الرئيسية / قراءات / مرافعة فكرية وتشريح جريء للإسلاموفوبيا في آخر إصدارات إيدوي بلينيل

مرافعة فكرية وتشريح جريء للإسلاموفوبيا في آخر إصدارات إيدوي بلينيل


*الطاهر الطويل



إيدوي بلينيل (Edey Plenel)صحافي ومفكر فرنسي جعل قضيته الوجودية الدفاع عن مبدأ ضمان العدالة للجميع والتسامح الديني والتضامن الأخوي، في مواجهة الانزلاقات الفكرية والسياسية والاجتماعية لقسم لا يستهان به من النخبة الفرنسية. وجاء كتابه الأخير «من أجل المسلمين» (الذي صدرت ترجمته العربية ضمن سلسلة كتاب «الدوحة») تجسيدا عملياً لهذا الاقتناع الراسخ.


يشير مترجم الكتاب الباحث المغربي عبد اللطيف القرشي إلى أن هذا الكتاب يأتي كمحاولة لمواجهة الإسلاموفوبيا باعتبارها الوجه الجديد للعنصرية والحقد والكراهية، وهي مظاهر تنامت بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 والغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق وظهور تنظيمات إرهابية في أكثر من بلد مسلم. ويوضح المترجم أن «الإسلاموفوبيا» ليست قضية من يعيشون في الغرب فقط، بل ان امتداداتها تذهب إلى أبعد من ذلك، لتعمّق من التشويه الذي يطال صورة العالم العربي والإسلامي، بتراثه وإرثه التاريخي والحضاري، وبتناقضاته وأزماته، وبتعدديته وتنوعه.


ويصف إلياس صنبر الذي تولى تصدير كتاب إيدوي بلينيل الجديد بكونه «مرافعة من أجل عدالة لا تقف عند باب الانتماءات الطائفية أو الوطنية، فإن هذا الكتاب يتوجه إلى المستعمرين بقدر توجهه إلى الضحايا أنفسهم، يتوجه إلى المُهيمِنين والمهيمَن عليهم، المسلمين كما جميع إخوانهم من البشر سواء كانوا (أقحاحا) أم كانوا (منحدرين من أصول)، حتى ننظف المفاهيم المقيتة المستعملة اليوم في أكثر من مجتمع، بما في ذلك مجتمعاتنا، في عالمنا العربي».


نسج إيدوي بلينيل كتابه «من أجل المسلمين» على منوال المقال الذي سبق للأديب الفرنسي المعروف إيميل زولا أن نشره على صفحات «لوفيغارو» سنة 1896 بعنوان «من أجل اليهود» في أجواء اتسمت آنذاك بكراهية اليهود ترتبت عن قضية يهودي أُدين بالخيانة الوطنية والعمالة للعدو الألماني. كما يستلهم المؤلف فلسفة زولا التي عبر عنها في مرافعته الشهيرة «إني أتهم» من منطلق أن الجمهورية الفرنسية لا يمكن أن تكون إلا في إطار الحركة والخلق والإبداع، عكس المحافظة والجمود اللذين يدعوان إلى النبذ ويؤيدانه ويغذيان الخوف.


كتاب «من أجل المسلمين» الصادر في طبعته الأولى خلال أيلول/سبتمبر) 2014 امتداد للنداء الذي سبق للمؤلف نفسه أن أطلقه داعياً فيه إلى قول: لا لـ»الوحوش» التي تتمثل في العنصرية والعداوة والكراهية والعنف، هذه الظواهر المَرَضية التي تميز فترات الانتقال والارتباك، حيث يبدأ العالم القديم في الاحتضار والعالم الجديد يتعثر في الوصول.
ويتساءل إيدوي بلينيل: «كيف نلقن شبابنا احترام الآخر والسلوك المدني البسيط، ومنع الشتيمة والإهانة بالنظر إلى الأصل أو المظهر أو العقيدة، إذا كان فضاؤنا العمومي، بوسائله الإعلامية وبسياسييه يقومون وهم راضون عن أنفسهم ببيداغوجيا معاكسة قائمة على الانتهاك اللامسؤول والهدام لكل أنموذج تضامني ولكل قيم الجمهورية المشتركة ولكل جماعة وطنية؟ فالمناداة بحرية التعبير دفاعا عن الحق في الكاريكاتير بمبالغاته الساخرة أو المتهكمة التي ترافق حملة التضامن مع صحيفة «شارلي إيبدو» لا تقتضي أن تنحطّ حياتنا العمومية وتضيع في كراهية جزء من شعبنا بسبب أصله أو ثقافته أو عقيدته. لا يمكن للفكاهة أن تكون مبررا للكراهية».
ويعتبر المؤلف كتابه دعوة إلى قضايا مشتركة وإلى هبّة المجتمع، لكي تكون الجمهورية كلها للجميع، وإلى السير في طريق التقمص الوجداني للآخر، حيث حين نسير نحو الآخر، فإننا نجد ذواتنا. كما أنه دعوة إلى البحث ـ مجتمعين ـ عن هذا الأفق الديمقراطي والاجتماعي، القادر ـ وحده ـ على طرد الزوابع والعواصف التي تهددنا؛ دعوة إلى الاتحاد والارتقاء ـ مجتمعين ـ نحو مطلب المساواة في الحقوق وفي الممكنات التي تريد الهواجس الهوياتية تدميرها، تاركة المجال لدمار التفاوتات والتراتبيات والإقصاءات، على حد تعبيره.
تبقى الإشارة إلى أن الصحافي والمفكر الفرنسي إيدوي بلينيل ولد في إحدى المستعمرات الفرنسية في المارتينيك، ثم أمضى قسما كبيرا من طفولته وصباه في الجزائر، قبل أن يستقر في منطقة البروتاني في شمال غرب فرنسا. أصدر عدة كتب من بينها: «الجمهورية غير المنجزة» و»الكلمات المسروقة» و»اكتشاف العالم» و»الصحافي والرئيس» و»نضال من أجل صحافة حرة»… وسبق له أن ترأس تحرير صحيفة «لوموند» قبل أن يتفرغ لجريدة «ميديابارت» الالكترونية.
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

هالة الكاتب و”نسوة في المدينة” لمؤلّفه فراس حج محمد

وفاء عمران محامدة* “ثمة أشياء ستحدث لي مع نشر هذا الكتاب، سيشيع بين القراء شيوعا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *