الرئيسية / إضاءات / البوذية.. معتقد يحاول البحث عن الحقيقة

البوذية.. معتقد يحاول البحث عن الحقيقة



*د . يسري عبد الغني عبد الله


” إن الحياة معاناة ، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة ، و الوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة ، والوصول إلى هذا الكف ، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع ، وهي : الإدراك السليم ، والتفكير السليم ، والكلام السليم ، والأفعال السليمة ، والحيوية السليمة ، والمجهود السليم ، والمبالاة السليمة ، والتركيز السليم . ” [ بوذا]
إن البوذية تشبه البروتستانتية ، في كونها بدأت تعبيرًا عن الاحتجاج على ديانة قائمة ، ثم تطورت إلى حركة دينية واسعة قائمة بذاتها اتبعها الملايين من البشر .
والبوذية تشبه البروتستانتية أيضًا في أنها تنقسم إلى عدة مذاهب ، يختلف كل منها عن الآخر اختلافًا كبيرًا ، وكلمة بوذا معناها (المتنور) ، أما الاسم الحقيقي لبوذا فكانت (سيدهارثا جوتاما) الذي ولد في منطقة (كابيلا فاستو) التي تقع في شمال الهند ، وكان ذلك حوالي عام 560 قبل الميلاد .
وعندما بلغ سن التاسعة والعشرين من عمره ، كان اهتمامه بما كان يشاهده حوله من مآس تتمثل في المرض ، والموت ، والفقر ، والتعاسة ، وقد بلغ حدًا جعله يهجر زوجته وابنه الصغير ، ويتحول إلى ناسك يبحث عن الحقيقة ، كان أول ما يريده ، التوصل إلى إدراك كنه العذاب ، الذي خيل إليه أنه جزء لا يتجزأ من الحياة الإنسانية .
وجد بوذا الديانة الهندية السائدة غير مقنعة ، وهي ديانة تنتمي إلى تلك المجموعة من الديانات المعروفة باسم الديانات التوحيدية ، أو وحدة الروح ، وبمقتضاها كان الهنود يرون أنه علاوة على كل ما يوجد حولنا مما نراه ، أو نحسه ، أو نشمه ، أو نسمعه ، أو نفكر فيه ، توجد حقيقة غير محسوسة ، أو عالم الروح ، وهو ما يجعل كل شيء مترابطًا حولنا ، ويطلق الهنود على هذه الحقيقة اسم (البرهمانا) ، وهم يعتقدون أن الروح تولد عدة مرات تلو الأخرى ، في مستوى أكثر سموًا أو أكثر انخفاضًا حسب ما تستحقه ، إلى أن يأتي الوقت الذي يصل فيه إلى أعلى درجات السمو ، فتمتصها البرهمانا ، ولا تولد مرة أخرى ، وتلك هي درجة النعيم الأبدي الذي يسمونه (النيرفانا) .
ويتمشى نظام المستويات مع تلك التعاليم الدينية ، وهو النظام الذي يقول بأن الإنسان بنشأته يتبع إحدى المستويات الأربعة التي تشمل جميع الطبقات ، وهي تنبعث أصلاً من جسم البرهمانا ، فالكائن البرهمي المقدس يخرج من فم البرهمانا ، والمحاربون يخرجون من صدره ، والتجار والصناع من الفخذين ، أما العبيد فمن أقدامه ، ولما كان المركز الاجتماعي في هذه الحياة الأولى يحدد مركزهم في الحياة الأخرى ، فإن الكهنة ، والأمر كذلك ، يتمتعون باحترام خاص . 
وقد نبذ بوذا الفكرة البرهمية ، كما نبذ فكرة المستويات ، وكان يعتقد أن كل إنسان يملك القدرة على أن يحيا حياة قدسية ، وأن هذه القدرة ليست مقصورة على المستوى البرهمي ، كما أنه كان يعتبر أن النساء أيضًا لهن نفس القدرة ، وقد كان مركزهن الاجتماعي في أدنى درجة طبقًا للديانة الهندية الجامدة ، والواقع لقد كانت عادة حرق الأرامل من النساء فوق نفس النار التي تحرق فيها جثث الأزواج ، من العادات المتبعة لدى بعض الطوائف الهندية إلى عهد قريب لا يتجاوز أكثر من مائة عام .
كان بوذا يعتقد أن الروح بعد وصولها إلى أعلى درجات السمو تنطفئ ، ولا تعود مرة ثانية إلى عالم الأرض ، ولا يمتصها أي عالم روحاني آخر ، والنيرفانا في عرف البوذية هي حالة الانطفاء هذه ، وفي الوقت نفسه احتفظ بوذا بالعقيدة الهندية الخاصة بالتقمص أو الكارما ، وهذا هو السبب في أن البوذيين الأخيار يكونون دائمًا شديدي الحب والعطف على الحيوانات ، ويتجنبون أن يطأوا بأقدامهم حتى أقل الحشرات شأنًا ، ويحترمون حق جميع المخلوقات في أن يسلكوا طريقهم على سلم التدرج ، إلى أن يصلوا إلى درجة الحياة البشرية ، ومنها إلى أعلى درجات القدسية .
ولكننا قد نتساءل عن السبب في أن يكون الهدف من صراعهم هو مجرد الانطفاء الكلي ، وفي أن تكون رغبة الفرد هي مجرد التلاشي ؟! ، إن الإجابة التي يقدمها البوذيون على هذا التساؤل هي : أن الحياة لا تستحق أن تعاش ، بل هي لا تعدو أن تكون مجرد رغبة قوية لتحقيق أطماع لم يتم تحقيقها ، وهذه الرغبة هي القوة الكامنة وراء عودة الروح ، فمتى تعلم الإنسان كيف يكبح جماح رغباته ، فإن تلك القوة الكامنة تتلاشى .
والحقائق الأربع النبيلة في العقيدة البوذية هي : أن الحياة معاناة ، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة ، و الوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة ، والوصول إلى هذا الكف ، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع ، وهي : الإدراك السليم ، والتفكير السليم ، والكلام السليم ، والأفعال السليمة ، والحيوية السليمة ، والمجهود السليم ، والمبالاة السليمة ، والتركيز السليم . 
كان الملك (أزوكا) هو الشخصية البارزة في تقدم البوذية ، وكان قد أصبح ملكًا على جزء كبير من الهند في حوالي عام 270 قبل الميلاد ، فلم يكتف بأن يجعل رعاياه فقط يعتنقون البوذية ، ولكنه قام بإرسال بعثات تبشر بالبوذية إلى الأقاليم الأخرى ، غير أن البوذية لم يكن مقدرًا لها الازدهار في بلاد الهند ، حيث طغت عليها الديانة الهندية ، ثم ظهور الإسلام الذي جاء من الغرب ، مما جعل البوذية تنتقل شمالاً وجنوبًا .
وفي مدة حكم أزوكا ، انقسمت البوذية إلى مجموعتين رئيسيتين هما : الهينايانا أو الناقلة الصغيرة ، والماهايانا أو الناقلة الكبيرة ، وقد ازدهرت الأولى في الجنوب ، وفي سيلان (سيرلانكا) ، وبورما (مينيمار) ، وتايلاند ، بينما أحرزت الثانية نجاحًا كبيرًا في بلاد الصين ، والكوريتين ، والتبت ، واليابان .
وتعتبر الهينايانا أصفى أشكال البوذية ، وأتباعها يعتبرون أن بوذا ليس مجرد رجل وضع بعض قواعد للسلوك ، ولكنه ليس إلهًا يعبد ، وفي سيرلانكا التي تعتبر مركز الهينايانا ، توجد أشهر آثار بوذا وهي إحدى أسنانه .
أما الماهايانا فهي شكل منحرف للبوذية ، على حد ما كتبه أهل التخصص في دراسة البوذية ، وأتباعها يعتبرون بوذا واحدًا من الكائنات الإلهية العديدة ، كما أنهم يعبدون الروح التي ألهمت بوذا ، وهم يؤمنون بالملائكة والشياطين ، وبعض طوائفهم يؤمنون بوجود الجنة والنار ، مؤكدين على أنه من الضروري أن تمر بهما الروح قبل أن تصل إلى مرتبة النيرفانا ، وتوجد عدة أشكال للماهايانا ، ففي التبت يعتقد النساك أن الصلوات المكتوبة التي توضع في عجلات تصعد إلى بوذا عندما تدور العجلات ، وفي اليابان طائفة من البوذيين تسمى (زن) ، وهؤلاء يعلقون أهمية كبيرة على التأمل ، ولديهم في ذلك وسائل تشبه إلى حد كبير تعاليم اليوجا ، والغرض منها المساعدة على التركيز أو الصفاء الروحي .
يقول الباحثون : إن جميع طوائف البوذية من النساك ، وذلك لأهمية التأمل العميق الذي لا تعترضه أية مقاطعات ، ولديهم نظام للرهبنة والكهانة كجزء من زعامة دينية واسعة النطاق ، ويقال : إن المستندات الرئيسية التي تعتمد عليها الهينايانا هي سلال العقيدة الثلاث ، أو التيبيتاكا ، وقد اعتمدت هذه المستندات في عهد الملك أزوكا ، وللماهايانا تفسيرها الخاص للتيبتاكا .
وختامًا نقول : هذا تعريف موجز بالبوذية ، تلك العقيدة التي كتب عنها الكثير ، فلعلنا نكون قد وفقنا في الإفادة بهذا الموجز .
__________
*باحث وخبير في التراث الثقافي

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *