الرئيسية / قراءات / أمين الزاوي يوجّه الرواية نحو الصين

أمين الزاوي يوجّه الرواية نحو الصين


*سلمان زين الدين


كثيرة هي الروايات العربية التي تتناول العلاقة بين الشمال والجنوب؛ فمن «عصفور من الشرق» للمصري توفيق الحكيم، إلى «الحي اللاتيني» للبناني سهيل إدريس، إلى «موسم الهجرة إلى الشمال» للسوداني الطيب صالح، إلى «ليس في رصيف الأزهار من يجيب» للجزائري مالك حداد، إلى «محطة النهايات» للعراقي عارف علوان، سلسلة من الروايات التي ترصد تمظهرات هذه العلاقة. في المقابل، تقلّ كثيرًا الروايات التي تتناول العلاقة بين الشرق والجنوب، ولعل السبب يعود إلى أن الاحتكاك بين الشمال والجنوب هو أكبر بكثير منه بين الشرق والجنوب، ما يترتّب عليه حضور أكبر في النص الأدبي، والروائي منه على وجه التحديد، ومن الروايات التي تندرج في هذا القليل رواية «الملكة» للروائي الجزائري أمين الزاوي (منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف).


الشرق في الرواية هو الصين، والجنوب هو الجزائر، والاحتكاك يتم من خلال العمالة الصينية في الجزائر، فالآخر، هذه المرة، هو الذي يأتي إلينا خلافًا لما هي عليه الحال في الروايات الأخرى حيث كنا نحن من يذهب إليه.


يشكّل اللقاء، بالصدفة، في بيت للجثث يتبع مستشفى باستور في مدينة الجزائر، بين يو تزو صن، المهندس الصيني المشرف على بناء حي سكني في المدينة، وسكورا، رئيسة المصلحة في المستشفى، بداية العلاقة الروائية بين الشرق والجنوب. يعبّر عنه الصيني بالقول: «انتبهت، وإذا بسيدة بقد منحوت تقف إلى جواري، شعرت بتيار كهربائي يمر في جسدي» (ص82). من هذه البداية الكهربائية، تتوالد سلسلة من الوقائع تتخلّلها فجوات لا تقوم الرواية بردمها، فتكون لقاءات بين يونس، الاسم الجزائري للمهندس الصيني، وساكو، اسم الدلع للموظّفة الجزائرية، تشكّل الشقة والمستشفى والمطعم الأماكن الروائية لهذه اللقاءات، وتكون حوارات وحكايات وطعام وشراب وموسيقى وعزف وجنس، في أجواء رومنطيقية، يقوم كل منهما باكتشاف الآخر المختلف، وتتمخّض الوقائع عن علاقة حب بين الطرفين تحمل ساكو خلالها خارج إطار الزواج.


هذا المسار يتم في محيط جزائري معادٍ، يستهجن العلاقة بين صيني وجزائرية من منطلقات قومية ودينية وعنصرية، تجري ترجمتها في إطلاق الشتائم والحجارة والتعليقات العنصرية الجارحة والعقلية الذكورية، غير أن صمود ساكو، وإصرارها على التحدي، ورد فعلها على ممارسات الجماعة الذكورية، ونزوعها إلى التمرّد على القيم العامة، وصدمتها بالذات الجماعية، ورغبتها في اكتشاف الآخر، وتفاعل يونس معها، تجعل هذه العلاقة تؤتي ثمارها في الحب والحمل وارتياد مناهل المتعة. ولعل حصول ذلك خارج إطار الزواج يشكّل إشارة روائية إلى عدم إضفاء الشرعية، في مجتمع عنصري ذكوري محافظ، على العلاقة بين مختلفين حضاريٍّا وقوميًّا ودينيًّا.
لكل من بطلي الرواية حكايته التي يحكيها للآخر الغريب، فيتحرر من القمع المتراكم فيه، ويقصّر المسافة بينهما إلى حد الإلغاء، تعبّر ساكو عن ذلك بالقول: «أن تحكي للغريب فأنت أكثر حرية في الحكي، وأكثر عمقًا في التفاصيل، أكثر شفافية. أن تحكي للغريب يعني أن لا شيء يحاصرك من تراكمات القمع الأخلاقي والثقافي والديني الذي يملأ الرأس والذاكرة» (ص 107). بهذا المعنى، في مجتمع ذكوري محافظ، يغدو الحكي معادلاً للحرية والحياة.
تتقاطع الحكايتان في نقاط معيّنة، وتفترقان فيما عداها؛ فيونس وساكو يتشابهان في أن كلاًّ منهما يعاني علاقة ملتبسة بأمه، فهو لا يعرف إن كان يحب أمه أو يكرهها لإقامتها علاقات خارج إطار الزواج، وهي تشكّل بلون عينيها وبشرتها فضيحة لأمها التي تسارع إلى التخلّص منها بتزويجها لأول عريس. ويتشابهان في أن كلاًّ منهما مشكوك في أبوّته الرسمية، وأم كلاًّ منهما يخرج من تجربة عاطفية مجهضة أو فاشلة ويرغب في اكتشاف الآخر المختلف جسديًّا ولغويًّا وحضاريًّا.
فيما عدا ذلك، يأتي كل منهما إلى العلاقة من موقع مختلف، ولعل هذا الاختلاف هو الحافز للتقدم ومحاولة اكتشاف الآخر، والتعويض عن نقصه الذاتي الداخلي. هو الخجول الذي يتقن العزف على الكمان وطهو الطعام، ويقرأ الشعر والرواية، مسكون بذكريات حميمة من معلمة الموسيقى صغيرًا، وبحكاية حب مجهضة مع ابنة عمّته. يبحث عن علاقة جديدة ينسى بها الماضي ويعيش الحاضر. «كل رجل يبحث عن ملكة، يتوّجها على قلبه»، على حد قوله (ص 94). هي الجميلة ذات البشرة البيضاء والعينين الخضراوين تأتي من موقع موغل في المعاناة. تحمل رواسب من: مثليّة زوجها، وطلاقها، وخيانة أمها، وذكورية حماتها، وقلقها على ولديها، ونقصها الجنسي، وخيبتها في الرجل الجزائري، ما يجعلها أكثر إصرارًا على التحدي، والسير عكس التيار، وانتزاع حقها في الحياة، والانخراط في علاقة جديدة مع الآخر المختلف الغريب، واكتشاف قدراته الجسدية.


على هامش هاتين الشخصيتين، ثمة شخصيات أخرى تعكس كل منها حالة معيّنة في العالم المرجعي للرواية؛ فالضابط المحقق يعكس الفساد الإداري والأمني المغلّف بمظاهر من السلطة الفارغة، والبوّاب عبد الرحمن يمثّل شريحة من أدوات الإرهاب وضحاياه ولا يتورّع عن ممارسة أساليب الكذب والنفاق والاحتيال في خدمة السلطة، وعاملة التنظيف حفيظة واحدة من ضحايا الإرهاب الديني، والمديرة طاووس نموذج المرأة الذكورية القامعة أسرتها، والدكتور نزيم يمثّل الابن المقموع ضحية التربية الخاطئة والميول الجنسية الشاذّة، والسيد قاسي يمثّل الزوج المقموع رغم شخصيته المحببة وثقافته وخبرته ومهاراته المتعددة…هذه الشخصيات تساهم مع الشخصيتين الرئيسيتين في رسم فضاء روائي متكامل يحيل على عالم مرجعي تعتوره أعطاب كثير.


في «الملكة» ليس ثمة توازن بين كفّتي الشرق والجنوب، في الشكل والمضمون. على أن اختلال الشكل لمصلحة أحدهما يُعوّضه المضمون لمصلحة الآخر. فعلى رغم استئثار الجنوب / الجزائر بمعظم صفحات الرواية، فإن أمين الزاوي يرسم صورة سلبية له. بعض معالمها: العنصرية، الذكورية، الشعبوية، القمع، الإرهاب، الكسل، عدم الكفاءة، تعطيل العقل، الغرق في الغيبيات، الانقطاع عن الواقع، عدم الاعتراف بالآخر، واحتقار العمل اليدوي…، بينما يبدو الشرق / الصين عمليًّا، مثابرًا، منظّمًا، طويل النفس، مهتمًّا بالفنون والمهارات، صاحب رؤية مستقبلية، على رغم الصورة النمطية الراسخة في ذهن الجنوبي / الجزائري عن الشرقي / الصيني وما تنسبه إليه من معتقدات وممارسات تهدف إلى تشويه صورته كمقدمة لعدم الاعتراف به. بذلك، ترجح كفة الشرق على الجنوب في الرواية. يؤكّد هذا المقارنات التي ترد في النص، من قبيل: «الصيني يعيش الكلام، والجزائري يعيش بالكلام» (ص 97). «الصينيون يرمون البنات الصغيرات في أكياس الفضلات، وأما الرجل الجزائري فيحكم على المرأة بالعيش طوال حياتها في سلة المهملات وأكياس الزبالة» (ص 130). «الصينيون يذبحون الكلاب والجزائريون يذبحون النساء» (ص 219).


وعلى رغم جدة الحكاية وتماسك الخطاب وجمال اللغة، لا بد من الإشارة إلى بعض الهنات التي تكتنف الرواية؛ من قبيل: المغالاة في تقديم صورة سلبية للشخصية الجزائرية. التضارب بين الفضاء العام الذكوري المتشدد للرواية والممارسات المتحررة للشخصية النسائية (ساكو، طاووس). وجود فجوة كبيرة بين بدايات العلاقة ونموّها إلى حالة حب لم يجرِ ردمها. تحوّل الاتصال الهاتفي بين عبد الرحمن وابن عمه إلى اتصال أحادي بحيث يستأثر الأول بالكلام كمن يصدر أوامر أو يلقي محاضرة فيما يكتفي الآخر بالإصغاء.


ومع هذا، تبقى «الملكة» رواية جميلة، طريفة، بلغتها التي تلامس الشعر أحيانًا، وحكايتها الجديدة، وخطابها المتماسك، وتستحق التتويج على عرش الروايات التي تستحق القراءة.
_______
*الحياة

شاهد أيضاً

الروائي إبراهيم عبد المجيد والهروب من الذاكرة

صدرت عن منشورات المتوسط -إيطاليا، ثلاثية روائية جديدة للكاتب والروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، بعنوان “الهروب من الذاكرة”، وجاءت عناوينها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *