الرئيسية / إضاءات / محمود شقير: الإيجاز يغري الهواة فتكثر النماذج الرديئة من القصة القصيرة جداً

محمود شقير: الإيجاز يغري الهواة فتكثر النماذج الرديئة من القصة القصيرة جداً


*آية الخوالدة


أخذ الكاتب الفلسطيني محمود شقير على عاتقه تقديم القضية الفلسطينية في مجمل منتجه الإبداعي، فكتب للطفل من أجل أن يزرع فيه حب الأرض، وكتب عن القدس التي يقيم فيها وما يحيط بها من خطر التهويد، وحصل مؤخرا على جائزة القدس للثقافة والإبداع لعام 2015. 

كتب شقير الرواية والقصص القصيرة جدا وأدب الرحلات، بالإضافة إلى أدب الطفل، وهو من جيل كتّاب مجلة «الأفق الجديد» المقدسية. ترجمت أعماله إلى عدة لغات كالفرنسية والإنكليزية والإيطالية. من أشهر مجموعاته القصصية: «خبز الآخرين» و»طقوس المرأة الشقية» و»مرور خاطف» و«ابنة خالتي كوندوليزا» وشصورة شاكيرا». التقته «القدس العربي» على هامش حصوله على جائزة القدس وكان هذا الحوار.
□ جائزة القدس للثقافة والإبداع لعام 2015، ماذا تعني لك هذه الجائزة؟
■ تعني لي هذه الجائزة الكثير. هي تتويج للعلاقة التي ربطتني وتربطني بالقدس منذ طفولتي وحتى الآن. وهي تقدير لكتاباتي المتعددة عن القدس. ظهرت القدس في حوالي عشرين كتابًا من كتبي المكرسة للكبار، وتلك المكرسة للأطفال وللفتيات والفتيان، ولعل أبرز هذه الكتب كتابي «ظل آخر للمدينة» الذي كتبته بعد عودتي إلى القدس من المنفى، وهو سيرة ذاتية للمدينة ولأهل المدينة. ثم أن هذه الجائزة تضع على عاتقي مسؤوليات جديدة، وتجعلني معنيًّا على نحو أكيد بتقديم مزيد من الكتابة التي تدافع عن القدس بصفة كونها مدينة محتلة، معرضة لخطر التهويد، وفي الوقت نفسه فإن أهلها المقدسيين من مسلمين ومسيحيين معرضون لخطر الطرد والتهجير من مدينتهم. وما يجري الآن من اعتداءات متكررة على أيدي المستوطنين وغلاة المتطرفين الإسرائيليين على المسجد الأقصى هو مؤشر على المخاطر التي تتهدد المدينة.

□ بدأت مسيرتك في الكتابة للطفل، ومن المعروف أنها تعتبر من أصعب أنواع الكتابة الأدبية، كونها موجهة لجمهور صعب ومعقد للغاية، فكيف تصف تلك المرحلة الطويلة؟ 
■ أعتقد أن اشتغالي في التدريس لسنوات طويلة جعلني قريبًا من عالم الأطفال، قادرًا على تحسس رغباتهم وطرائق التعبير عن هذه الرغبات، كما أن قراءاتي لكثير مما كتب ويكتب للأطفال على الصعيدين العربي والعالمي مكنتني من الاقتراب أكثر من عالم الأطفال، ثم أن ميلي إلى استخدام اللغة التي لا تعقيد فيها ولا التواء في كتاباتي المكرسة للكبار قبل الأطفال، جعلت لغتي في القصص والروايات التي كتبتها للأطفال وللفتيات والفتيان قابلة للفهم ولتجاوب الأطفال والناشئة معها.
ابتدأت الكتابة للأطفال أواسط سبعينيات القرن العشرين، وأنجزت حتى الآن ما يزيد عن عشرين كتابًا بينها أربع روايات للفتيات والفتيان، وكنت وما زلت أعوّل في هذه الكتابات على تقديم القضية الوطنية وحب الأرض بالشكل الذي لا يثقل على وعي الطفل ولا يعيق تقبله لما أقدمه له، وكنت وما زلت كذلك أعوّل على عنصر الخيال الذي لا بد منه أثناء الكتابة للطفل، لأنه ضروري لإغناء مخيلته وجعله أقدر على إدراك ما حوله من ظواهر وأشياء.

□ ما الذي جذبك إلى عالم الطفل من أجل الكتابة له؟ 
■ جذبني إلى هذا العالم في الأساس الطفل الذي في داخلي. كتبت وأكتب للأطفال لإرضاء هذا الطفل الذي في داخلي، الذي ما زال ينظر إلى العالم ببراءة وعفوية واندهاش. وجذبتني الرغبة في إثراء عالم الأطفال بكتب هم في حاجة إليها. هنا، في فلسطين، تأخر انتشار أدب الطفل على نحو واسع. كانت هناك جهود فردية مبعثرة، ولم تكن لدينا مؤسسات معنية بهذا اللون من الأدب. الآن، ومنذ سنوات ظهرت مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، ومركز أوغاريت للنشر والترجمة، وكذلك جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل، ودار البحيرة المتخصصة في نشر أدب الأطفال. وقد أسهم وجود هذه المؤسسات بإحداث قفزة نوعية في الكتابات المخصصة للأطفال وللفتيات والفتيان، وقد أصدرت لي هذه المؤسسات عددًا غير قليل من الكتب، بل أن جمعية الزيزفونة تصدر منذ ثماني سنوات مجلة «الزيزفونة» للأطفال من سن 9 إلى 15، وبعد ذلك أصدرت مجلة أخرى هي «الزيزفونة الصغيرة» للأطفال من سن 5 إلى 8 سنوات. وأنا ملتزم بالكتابة لهاتين المجلتين بانتظام منذ صدورهما حتى الآن. 

□ كتبت القصص القصيرة والقصيرة جدا والرحلات والنصوص المسرحية، لماذا تأخرت في كتابة الرواية؟ 
■ كنت متهيبًا من ذلك. اعتقدت وما زلت أعتقد أن الرواية تحتاج إلى خبرة عميقة في الحياة وإلى اطلاع واسع على الإنجازات الإبداعية التي راكمها روائيون عرب وأجانب. وكنت طوال الوقت اقرأ الروايات العربية والأجنبية بشغف، وأجرب كتابة نصوص سردية مطولة، مستفيدًا من تقنيات السرد الروائي، كما فعلت أثناء كتابتي عن سيرة القدس في كتابي «ظل آخر للمدينة»، وأثناء كتابتي عن المدن التي زرتها في كتابي «مدن فاتنة وهواء طائش»، وكذلك أثناء كتابة الروايات للفتيات والفتيان. وكنت جربت كتابة رواية بعد إبعادي من السجن الإسرائيلي إلى لبنان عام 1975. هناك، في بيروت بدأت في وضع الخطوط العامة لهذه الرواية، واستكملت كتابتها في عمان، وهي تتمحور حول تجربة الاعتقال والإبعاد، ثم لم أتحمس لنشرها بسبب ما فيها من مباشرة زائدة وانهماك في طرح الشأن السياسي على حساب تعميق حضور الشخصيات في النص، ومن بروز للإيديولوجيا فيها على نحو مبالغ فيه. مع ذلك، ظل هاجس كتابة الرواية يعيش في داخلي حتى تمكنت عام 2013 من نشر روايتي الأولى للكبار: «فرس العائلة»، ثم أتبعتها برواية ثانية عام 2015 هي «مديح لنساء العائلة».

□ كيف وجدت ردود الأفعال على روايتيك «فرس العائلة» ومتممتها «مديح لنساء العائلة»؟ 
■ كانت ردود أفعال جيدة وإيجابية نسبيًّا، كُتبت ست وعشرون مقالة عن «فرس العائلة» أغلبها كانت تشتمل على إشادة بالرواية، وعلى إعجاب بتطرقها إلى موضوع جديد على الكتابة الروائية العربية، وهو رصد حياة البدو في فلسطين من خلال تسليط الضوء على مسيرة عشيرة بدوية تعتمد في معيشتها على تربية الأغنام، وبسبب شح الماء والعشب تغادر هذه العشيرة التي كانت تعيش في بيوت الشعر مواقعها في البرية وترحل إلى مشارف القدس، وأثناء ذلك تصطدم العشيرة بالأوضاع الناتجة عن خضوع فلسطين للانتداب البريطاني، وعن تصاعد الغزوة الصهيونية لفلسطين عبر الهجرة وتكديس السلاح. وكُتبت عن الرواية الثانية مقالات غير قليلة كذلك، وفي حين تتم قراءة كل من الروايتين على حدة وباستقلال تام للأولى عن الثانية، فثمة وشائج تربط الروايتين معًا، بحيث تبدو الرواية الثانية كما لو أنها الجزء الثاني المتمم للرواية الأولى. ففي حين تغطي الرواية الأولى السنوات الأربعين من بدايات القرن العشرين إلى بدايات وقوع الحرب العالمية الأولى وأثر هذه الحرب على فلسطين، فإن الرواية الثانية تغطي السنوات الأربعين التالية، من بدايات الحرب العالمية الثانية إلى عام 1982، أي العام الذي حوصرت فيه بيروت على أيدي قوات الغزو الصهيونية. وبالطبع، كما كانت هناك ردود فعل إيجابية على الروايتين، وهي كثيرة، فقد كانت هناك ردود فعل سلبية، لكنها قليلة، وهذا أمر طبيعي ولا يخالف المألوف.
□ ما رأيك في من يكتب الرواية بعيدا عن الشعر والقصة، طمعا في الشهرة والجوائز؟ هل هي ظاهرة حقيقية؟ 
■ ربما أسهم تسليط الضوء على الرواية عبر الجوائز الكثيرة المكرسة لها في غير بلد عربي، واهتمام النقاد بالرواية أكثر من اهتمامهم بالشعر وبالقصة، في لفت انتباه الكتاب، سواء أكانوا كتابًا مخضرمين أم كتابًا جددًا إلى أهمية كتابة الرواية. أعتقد أن خلق حوافز للكتابة الروائية وغيرها من ألوان الكتابة الإبداعية يعتبر أمرًا مشروعًا وصحيحًا، بشرط أن يتم بنوع من التوازن والمعقولية. أما أن يجري الترويج لجنس أدبي مثلما هي الحال مع الرواية، ويجري في الوقت نفسه التعتيم على أجناس أدبية أخرى، فهذا غير منطقي وغير مقبول. وفي المحصلة، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الكتاب، وإنما على عاتق الجهات المسؤولة عن الجوائز. وفي كل الأحوال، فإن على النقاد فرز الغث من الثمين من تلك الوفرة من الكتابات الروائية التي تطالعنا بها دور النشر صباح مساء.
□ ما هو سبب ضعف اهتمام النقاد بالقصة القصيرة جدًا، وعدم بلورة أسس فنية راسخة لكتابتها؟
■ أعتقد أن ذلك راجع لتقصير النقاد أنفسهم عن متابعة هذا اللون من الكتابة بشكل مثابر، وتقييم النتاجات المندرجة في إطاره وإصدار أحكام نقدية صارمة بحقها، ومن ثم العمل على بلورة أسس فنية خاصة بكتابة القصة القصيرة جدًّا. وأعتقد كذلك أن كتاب القصة القصيرة جدًّا مسؤولون بشكل مباشر عن الفوضى التي ينوء بها هذا الحقل من حقول الإبداع. ذلك أن شرط التكثيف والإيجاز، وقصر الشريط اللغوي للقصة القصيرة جدًّا، يغري أعدادًا كبيرة من هواة الكتابة على تجريب حظهم فيها، وبذلك تكثر النماذج الرديئة، مما يحسب على القصة القصيرة جدًّا، ولربما كان هذا سببًا من أسباب عزوف النقاد عن الاهتمام بها، حيث الفوضى والخلط والركاكة وضعف المستوى وما شئت من أوصاف. غير أن هذا كله لا يلغي ويجب ألا يلغي وجود نماذج جيدة ومتميزة من القصة القصيرة جدًّا، ولعل اهتمام النقاد والأدباء في بلدان عربية مثل المغرب وسوريا والأردن وفلسطين، بإقامة المؤتمرات والندوات الثقافية الخاصة بالقصة القصيرة جدًّا أن يكون مبشرًا بمزيد من حضور هذا الفن القصصي في إطار الأدب العربي الحديث. 
□ كونك توليت الإشراف والتحرير للعديد من المجلات الثقافية، ما هو برأيك سبب اضمحلال واختفاء العديد منها، بعيدا عن الأسباب المادية؟ 
■ مع الأسف، توجد حالة من التراجع في الإقبال على المجلات الثقافية حتى من المثقفين أنفسهم، كي لا أحصر الأمر في القراء العاديين. وعلى الصعيد العام توجد حالة من التراجع في الإقبال على القراءة، وعلى اقتناء المطبوعات الورقية بالذات، أقصد الصحيفة والمجلة الأسبوعية والشهرية والفصلية، وكذلك الكتاب. لانهيار التعليم في المدارس والجامعات علاقة بتراجع القراءة، ولانتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المختلفة على الإنترنت علاقة بالانصراف عن الصحيفة والمجلة والكتاب، وتفضيل التعامل مع هذه المواقع، للاطلاع على بعض النتاجات الثقافية التي تنشرها هذه المواقع من جانب أعداد من المهتمين بالشأن الثقافي من القراء ومن المثقفين، وللانصراف عن القراءة الجادة إلى مواقع التسلية والثقافة الاستهلاكية المسطحة من جانب جمهرة كبيرة من الشباب الذين يُفترض فيهم الانتباه إلى الثقافة الجادة التي تمنحهم الوعي والانتماء الصحيحين. كذلك، فإن انهيار القيم وتفكك بعض المجتمعات العربية وانهيار مكانة الفكر في واقعنا، والعجز حتى الآن عن مواجهة الغزوة الصهيونية والتدخل الإمبريالي في شؤون فلسطين وبلدان عربية أخرى يقلل من الاهتمام بالفكر وبالثقافة، ويدفع الغالبية العظمى من الناس إلى الانكفاء على الذات بعيدًا من أي تطلعات قادرة على تمكينهم من الخروج من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه.
□ ماذا عن علاقتك بالقدس وبالقضية الفلسطينية ووجودها الدائم في كتاباتك؟ فهل هو المكان أو الحدث أو القضية أكثر من يربطك بها؟
■ القضية الفلسطينية بالنسبة لي هي قضية وجود وحياة. منذ أن جئت إلى هذه الدنيا وأنا أحيا في ظل هذا الصراع الذي سببه الغزو الصهيوني لفلسطين. والقضية الفلسطينية بسبب ما تشتمل عليه من أبعاد لها علاقة بحرية الكائن البشري أصبحت مجازًا معبرًا عن كل المظلومين التواقين إلى الحرية والعدل في العالم. والقدس بطبيعة الحال تقع في قلب القضية، وهي إحدى تجلياتها، وهي الآن تتعرض لخطر التهويد، وحين أدافع عن هويتها وعن مصيرها في كتاباتي فأنا أدافع عن نفسي وعن وجودي ووجود أبناء شعبي في الوقت نفسه. يربطني بالقدس وبالقضية المكان المهدد بالاستيلاء عليه وتهويده، ويربطني بهما الحدث اليومي الذي يتعرض فيه الشباب الفلسطينيون والشابات للاعتقال وللقتل على أيدي الأعداء، وسيظل الأمر كذلك إلى أن تنال فلسطين حريتها واستقلالها، وإلى ما بعد ذلك بطبيعة الحال.
□ ما هو مشروعك الإبداعي المقبل؟ 
■ أستعد حاليًّا للشروع في كتابة روايتي الثالثة التي أكمل من خلالها مسيرة عائلة العبداللات التي ظهرت في الروايتين السابقتين، لرصد التطورات التي طرأت على أبناء هذه العائلة، وفي الوقت نفسه على الشعب الفلسطيني خلال مئة عام من الصراع مع الغزو الصهيوني والاحتلال.
______-
*المصدر: القدس العربي

شاهد أيضاً

محمد شكري في ذكرى رحيله.. عالم من الإحباط في مُواجهة الموت البطيء

* محمّد الخطّابي   مرّت منذ أيّام الذكرى الثامنة عشرة لرحيل الأديب المغربي المُعنّى محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *