الرئيسية / قراءات / المعرفة في عصر المعلومات السريعة

المعرفة في عصر المعلومات السريعة


محمد إسماعيل زاهر


تمتلئ الثقافة العربية أو مقولاتنا الثقافية على وجه الدقة، بالكثير من التناقضات والمفارقات التي لازمت الطنطنة حول مناخ العصر، فمثلاً لم يختبر أحدهم مقولة «عصر انفجار المعلومات» والتي تغنينا بها لسنوات، ورددها الكثير في تسعينات القرن الماضي، من دون تحديد معناها بالضبط، ولكنه الخوف من السؤال، وهو شعور ثقافي عربي معتاد وطبيعي عندما يرتبط الأمر بشيء أحيط ببعض الغموض والتفخيم والنقل عن الآخرين، خاصة أن المقولة صاحبتها مصطلحات خلابة ورنانة عدة، وهو العصر الذي أصبحت فيه المعلومات على قارعة الطريق، وبات الانفتاح اللحظي على العالم وعلى خلفيات الأشياء متاحاً للجميع.
بالرغم من ذلك ما زالت الثقافة السمعية أو العين العابرة المتسرعة والتي لا تجد وقتاً للتفحص والتأمل فضلاً عن التمعن هي السائدة، بل أن تأملاً سريعاً، بدوره، لابد أن يبرز أن هذا العصر الذي تتسم فيه المعلومات بالسيولة، هو نفسه عصر عدم القدرة على وضع هذه المعلومات في أنساق، أو حتى الاستفادة منها بأساليب علمية، والأهم من ذلك سيادة المعلومة اللحظية، السريعة الاستخدام والسريعة الزوال، والمعلومة المجردة التي لا تحض التفكير على البحث عن الأسباب و تصور سيناريوهات المقبل.
في ذلك العصر يغيب ذلك الجهد البحثي العلمي الذي كان ينهال علينا كل يوم، في وقت من الأوقات باذلاً ما وسعه من جهد في التعامل مع المعلومات: تصنيفاً وتحليلًا، ولنتصور أحد كتابنا الموسوعيين، وهو يفني سنوات عدة، في البحث عن مصادر فكرة كبرى يلخصها في مشروع أراده أن يكون إضافته الحياتية، ولمسته التي يقدمها حالماً بأنه يفكر في صالح الجميع، وربما نيابة عنهم، يذهب إلى تلك المكتبة أوذلك السوق المخصص لبيع الكتب المستعملة، أو يسأل هذا الدارس أو ذاك القارئ، أو ربما يكلف أحدهم بشراء كتاب أو مرجع من دولة أخرى، أو يتحمل مشقة رحيل الكتاب على ظهر الجمال عبر آلاف الأميال من مشرق الوطن أو مغربه كما تروي حكايات تراثية عدة، وربما يظل لسنوات حالماً بقراءة أحد الكتب ولا يعثر عليه في النهاية، هذه الصعوبة في تجميع المعلومات جعلت فكرة إنشاء كتاب يشمل كل شيء، جاذبة للكثير من الحالمين، هذا الخيال الجامح بكتاب يدون معلومات وثقافات ومعتقدات العالم توافر في الكثير من الأساطير، وسعى إليه عشرات المبدعين. 
لقد حاول بعض الناس تبويب كل ما يمت إلى شكل أدبي أو فن من الفنون أو نوع من العلوم في كتاب واحد، وهو ما تحقق في ثقافتنا العربية، على سبيل المثال، في لحظات الازدهار وتلك المسماة بحقب الانهيار في الوقت نفسه، في الأولى هيمنت الرغبة في الإحاطة بكل ما أنتجه العقل البشري، واستيعاب وهضم هذا النتاج، ولذلك كثرت الكتابات المؤسسة للعلوم والمجذرة لها، وفي الثانية سيطر الإحساس بالخوف على العلم من الضياع، ومن هنا انتشرت الشروح والملخصات والتعليقات والمقتطفات والمعاجم والقواميس.
في كل العلوم والمعارف الإنسانية، بإمكاننا أن نختبر أطروحة انفجار المعلومات هذه، لنتخيل مثلاً أحد مؤرخينا العرب، الطبري أو ابن كثير وهو يكتب عن بداية نشأة العالم، ويورد الحكايات والأساطير والقصص التي يصادفها في هذا الكتاب أو ذاك أو يسمعها من راو أو آخر، كيف كان سيتناول موضوعه لو توافرت له كل تلك النتائج العلمية والمكتشفات الأثرية والجيولوجية؟ وبرغم أنه كان سيشعر بوثوقية العلم ويستفيد منها، إلا أنه كان سيحرمنا من المتعة الأدبية التي نشعر بها ونحن نرتحل مع اجتهاداته في البحث حول مسألة البدايات، أما الآن فنحن لا نجد ذلك الدأب الموسوعي «الفردي» أو الإمتاع الأدبي، والأمر يظهر بوضوح لمن كتبوا حول الأماكن بمفرداتها كافة، أو ما عرف قديماً بالخطط، أي فرحة كانت ستذهب بعقولهم لو شاهدوا الخرائط الاصطناعية اليوم والمتاحة في اليد عبر الهاتف الجوال، ولكن هل تستطيع هذه الخرائط الباردة أن ترسم لنا معاناة شخصيات المقريزي النابتة من قلب «خططه»؟ ولنتأمل مرة ثالثة الدأب «الفردي» في وضع المعاجم اللغوية، تلك المعاجم التي يسهل الوصول إليها الآن مجمعة بكبسة زر على الإنترنت.
لقد كان شعور بعضهم بضرورة استيعاب المعلومات المتوافرة لديه، ومعالجتها بطرائق وأساليب شتى ولأهداف متباينة، أو حتى لمجرد إمتاع المتلقي، المستطرف وغيره العشرات من الكتب، مهيمناً على خيال ثقافي لم يعاني الانقطاع إلا الآن.
إن فكرة التدوين الموسوعي أو معالجة المعلومات في شكل متماسك، فضلًا عن أنه ينبع من رؤية شمولية حالمة بالإحاطة بالمعرفة من جوانبها المختلفة، فإنه يحفز البحث العلمي وينشط التفكير ويلهم أصحاب المشاريع الكبرى، وينتقل في مرحلة ثانية ليشد الثقافة إلى الأمام، ويتسرب في مرحلة ثالثة إلى شرائح واسعة من المجتمع، لقد توافر للثقافة، الأنا والآخر، في فترات سابقة هذا الطموح، وربما تكون محاولة امبرتو إيكو في «لا نهائية القوائم» بمثابة وداع طويل لهذه الفكرة، قبل أن يستعيد «العالم» هذه الذهنية المرتبة التي تبصر العالم بأكمله في شكل قوائم.
في زمن السيولة المعلوماتية، لن تجد مجموعة من المبدعين تتشارك في عمل موسوعي ما، ولن تجذبك التقارير الفكرية والمعرفية، الجماعية أو المؤسسية، أو تثير فيك التفكير أو تحثك على النقاش والجدل، كما كانت تفعل كتابات المفكرين الأفراد، وسيجلس بعضهم ليتدارسوا كيفية كتابة رواية، ولن تصادفك رواية ممتعة من هذا النوع، وستتوافر كل أعمال هذا المبدع أو ذاك، ولن تعثر على الناقد أو المحلل، ولن يكتب ناقد ما يقبع في هذا البلد عن مبدع يقطن في بلد آخر، كما كان يحدث، ولن تجد تلك البساطة الشعبية القديمة التي كانت تمنع أحدهم من الحديث في موضوع لا يعلم عنه شيئاً، بل ستخترق أذنيك حوارات من المضحكات المبكيات، وستلتقط عيناك حكماً وخلاصات تجارب وضعها أصحابها على صفحاتهم الشخصية، بجانب كلمات لمفكر أو فيلسوف، ولن يمر وقت طويل حتى نتحدث عن الفلسفة «الفيسبوكية»، وإفتاء دائم في كل شيء ومن الجميع، لم يعد زمن حرية التعبير في الشأن السياسي تلك التي راوحنا حولها طويلاً، ولكن حرية التعبير في الثقافة والمعرفة والقضايا الاجتماعية.
هي المعلومات الفائضة من دون رابط أو ناظم، بحيث أصبح لكل فرد معلوماته الخاصة التي تتأسس عليها سرديته الذاتية، المفارقة للسرديات الأخرى، هي المعلومات السيالة والمتدفقة والسريعة العسيرة على البقاء، ومن ثم الإمساك والتحليل، هي المعلومات المتشظية والتي تصيب الراغب في التفكير بالبلبلة، والثقافة بالتشتت، و تمنح شرائح واسعة إمكانية الدخول في فئة المثقفين وشرائح أوسع زهو المعرفة الزائف والفارغ من المضمون الحقيقي، هي المعلومات في زمن الجماهير الغفيرة عندما يتطابق الأصلي والزائف إلى الدرجة التي نعجز فيها عن تحديد المفاهيم والمصطلحات، هي المعلومات المقروءة ولكنها لا تتخطى الأذن أو عبور البصر، وحيث لا يمكن البناء عليها، ومن ثم غربلتها أو الدخول من خلالها في عملية طويلة ومعقدة من التفكير الأولي المستكشف للعام الخارجي، الذي يعقبه تفكير آخر ناقد ومحلل، ثم تفكير ثالث مؤسس للنظرية، ومن ثم مشكل لذلك البناء الذي نطلق عليه «المعرفة». 
المعلومة أساس المعرفة بأكملها، تلك الكلمة التي نتعامل معها بسطحية في إعلامنا، فلا تعرف ما هي المعرفة على وجه الدقة؟ أحياناً ما نتعامل معها بوصفها مطابقة لمفردة الثقافة، ومرة ثانية بوصفها دالة على حزمة من المعاني مثل العلم والإبداع والابتكار والإعلام..إلخ. هو التخبط حتى في غياب التعريفات المدرسية للأشياء، الناتجة في العمق عن سيولة معلوماتية، وهكذا نظل ندور كعادة المثقف العربي في دائرة مفرغة، يشترك السبب والنتيجة معاً في غزل محيطها.
الآن لا يملك المتابع سوى الصمت، حيث يبدو أننا سنشهد في المستقبل وفق العديد من المتنبئين والمبصرين زمناً جديداً ستتغير فيه مفاهيم مثل: ثقافة/‏ معرفة/‏ معلومات/‏ إبداع، وربما لا نستطيع طرح السؤال المكرر والمعاد: ما العمل؟ فهذا السؤال تمت صياغته لزمن ماض عرفنا أبعاده وقواعده وقوانينه، والمهم الآن أن نعرف أن المقبل مختلف.
_____
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

أفانين الهرب من الرواية أو ما تبقى من أيام بلا صباحات

* نبيل سليمان (1) تتوقف السيارة عند الحاجز، وتحيي العسكري. لستُ من أوقفها، ولا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *