حر، لا يمتثل لزمنية مشهدية ولا لبناء درامي يرصد أفعال الشخصيات، فالجميع هنا أسرى وحدة شديدة يجهدون خلالها لمد جسور التواصل الإنساني مع الآخر. انه نشيج صادق عن وحشة الألم ومشقة الأسى. فيلم عن الحب في مدياته القصوى، ذروته، وأفوله.

 

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “من زاوية أنثى”: آثام الذنوب في الحب والطموح.

(ثقافات) ميسّر السردية في سيرة مدينة –عمان في الأربعينات – يقول عبدالرحمن منيف ” هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *