الرئيسية / فكر / «نهاية الحداثة» تومض بأمل الإنقاذ

«نهاية الحداثة» تومض بأمل الإنقاذ


*أحمد مغربي


الترجمة والفلسفة والظل المزدوج لنيتشه وهيدغر، و… ما بعد الحداثة أيضاً. الأرجح أن هذه «الخماسيّة» تلازم قارئ كتاب «نهاية الحداثة» الذي وضعه المفكّر الإيطالي المعاصر جانّي فاتيمو، وترجمه نجم بو فاضل، أستاذ الفلسفة واللغة الإيطالية في الجامعة اللبنانيّة، وأصدرته «المنظمة العربيّة للترجمة» .
درّس فاتيمو (ولد في «تورينو» – إيطاليا، 1936) الفلسفة في جامعات أميركيّة كثيرة. ونال «جائزة حنه أرندت» للفكر السياسي المناهض للتوتاليتاريّة. ودخل البرلمان الأوروبي. وكتب في مجلة «لاستامبا» اليساريّة الإيطاليّة. وأدار مجلة «الجماليّات»، قبل أن ينتقل إلى مجلة «تروبوس» التي يديرها حاضراً.
ألّف فاتيمو الذي يعرف عنه شدّة تأثّرة بالفيلسوف الألماني الصائت مارتن هيدغر، كتباً فلسفيّة من بينها «مقدّمة عن هيدغر» و«حوار مع نيتشه» و«ما بعد المسيحيّة» و«مغامرات الاختلاف» و«التفكير بضعف» و«أبعد من الذات» و«مستقبل الدين» و«ما بعد التأويل» و«وداعاً للحقيقة»، ووضع مقدمة للترجمة الإيطالية لكتاب «العقل في عصر العلوم» للألماني المعاصر هانز- غيورغ غادامر وغيرها. وترجم لهيدغر «الكينونة: التاريخ واللغة»، ولغادامر «الحقيقة والمنهج».
ميتافيزيقا الـ «كوجيتو»
ما المقصود بأن الحداثة انتهت، وأن هناك «ما بعد حداثة»؟ هل يتعلق الأمر بمراحل تاريخيّة للفكر، كالقول المختزل بمرحلة الميتافيزيقا والدين، ثم ظهور مشروع العقلانيّة، ثم تفككك العقلانيّة وبداية ظهور بديل لها يحلّ محلها؟ وفق فاتيمو، تكون الإجابة هي كلا ثم كلا. وقبل إعطاء تصوّر فاتيمو للأمر، يجدر الانتباه إلى أن كتاب «نهاية الحداثة» هو نص فلسفي خالص، تصعب قراءته تماماً لمن ليس متمرّساً في الفلسفة ومصطلحاتها ومدارسها ومفكّريها.

ووفق الكتاب، من المستطاع اعتبار العدميّة على طريقة نيتشه التي التقطها هيدغر وطوّرها كثيراً، باعتبارها «ومض الحدث» الذي رسم خط نهاية الحداثة. إذ رصد نيتشه ثلاثة تحوّلات أساسيّة للإنسان وعبّر عنها بلغة مجازية بأن «الروح يصبح جملاً، ويصير الجمل أسداً، ثم يصير الأسد طفلاً». وللتوضيح، الجمل عند نيتشه هو الحيوان الذي يحمل عبء القيم السائدة وأثقال التربية والأخلاق والثقافة، بالاختصار هو مزيج من إنسان الميتافيزيقا الدينيّة والإرث الفلسفي اليوناني المستمر منذ سقراط وأرسطو وأفلاطون. ويمكن القول أيضاً إن هيدغر وسّع الأفق عبر تبيان أن ذلك «الجمل» يحمل أيضاً ثقل العقلانية التي حرّرته من ميتافيزيقا الدين، لكنها استبدلتها بقيود المنهج والقيم وبأنها وضعت الإنسان في قلب الكون، فصار كأنّه من الآلهة، خصوصاً عند ديكارت وكانط، أو على الأقل أنه تجسيد لإرادة مطلقة أو سيرورة محتّمة أو آلية لا مرد لها (تشبه الآلهة كثيراً)، خصوصاً عند هيغل، ثم ماركس وكيركيغارد وهيوم ومجمل فلاسفة القرون 17 و18 و19 و20!
ويلفت هيدغر إلى أن الـ «كوجيتو» الديكارتي الشهير («أنا أفكر، إذاً أنا موجود»)، صنع مأساة كبرى بأن قلّص الكائن الإنساني إلى مجرد وعي، بل أن وعيه هو كامل وجوده، ثم أكملت العقلانية بأن قلّصت وجود الكائن إلى وظيفة ما في المجتمع أو التاريخ. ويبدو ذلك الوعي كأنه «سماء»، فأين أرضه الواطئة المحسوسة التي يجرجر تجربته في أنه «موجود» فيها؟ (المثال الشهير هنا عن التشققات الطينيّة في لوحة لفان غوغ يظهر فيها حذاء فلاح). ثم ماذا عن الأبعاد الأخرى للإنسان؟ ماذا عن المشاعر والنزوات والجسد والعواطف والشغف والاضطراب النفسي وغيرها؟ من تلك الوجهة، يبدو هيدغر كأنه يسير في ركاب الذاتية (نوع من «التأويليّة الذاتيّة») وأعلامها، خصوصاً من نظموا الذاتيّة ضمن سياقات تاريخيّة واجتماعيّة (هوسرل وغادامر). لكنّ هايدغر يتميّز بالدعوة إلى ذاتية واهنة، لا تسعى إلى التملك إلا بوصفه تملكاً عابراً وزائلاً. ومن تلك الزواليّة، يدخل هيدغر إلى تنظيراته عن الجمال والوعي الجمالي وعلاقته بالكينونة والزمان.
الشعر يبقى: نعم ثم نعم
في التحوّل الثاني عند نيتشه، يصير الجمل أسداً بأن يتمرّد ويحطّم القيم كلّها. في «تحطيم الأوثان» و«ما بعد مبدأ الخير والشر»، تحدّث نيتشه عن تمرّد يحطّم التماثيل كافة، يدوس الأثقال كلها، ينتقد القيم بأكملها، بما فيها قيم الحداثة والدين المتمحورة حول مبدأي الخير والشر. وأكمل هيدغر، بالتشديد على أن الأسد النيتشوي هو بداية الإنسان العدمي، لكنها عدميّة من نوع خاص تمتلك الوعي مع شيء آخر، أو أنها «عدميّة متمّمة»، وفق تعبير فاتيمو.
ولاحظ هيدغر ايضاً أن نيتشه الذي عاش في عزّ صعود العقلانية في القرن التاسع عشر، كان نافراً عن عصره. وفي نظر هيدغر، لم تكن العقلانية سوى ميتافيزيقا أخرى، حطّمت ميتافيزيقا القدماء والأديان، لكنها أعلت صوت ادّعاءاتها القويّة بأنها تستطيع أن تحلّ محل تلك الميتافيزيقا، واستولت على الإنسان ووجوده وكونه، فصارت ميتافيزيقا عقلانيّة بديلة.
ولاحظ هيدغر أن نيتشه نجح في الخروج من قبضة العقلانية المستولية على العقول، وأن نيتشه صرح بوضوح بأن صوته لن يسمعه معاصروه، بل إنّه ليس معدّاً لهم أصلاً. إذاً، عدمية نيتشه – هيدغر («العدميّة المتمّمة») تسعى إلى تحطيم ميتافيزيقا الأديان والأوثان، لكنها لا تدّعي أنها بديل لها، بل لا تصنع بديلاً، كي لا تصبح ميتافيزيقا هي أيضاً. وفي هذا المعنى، يكون الرجوع إلى فلاسفة ما قبل سقراط الذي ابتدأ منه التقليد الفلسفي الذي أوصل إلى الحداثة، بهدف تحدي ذلك المسار، وليس بهدف خلق مسار جديد. ويشدّد هيدغر على بؤس محاولة الرجوع إلى الماضي، بهدف التغيير. لماذا؟ لأن الإمكانات الموجودة في الماضي تحقّقت فعلاً عبر مسار التاريخ، فمن الخرق توقّع أن تعطي شيئاً آخر!
عند ذلك الحدّ، تصبح «العدمية المتمّمة» فكرة فائقة الخطورة، لأنها ترمي الكائن الإنساني إلى المجهول تماماً، بعد أن تقتلعه من مركزيته التي أرستها الحداثة. لا يتردّد هيدغر في الاعتراف بتلك الخطورة المميتة، بل يعتبر الموت والزوال جزءاً من أفق كينونة الإنسان، مع ملاحظة أن الكينونة هي الأفق الواسع الذي يحدث فيه أن يظهر الكائن الإنساني. في الزوال وعدم الديمومة، هناك أمل يومض لحدث مهم: ظهور الكائن الإنساني المستعد لعيش زواله، ما يعني أنه يمتلك مصيره بضعف ووهن شديدين، لكنه يقاوم أن تستلبه شروط عيشه، ويتمسك بإنسانيته الواسعه، من دون أن يتحوّل إلى «إله» ولا جزء من إرادة التاريخ وحتميّاته، ولا حتى آلياته الحاكمة.
يتصل نقاش هيدغر بالتقنية. فهو يرفض أن تكون مصدراً لمنهج صارم حاكم، على غرار ما كانته العلوم لفلاسفة اليونان ثم لفلاسفة العقلانية والحداثة. يكتفي هيدغر بملاحظة أن التقنية في أساسها ليست شيئاً تقنيّاً بالمرّة، بل أنها منبثّة في ثنايا العيش الإنساني الواسع، فتكون احد شروطه المتجدّدة، والمتحكّمة بمسارات المعيش البشري. ويرى هيدغر أن ما يجب مقاومته هو ذلك التحكّم، عبر كشف قناع التقنيّة، بمعنى القول إن أساسها ليس علماً ولا تقنية. وفي المقابل، في العيش الوجودي المتفاعل مع التقنية، هناك يومض امل الإنقاذ بما يعطيه البعد التقني في العيش للإنسان، مع تجّنب الوقوع في فخ محاولة السيطرة على الكون، وهو فخ تنصبه التقنية للكائن.
وضمن رؤية هيدغر أن ما يبقى هو ما يمسك به الإنسان بوهن وضعف وقلة ادّعاء، تبرز اللغة باعتبارها من عناصر التكوين والاستمرار في الكـــيــنــونـــة، خصوصاً الشعر. وتلخّص الكلمات التــالــية للـــشاعر هولدرلين تلك الفكرة: «ما يبـقى يــؤسّسه الشعراء». وفي ذلك المعنى، يتشابه مع الشعر، الفن والتقليد.
______
*المصدر: الحياة

شاهد أيضاً

إشكالية الحب عند نيتشه

إشكالية الحب عند نيتشه بحث في فلسفة التحليل النسوي أنـوار طاهـر بطبيعة الحال، لو لم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *