الرئيسية / خبر رئيسي / الكتابة الصوفيّـة وهاجس المشروعيّـة بالغرب الإسلامي الوسيط
57c99f6701e011295520502

الكتابة الصوفيّـة وهاجس المشروعيّـة بالغرب الإسلامي الوسيط

*رشيد اليملولي

يوصف المجال الاجتماعي باعتباره ميدانًا لاحتضان الصراعات بين مختلف الفاعلين، بغرض ضمان الريادة والزعامة، أو قصد التموقع في مصاف القوى القادرة سواء على صياغة الحياة العامة ونسج مقومات وجودها، أو بسط “الأنموذج” الخاص وجعله مطية لتحقيق مآرب سياسية.

يغدو وفقًا لذلك، المجال مباحًا لشتى أنواع الوسائل القمينة بتحقيق ذلك سواء كانت مادية أو رمزية، ويصبح بموجبها هذا الفضاء خاليًا من المجانية أو الهامشية المرتبطة بالسلوك أو الفعل أو الإشارة أو الإيماءة، فالكل له دلالته ومعناه في حقل المشروعية الاجتماعية.

ينهض هذا المقال بمهمة الكشف عن سياق تشكل الكتابة الصوفية، وتطور نسق خطابها في اتجاه معرفة توجهها وأفقها الخاص في قيادة المشروع الاجتماعي “البديل”، محاولاً قدر الإمكان التقليل من المغالاة في إبراز القيمة الأخلاقية الصرف التي تعزى وتلصق قسرًا بهذا النوع من الكتابة، وتنميط خطابها وتعريته من كل غاية صراعية.

لا يمكن الفصل في الكتابة الصوفية بين بعدها الديني والثقافي، ومرجعيتها الاجتماعية المحددة بوجود “تيار” له هويته الخاصة ومواقفه المعبر عنها بخطاب يتماشى مع منطلقاتها وغايتها[1]، وتدين هذه الكتابة بولادتها للقرن السادس الهجري باعتباره المعلمة الزمنية التي أنبتت هذا الجنس الأدبي ـ الاجتماعي[2]، وهو ما يفرض معرفة الارتباط بين ظهور هذا التيار، وطبيعة المجال السياسي المرافق له؛ بحيث أنّ التصدع في النسيج الاجتماعي الذي أسسته السلطة السياسية في فرضها أنموذجًا معينًا مبنيًّا على الإخضاع والإلزام والقسر بالأسلوب العسكري الصرف، خارج التعاقد الذي انبنى عليه مشروع الرسالة المؤسسة، بشكل جعلها أشد خطورة على القيم الأخلاقية والدينية المؤطرة للمجتمع، بل ومعارضتها لروح العدالة والتكافل والتضامن الاجتماعي وقيمها، هذا التباين والتعارض ما بين المعيار والفعل في التجربة السياسية للقرن 6هـ / 12م، هو الذي فجر انبثاق قوة اجتماعية و”سياسية” تزعمها أهل الزهد والصلاح، الذين شكلوا “طبقة” لها جاذبيتها في إقامة التوازن بين المجتمع والسلطة[3]، وفي أحايين كثيرة مراقبة اختيارات الدولة وتقييمها في ضوء المبادئ الأخلاقية المؤسسة للرسالة الدينية من جهة، ومن الواقع الاجتماعي إلى حد كبير، بغرض تحقيق التوازن بين فئاته وشرائحه[4]، وعلى الرغم من المسحة الأخلاقية الظاهرة على جل المتن المناقبي، فإنّ ذلك لا يحجب مضمون العلاقة “الصراعية” بين رجاله والنظام السياسي وأطرافها[5]، وعادة ما يظهر هذا المضمون ويختفي، ويضمر ويعلن في الرسالة الخطابية.

وقبل الكشف عن هذا المضمون حريّ بنا أن نقف عند سمات هذه الكتابة وخصائصها.

يميز أحد الدارسين[6] بين نمطين من التصوف في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي في المغرب؛ الأول منهما يعنى بالقواعد السلوكية، شرحها وتبسيطها ويمثله أبو مدين الغوث (ت 594هـ) وأبو محمد صالح (ت 631هـ)، ويدور الثاني حول تراجم المتصوفة ومناقبهم وكراماتهم من خلال ابن الزيات والتميمي، وينضاف إليهما السر المصون الذي يغطي الأندلس ومصر والحجاز فيما بين سنة 552هـ 1157م و572هـ / 1177م[7]، فلئن كانت مادة التشوف مستقاة من الجنوب المغربي وأهل مراكش والحوز، ولئن كان المستفاد عنوانًا لمناقب أهل فاس، ودعامة اليقين تتميمًا وتتويجًا للتشوف، فإنّ السر المصون صورة مناقبية لمجال مشتت يختلف أسلوب كتابته ومشروعيتها، ومن ثم ضعف مادته في إمكانية قراءة أو تصويب النظر إلى الكتابة المناقبية بشكل عام.

يطغى على المرحلة الأولى من التصوف المغربي الترجمة المجالية، أي التغطية لمجالات محددة عرفت بمناطق الاستقرار البشري؛ فالانطلاق من تشوف التادلي[8] ومستفاد التميمي[9] ودعامة العزفي[10] ومقصد البادسي[11]، يمكن من التأكيد على تغطية مجال أوسع وامتداد مناقبي له وزنه الخاص اجتماعيًّا، مطبوع ببنية نفسية وذهنية تستقي جوهرها من الارتدادات الناتجة عن انكسار العقاب، وتحاول البوح “برد فعل” معين تجاه هذا الحدث الجلل، قد تتلمس فيه غاية ما تتوسل بخطاب لا يمتح من معين السلطة وما دار في فلكها، بتغطية الأزمة وربط حلها فقط بخطاب السلطة ـ القوة.

أما الأنموذج الثاني ؛ فيمكن أن نسميه بالتصوف الكارزماتي من خلال الترجمة لبعض رموز التصوف وأقطابه، ويمثل هذا الاتجاه بشكل قوي ابن قنفذ[12]والتادلي الصومعي [13]، فالأول أفرد مؤلفه لأبي مدين بدءًا من شيوخه وأصحابه وكراماتهم ومن لقيهم من المتصوفة، وخص الثاني اهتمامه لأبي يعزى بالتفصيل في أخباره وكراماته وشيوخه ومعاصريه، وقد يدمج أيضًا ضمن هذا النوع إثمد العينين ونزهة الناظرين في مناقب الأخوين لأبي عبد الله بن محمد بن محمد بن تجلات المراكشي، والوسيلة إلى المرغوب في كرامات المولى أبي يعقوب لأبي محمد بن عبد الله بن محمد الأوربي والسلسل العذب والمنهل الأحلى لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر الحضرمي الذي ألف سنة 767هـ / 1367م، وأهدي للسلطان أبي فارس عبد العزيز، رتب فيه الصلحاء عبر ثلاث طبقات تناسب الدرجات[14].

ويرقى الأنموذج الثالث إلى التصوف “المؤسساتي” ؛ الذي أصبحت واجهته الأخلاقية تعبر عن عمق واستراتيجية محددة في الصراع علامتها الكبرى “شفاء السائل” لابن خلدون، وروضة التعريف بالحب الشريف للسان الدين ابن الخطيب، لوحدة موضوعهما الكامن في الدفاع عن التصوف السني بعد تنامي النزعة الصوفية الشعبية والمتطرفة معًا، أملاً في ترسيم تصوف مركزي موال للسلطة متشيع لآرائها، إذ يعد تعريف ابن الخطيب محاولة جادة لتصفية الحساب مع النزعة الفلسفية[15]، ويوصف شفاء السائل بالرغبة الحادة في اقتلاع كل نزعة باطنية[16] وإن كان الباعث على تأليف الشفاء هو الإجابة على سؤال ضرورة الشيخ بالنسبة إلى المريد، فقد كان مناسبة لإبداء الرأي في التصوف والمتصوفة، ويتضح أنّ الدلالات المتأتية من هذا النوع من التأليف محكومة بهاجس القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي الذي شهد صراعًا حادًّا بين الفقهاء والمتصوفة ألفت فيه تآليف في مقاومة البدع ومنها التصوف الشعبي[17]، وجاءت استجابة “أمينة” للرغبة في المزاحمة الدينية، وسحب البساط الشرعي عنها، بعد تواطئها مع النظام السياسي ـ ونقصد الفقهاء ـ مدافعة عنها ومبررة لمسلكياتها، ويستند هذا النوع من التصوف على خلفية داعمة أهمها وجود طوائف صوفية كبرى[18]، وانتقال العصر برمته ـ المريني ـ إلى “مأسسة” التصوف وتأسيس الزوايا[19].

لا يبتغي هذا التصنيف الإجرائي إقامة الحدود الفاصلة بالمعنى الابستمولوجي، ولكنه يرنو إلى فهم طبيعة (ومستوى) تحول الكتابة ـ الخطاب من مستوى “الكتلة التاريخية” للمترجم لهم في التصوف المجالي، إلى مستوى الزعامة في التصوف الكارزماتي، وصولاً إلى المزاحمة في تحويل المجتمع إلى المرجعية الصوفية في الطابع المؤسساتي، هذا التدرج قد يعني وجود مشروع سياسي اتخذ من الكتابة أنموذجًا وقالبًا للتعبير عن “هويته” الخاصة، فما مضمرات هذه المراحل؟ وما الأفق الذي يحكمها؟.

يقترن التصوف المجالي بمرحلة المخاض[20]، التي تصادف عهد يوسف بن تاشفين وابنه علي بن يوسف، من خلال وجود ثمانية وأربعين مترجمًا لهم في التشوف عاصروا هذه الفترة، يتزامن مع ذلك وصول المؤثرات المتعلقة بالمدرسة الأندلسية ذات المنحى الإشراقي (ابن مسرة)، حيث لجأت السلطة القائمة إلى إشخاص رموزها وتغريبهم على مستوى المغرب الإسلامي منهم ابن برجان (ت 536هـ) وابن العريف (ت 536هـ)، بإيعاز من التخوف الذي أرست معالمه ثورة المريدين، والإشارات المقدمة منها، والتي وفرت الأرضية المناسبة لفرض “المنطق” الصوفي السني، بقطع الطريق على المشروع الصوفي المسلح والإشراقي للوصول إلى السلطة، ودفعه إلى البحث عن مصادر أخرى لتقوية نفوذه ووجوده، وفي هذا تفسير للإجراءات الاحترازية المتخذة من طرف السلطة المرابطية تجاه عبد الله الأصم، وأبي عبد الله الدقاق وابن العريف وأبي بكر ابن برجان[21].

و تتزامن مع هذا النوع من التصوف مرحلة تصدر الولاية[22] المفسرة من طرف التشوف وتنامي المترجم لهم وتعددهم (150 ترجمة)، وتزكيها الاصطدامات التي يعبر عنها مستفاد التميمي في بداية تأسيس الدولة وخصوصًا في مرحلة فتحها لمدن المغرب الأقصى حسب ما تجسده حالة أبي يعزى[23]، قد يعزى هذا التشدد تجاه المتصوفة إلى الدلالة السياسية التي قدمتها ثورة المريدين وابن قسي، ودفعت سلطة الموحدين إلى “تأجيل” المشروع الصوفي بمراقبة شيوخه ورموزهم[24].

إنّ القارئ للحمولة التي توحي بها مادة التصوف المجالي ؛ يلاحظ أنّ توزيعها الجغرافي يشمل القبائل التي تم على حسابها بناء المشروع السياسي الموحدي خاصة، وهذا ما قد يعني أنّ الترجمة تصدح بالشكوى من طرف القوى المهمشة[25]، وأنّ خطابها لا يقف عند الوعظ والإبلاغ، بقدر ما ينطوي على خطاب إصلاح قائم الذات[26]، فقد لا نغالي إذا حسبنا أنّ وراء كل منقبة دعوة إلى الإصلاح و”تهديدا” للسلطة بأخذ زمام المبادرة منها، وتقديم الخطاب الصوفي في لبوس سلطة بديلة على المستوى العملي والرمزي، مستفيدًا من تراخي تدخل الدولة وتراجعه وتآكله في المناطق المهمشة وفئاتها[27]، لذلك يعد التشوف والدعامة تصويرًا تاريخيًّا واجتماعيًّا لتراجع دور الدولة في حماية مجتمع ما بعد العقاب 609هـ / 1212م، ومن ثم تشكل نماذجهما إحساسًا جماعيًّا مشخصًا وتعبيرًا عن بديل، يجد معناه في غياب سلطة الدولة ومقوماتها الدينية، لذلك جاء التحفظ عليها مزدوجًا ؛ أولاً على نمط كتابتها السردية الساعية إلى تعزيز دور الحاكم، وتعويضه بالأنموذج الديني البسيط، إلى الاقتناع بالاستعانة بالخيار والبديل الصوفي[28]، القائم على قيم التآزر والتضامن أو ما يسمى حاليًّا بالاقتصاد الاجتماعي، لذلك تفاعلت الغالبية العظمى من المترجم لهم سواء في المستفاد أو التشوف أو الدعامة مع محيطها، وأحلت نفسها محل رموز السلطة وأعوانها، وأعطت الأنموذج الذي يبين التزام المريدين بالآداب والمواصفات الاجتماعية للرسالة الدينية، فكان الاعتراض الرمزي يتماشى مع الاعتراض العملي ؛ فابن الزيات والتميمي اشتركا في تغييب الألقاب السياسية الموحدية من قبيل “الموحدين” و”الخليفة” و”الإمام”، واستعاضوا عنها باسم المصامدة[29]، وفي ذلك إشارة دالة على الرغبة في إثبات موقف معارض، وعبرها إثبات سلطة معرفية مهيمنة طالما تغذى منها الجسم السياسي في الإسلام بطريقة مباشرة أو غير مباشرة[30].

إذا كانت مادة التصوف المجالي ورمزيته وإيحاءاته، تعني تغطية غالبية المجال المغربي باستثناء المناطق الشرقية في السهول العليا، فيمكن افتراض أنّها الخلفية الاجتماعية في بعدها العددي، أي “العصبية الصوفية” المؤهلة لقيادة “الثورة”، لا تنقصها سوى الإدارة السياسية الممثلة في الزعامة، والتي تعبر عنها الكتابة الصوفية الكارزمية في جيلها الثاني ؛ فألقاب القطب والغوث والولي لا توصف فقط برمزيتها وبعدها الديني، بل تتعداهما إلى رتبة اجتماعية وسياسية تجعل من حاملها مقدمًا في قومه أو في جماعته[31]، خاصة أنّ هذا النوع من الكتابة يتجاوز في مبناه ومعناه كتب التنظير، إلى بسط الأنموذج الحامل لقيم الرسالة الدينية وخصائصها العملية، والاندماج أخلاقًا وسلوكًا في أسرة الأنبياء والأولياء، مؤكدًا جدارته الدينية من خلال تفرده بكرامة محددة[32]، يؤكده موقع الإجماع حول شخصه، والذي يتأتى بتجسيد فلسفة “القرب” التي ينهجها. يستفيد في هذا المستوى الولي ـ الزعيم من تآكل شرعية السلطان القائم ومشروعيته بإيعاز من النسق الاجتماعي المتوتر الناجم عن انحراف في مسار بناء الدولة، انطلاقًا من المقومات التي صاغتها الرسالة ـ المشروع الباعثة على قيام الدولة.

يستمد القطب والولي الشخصية الكارزمية من الشخصية القاعدية[33] ذات الصبغة المرجعية على مستوى النظر والفعل، وهي التي تجعل من التفرد والتعالي والعبقرية مجرد خصال ترتبط بالمسار الشخصي والإضافة الفردية. تفسر في هذا الصدد العلاقة المتوترة بين أبي يعزى والسلطة الموحدية[34]، بالإضافة إلى صور أخرى للتعارض النابع من الاختلاف في الأفق، وهو صراع وإن بدا رمزيًّا، فإنّه لا يخلو من طبيعته الاجتماعية والسياسية عبر العديد من المواقف الصدامية مع السلطة[35]. غير أنّ تطور الكتابة الصوفية ومسارها بمشروعها الخاص توقف لمدة قرن تقريبًا غاب خلاله التفرد[36] والقيمة التي منحها إياه التصوف المجالي، وفسح المجال لظهور التصوف الشعبي، وفي هذا السياق يأتي الشفاء لابن خلدون وروضة التعريف لابن الخطيب، لخدمة هدف معين يروم إعادة “مأسسة” الخطاب الصوفي وتخليصه من الشوائب التي علقت به، وذلك بتجديده ورفع اللبس عنه لما طاله من شعبوية وتهديد باطني، وتنطبق زمنيًّا على القرنين التاسع والعاشر للهجرة الذي سمي بعصر تجديد التصوف[37] من خلال ظهور أسماء بارزة أهمها محمد بن سليمان الجزولي (ت 870هـ)، وسميت كذلك بمرحلة التنظيم والهيكلة بفعل ظهور أسماء أخرى إلى جانب محمد بن سليمان الجزولي، كأبي الحسن الشاذلي وعبد السلام بن مشيش وأحمد زروق[38]، وابن عباد صاحب الرسالة الموجهة لأبي فارس المريني، هذا الامتداد في ظهور الأعلام الصوفية واجهته السلطة المرينية بإنشاء الزوايا، وذلك في مرحلة مبكرة من خلال زاوية تافطرست التي أقيمت على ضريح عبد الحق بن محيو سنة 614هـ / 1217م جد المرينيين، وهو ما يعد إشارة إلى ربط ظاهرة التصوف بالأصل “الجينيالوجي” لحكام المغرب آنذاك، رغبة في “تلغيم” الامتداد الصوفي، وازاه بشكل آخر نشاط بناء الزوايا و”مأسسة” عملية البناء هذه[39]، وهي استراتيجية سار عليها الحكم القائم لاحتواء الطوائف الصوفية بمختلف مشاربها، وفي السياق ذاته إنتاج خطاب مناقبي يضعها في مرتبة أهل الزهد والصلاح، وفي مرتبة أهل البيت الذين يمتعون بنفوذ روحي في نفوس المغاربة[40].

إنّ انتقال الخطاب المناقبي من الترجمة للكتلة التاريخية (الحرفيون، المزارعون، الرعاة، المدرسون، الصيادون، الأميون، بعض أرباب الوظائف)، إلى الترجمة لرموز هذا الخطاب، وصولاً إلى الدفاع عن مشروعية التصوف وأحقيته باعتباره كيانًا خاصًّا، يعد في تقديرنا خطابًا مسكونًا بهاجس الشرعية الاجتماعية الرامية إلى تقعيد الشرعية السياسية، وتقديم “البديل” انطلاقًا من الانحراف والفشل في إرساء نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي مؤهل لمأسسة الصراع وتدبير مقتضياته، والدفاع عن بناء أنموذج يعتد بالتربية والتكوين الذاتي بعيدًا عن سلطة القوة والسيف، بما يشكل تنشيطًا للحياة الاقتصادية والسياسية خارج القوالب المعهودة لبناء الدولة.

وإذا كان الرأي “المتفق” عليه أنّ التصوف خطاب أزمة ؛ فإنّ الأزمة تفهم بمعناها الحضاري أي انتكاسة الأنموذج السياسي الوسيط في التعبير عن مطمح الرسالة الدينية، وفراغ الوسيلة “العسكرية” من أي تعاقد اجتماعي، وهو ما قد يفسر استغلال الكتلة التاريخية الفرصة لمعانقة “المشروع” الصوفي ولو على سبيل تجاوز الضغط واحتضان الكرامات وتصديقها في الحد الأدنى للتعبير عن الامتعاض والتذمر من الأوضاع السياسية والاجتماعية، أملاً في تطوير هذا الحنق ـ عبر “العصبية الصوفية” ـ وتحويله إلى مسار ثوري إن سنحت الفرصة لذلك.


[1] عبد الجليل لحمنات، التصوف المغربي في القرن 6 هـ / 12م، مقدمة لدراسة التصوف بالمغرب (دبلوم الدراسات العليا)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، محمد الخامس، الرباط 1989 ـ 1990، رسالة مرقونة، ص 214

[2] يكاد يجمع العديد من الدارسين على أنّ القرن السادس الهجري، هو الفترة الزمنية التي أنجبت التصوف بخصائصه ومعالمه، وهذا الربط بين الفترة الزمنية وظهور الخطاب المرافق لها، يعكس في تقديرنا الحاجة إلى خطاب بوساطته يتم الدفاع عن الحق في مشروعية الصراع:

ـ عبد الجليل لحمنات، التصوف المغربي في القرن 6 هـ / 12م، ص 48

ـ التميمي، المستفاد في مناقب العباد، من تحقيق الأستاذ محمد الشريف، منشورات كلية الآداب ن تطوان 2002، ص 11

ـ محمد الشاذلي، التصوف والمجتمع، نماذج من القرن العاشر، منشورات جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء 1989، ص 72

ـ محمد البركة، التصوف السني في المغرب، ضمن التصوف السني في تاريخ المغرب، منشورات الزمن، 2010، ص 71

[3] محمد المغراوي، العلماء والصلحاء والسلطة بالمغرب والأندلس في عصر الموحدين (دكتوراه دولة)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية محمد الخامس، الرباط 2002ـ 2001، رسالة مرقونة، ص 35

[4] محمد مفتاح، التيار الصوفي والمجتمع في الأندلس والمغرب أثناء القرن 8هـ / 14م، (دكتوراه دولة)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية محمد الخامس، 1981ـ 1980، رسالة مرقونة، ص 76

[5] لحمنات عبد الجليل، التصوف المغربي، ص 224

[6] نفسه، ص 217

[7] محمد الشريف، نصوص جديدة ودراسات في تاريخ الغرب الإسلامي، ط1، كلية الآداب تطوان 1996، ص 32

[8] انظر، التصوف إلى رجال التصوف، تحقيق أحمد التوفيق، ط2، منشورات كلية الآداب الرباط 1997

[9] انظر، المستفاد في مناقب العباد، تحقيق محمد الشريف، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية تطوان 2002

[10] انظر، دعامة اليقين في زعامة المتقين، تحقيق أحمد التوفيق، مطبعة المعرف الجديدة، الرباط.

[11] انظر، المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد أعراب، ط2، المطبعة الملكية الرباط 1993

[12] انظر، أنس الفقير وعز الحقير، نشر وتصحيح محمد الفاسي وأدولف فور، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي.

[13] انظر، كتاب المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى، تحقيق علي الجاوي، منشورات كلية الآداب ابن زهر، أكادير 1996

[14] محمد مفتاح، التيار الصوفي والمجتمع في الأندلس والمغرب أثناء القرن 8هـ / 14م، ص 10

[15] محمد مفتاح، بين السياسة والتصوف المشاع، مجلة البديل، ع 4- 5، 1983، ص 41

[16] محمد مفتاح، التيار الصوفي، ص 126

[17] نفسه، ص 249

[18] من المعلوم أنّ ابن قنفذ في أنسه المؤلف سنة 711هـ / 1311م، قد ذكر العديد من الطوائف الصوفية منها على الخصوص؛ الشعيبيون، والصنهاجيون، والماجريون، والحاحيون، والغماتيون، والحجاج، ص 63ـ 64

[19] أحمد البوزيدي، التصوف بالمغرب المريني وجدل المشروعية، ضمن التصوف السني في تاريخ المغرب، منشورات الزمن، 2010، ص 107

[20] محمد القبلي، مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، دار توبقال، 1987، ص 22

[21] ابن الزيات، التشوف، ص 118، 155، 120

[22] محمد القبلي، حول تاريخ المجتمع المغربي في العصر الوسيط، منشورات الفنك، الدار البيضاء 1998، ص 24

[23] محمد الشريف، من مقدمة تحقيق المستفاد، ص 23ـ 24

[24] محمد مفتاح، التيار الصوفي، ص 81

ـ محمد المغراوي، العلماء والصلحاء والسلطة، ص 393

[25] أحمد التوفيق، التاريخ وأدب المناقب، ضمن التاريخ وأدب المناقب، منشورات الجمعية المغربية للبحث التاريخي، الرباط 1989، ص 90

[26] عبد الله بن عتو، التصوف المغربي من عمق السياق إلى قوة الرمز، ضمن الزوايا في المغرب، مجلة المناهل، ج1، ع 80ـ 81، منشورات وزارة الثقافة، المغرب، 2007، ص 298

[27] عبد المجيد الصغير، إشكالية إصلاح الفكر الصوفي في القرنين 18م و19 م، ج1، ط2، دار الآفاق الجديدة، المغرب 1994، ص 23

[28] محمد القبلي، مراجعات حول المجتمع والثقافة، ص 71، 79

[29] محمد الشريف، تحقيق المستفاد، ص 25

ـ محمد المغراوي، العلماء والصلحاء والسلطة، ص 36

[30] عبد المجيد الصغير، إشكالية إصلاح الفكر الصوفي، ص 11

[31] جورج كتورة، التصوف والسلطة، مجلة الاجتهاد، س3، ع 12، 1991، ص 190

[32] عبد الفتاح كيليطو، الولي والجمل، ضمن التاريخ وأدب المناقب، منشورات الجمعية المغربية للبحث التاريخي، الرباط 1989، ص 44

[33] محمد مفتاح، بين السياسة والتصوف المشاع، ص 47

[34] محمد مفتاح، السياسة الحيوانية، قراءة في كرامات أبي يعزى، ضمن التاريخ واللسانيات، منشورات كلية الآداب الرباط 1992، ص 69

وحول نماذج أخرى للمواجهة بين السلطة القائمة وبعض شيوخ التصوف يرجى الاطلاع على:

– محمد الشريف، ما قبل هيكلة الزوايا بالمغرب، ضمن الزوايا في المغرب، مجلة المناهل، ج1، ع 80ـ81، منشورات وزارة الثقافة 2007، المغرب، ص24، 25، 29، 32

ـ إبراهيم القادري بوتشيش، حول محن المتصوفة المغاربة، ضمن الزوايا في المغرب، ج1، ع 80ـ 81، منشورات وزارة الثقافة، المغرب، 2007

[35] لمزيد من التوسع انظر، مقالنا: بعض ملامح المشروع السياسي الصوفي، مجلة كان التاريخية، ع 29، 2015

[36] عبد اللطيف الشاذلي، التصوف والمجتمع، ص 16

ـ علي الجاوي، من مقدمة تحقيق كتاب المعزى، ص 36

[37] عبد اللطيف الشاذلي، التصوف والمجتمع، ص 72

[38] إبراهيم القادري بوتشيش، ثقافة الوسطية في التصوف السني بالمغرب، ضمن التصوف السني في المغرب، منشورات الزمن، 2010، ص 18

[39] أحمد البوزيدي، التصوف بالمغرب المريني وجدل المشروعية، ص 107

[40] لمزيد من التوسع يرجى الاطلاع على العمل الرائد للأستاذ محمد القبلي ؛ السلطة والمجتمع والدين في نهاية العصر الوسيط (بالفرنسية).
_______
*مؤسسة مؤمنون بلا حدود

شاهد أيضاً

15327293_1177974565621596_4935990444522116679_n

رحيل الأديب والمترجم العراقي حسين الموزاني

“نحن نحفر في الصحراء القاسية من أجل أن نجد مساحات ابداع وحرية في كل مكان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *