الرئيسية / خبر رئيسي / عبودة..الآس السوري وتشوه الإنسان في عالم مضطرب
كمال ميرزا

عبودة..الآس السوري وتشوه الإنسان في عالم مضطرب

خاص- ثقافات

قد يكون حضور اللحظة السورية بكل ثقلها سببا في الانشداد إلى قصة “آس” التي تضمنتها مجموعة “عبودة” القصصية للكاتب الأردني الساخر كمال ميرزا لكنه ليس السبب الوحيد في جميع الأحوال.

يعود الجزم بوجود أسباب أخرى إلى الاسئلة التي تطرحها القصة المجدولة بعناية لتحاكي مستقبل الأزمة التي يضبط الأردنيون ساعاتهم على ايقاعاتها.

يلتقط القاص فكرته من عبارة “تشكل آسي” التي اعتادت السوريات على ترديدها لأزواجهن ووجدت طريقها إلى المشاهد العربي عبر الدراما السورية في سنواتها الذهبية وينتهي بالكهل الأردني وهو يذرف الدموع و”يشكل الآس” على قبر زوجته السورية .

زمن القصة التي تبدأ بزواج الشاب الأردني من اللاجئة السورية وينتهي بشيخوخته ووفاتها يضيف جديدا إلى العبارة ـ التي تعني اشتهاء المرأة الموت قبل زوجها تعبيرا عن حبها له ـ لا سيما وأنه يؤطر الايحاءات المفتوحة على بقاء اللاجئين السوريين فترات طويلة قادمة وتأبين قضيتهم ليتحول الوطن السوري إلى موطن للآس الذي يؤتى به من بلاده ليشكل على قبور أهلها اللاجئين في المنافي القريبة والبعيدة .

ترتيب القصة في المجموعة التي ترصد تشوهات الإنسان في عالم مضطرب أقرب إلى اقتحام الجرح السوري للحظة الأردنية المتعبة مما يمنح حضور اللاجئين السوريين تناغما مع واقع أردني تغيب الكثير من تفاصيله أمام أية محاولة لإسقاط قصص اللجوء والهجرات من الذاكرة .

مع القصة الأولى ” لا تحزن” التي تبدأ بها المجموعة تظهر أنماط سلوك كرسها الإسلام السياسي في حياة الناس وعالم الزيف والقشور وتأبيد الحزن والعيش خارج الزمن والبحث عن الماضي.

وفي قصة “العاهة” حيث ينقلب أهل القرية على كرامات الفتى حسون  يوغل ميرزا في عمق الثقافة الشعبية حاضنة الخرافة  مستفيدا من ثقافته الانثربولوجية.

تحولات المجتمع المتمثلة في نمو طبقات وانحسار أخرى  تعكس بعض مظاهر التشوه الذي يظهر مع انكفاء حلم المتقاعد من وظيفة مرموقة في قصة “توجيهي” امام قدرة تاجر الخردة على بناء الأحلام وتحقيقها ودون استغراق في تنظير وجودي يعاين القاص من خلال لقيط قصة “عشائر وحمايل” ذوبان الفرد بالعشيرة وأثر البنية الاجتماعية على السلوك.

إلى جانب تشوهات الوعي الشعبي هناك شيزوفرينيا النخب والمناضلين في بلد يعيش قلق التهديد الإسرائيلي حيث يدخل بطل قصة “تطبيع” في صراع داخلي بين عجزين اكتشفهما في لحظة واحدة؛ أحدهما أنه يضاجع فتاة ترتدي ملابس داخلية إسرائيلية، والثاني عدم قدرته على مجاراة فحولتها في الفراش .

تكتمل عوالم المجموعة بنقدها تشوه السياسات حيث الممارسات البوليسية للنظام الرسمي العربي الذي يحاكم بطل قصة “الحائر” بسبب هذياناته تحت تاثير “البنج” خلال خضوعه لعملية جراحية فيما يتسع الهامش بين القانون وممارسته في قصة “يا مدارس يا مدارس” عندما تجد الفتاة نفسها خارج أسوار المدرسة لعجزها عن دفع التبرع المدرسي رغم إلزامية ومجانية التعليم الأساسي.

الإنسان في مجموعة “عبودة” الساخرة ضحية تراكمات وعيه وثقافته وانشداده إلى الوراء وعدم قدرته على فهم واقعه وتحديد مصيره وفي ذلك ما يكفي لتضخم حالته كضحية وتشعبها وتشظيها لتجد مرايا جديدة لشعور الاستلاب في علاقتها مع نظاميها السياسي والاقتصادي ونمط حياتها اليومي .

_________

  • كاتب من الأردن

 

شاهد أيضاً

2014-635394230769131285-913

الأدب ملتبساً بفضاءات أخرى

*د. حسن مدن كان جون بول سارتر فيلسوفاً وكاتباً وروائياً ومسرحياً وباحثاً وناقداً وكاتب مقالة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *