الرئيسية / مقالات / انتحار المثقفين العرب

انتحار المثقفين العرب


*أروى المهنا

خاص- ( ثقافات )

كنت قد وعدت نفسي بالانتهاء من كتابة هذا المقال بعد قراءة الكتاب بعدة أيام ، لكن زخم كل ما قرأت مال بي بعيداً ربّما لأبعد مما كنت أتصور ، انتحار المثقفين العرب كتاب صعب ليس بلغته ولا بكل هذا الكم الهائل الذي جمعه الكاتب ضمن 295 صفحة بل صعب بحقيقته ، حقيقة هذا الانتحار هذه الهاوية التي يسقط بها المثقف عمداً وعن سابق إصرار وترصّد ، وهذه ليست الظاهرة الوحيدة التي يلقي بها أحدهم الضوء على هذا الموت المتعمّد حيث أن الكاتبة اللبنانية جمانة حداد فعلتها في كتابها ” سيجيء الموت وستكون له عيناك ” الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون والتي ذكرت من خلاله أسماء كثيرة كتبت الشّعر ووقعت في مصيدة الانتحار . 
أيُعقل أن الثقافة يُمكن لها أن تكون لعنة على المثقّف أكثر من أن تكون وثاق نجاة لحياة أفضل مما هو عليه ! أيعقل أن الغرق أكثر في النتاج الأدبي والفكري واللغوي يمكن له أن يكون وباء أكثر من أي شيء آخر يستطيع أن يستوعب المثقف وفكره ! هل حقيقة هي أن المثقف لايمكن له أن يعود للوراء ولا بخطوة واحدة لأن يعيش كغيره ممن هم في سباق مع الحياة داخل مجتمعه ! هل أن المثقف يصل لمرحلة فيها لا يستطيع دمه أن يكون ضمن هذا المزيج الثقيل في محيطه !.
أسئلة كثيرة كانت سببا في تأخير مقالتي هذه ، آن الأوان لأن ألقي الضوء ببساطة شديدة عن” انتحار المثقفين العرب ” والذي هو نتاج الدكتور والمفكر / محمد جابر الأنصاري. 
الأديبة أروى صالح، والشاعر عبدالرحيم أبو ذكرى ، وخليل حاوي وغيرهم من أدباء خارج الجغرافيا العربية من الروائي الياباني يوكويو ميشيما إلى الشاعر السوفيتي ماياكوفسكي ، يافيم لاديجنسكي وغيرهم من أسماء كبيرة قرر أصحابها أن يضعوا لحياتهم حد الخلاص.
على الأقل هو خلاص بنظرهم وكما يقول الكاتب محمد الأنصاري في كتابه ( ظاهرة الانتحار تعبير عن نزيف وتشقق داخلي يُباعد بين خلايا النفس الجماعية للأمة ، فتصبح كل خلية بمعزل عن الأخرى ، وينتابها الشعور بأنها قد تمّ التخلي عنها ، قد تمّ هجرها ، قد حوصرت وتقطعت شرايين اتصالها بالخلايا الشقيقة في النسيج الداخلي المحيط بها ، عندها تبدأ رحلة الانتحار كما تتساقط الأوراق الصفراء من الشجرة الأم وما الانتحار في نهاية الأمر ؟ هو ذروة الحرب الأهلية داخل النفس الإنسانية والتعبير النهائي عن تدمير جزء من الذات الواحدة للجزء الآخر منها ) إذاً هي معاناة حقيقية لها أسبابها الواقعية التي لا يمكن المرواغة معها وكأن المثقف هنا يترك لنا تراكمات أدبية كبيرة قبل أن يُقدم على مثل هكذا فعل ليقول لنا بما معناه ” مكة أدرى بشعابها”. 
لم ينسَ الأنصاري أن يتطرق لمسؤولية المثقف والعاتق الكبير على كاهله أكثر حتى من مهام “السياسي ” مع التحفظ على هذا المسمى الأخير بالطّبع إذ يقول ( إن مسؤولية الأديب الأخلاقية والمعنوية أكبر بما لا يقاس من مسؤولية السياسي ، فالناس يغفرون للسياسي أحيانا تراجعاته ويتفهمون انحناءه للظروف الوقتية من أجل تغيير الأمر الواقع مستقبلاً ، أما الأديب فإنه قبل كل شيء ” موقف “؛ موقف أخلاقي وضميري وفكري وتاريخي ، والمواقف ليست مناسبات ظرفية عابرة وليست وظائف رسمية يؤديها الأديب بحكم إداراته لهذه المؤسسة أو عضويته في ذلك المجلس ثم يغيرها عندما تتغير الظروف والحسابات ) نعي كما يعي الأنصاري بما أشار إليه ثقل ما يحمله المثقف على عاتقه هو ليس إذاً مواطنا عاديا يشغله قوت يومه أو مليارديرا جل همه كيف له أن يفتتح مشروعا جديدا ليشتهر به اسمه أكثر ، المسألة لا يمكن لأحد آخر أن يفهمها سوى المثقف والمجتمع بطبيعته يطمع بالمثقف وبآرائه وبفكره وكأنه يرمي كل همومه الأخلاقية على المثقف بقصد أو بغير قصد هكذا يمكن لنا أن نقرأ الواقع كما هو عليه. 
من أكثر الأدباء الذين أخذوا حيّز من وقتي في البحث عن مسيرة حياتهم هو الأديب خليل حاوي صاحب قصيدة عابرون الجسر والتي غنّاها مارسيل خليفة بأداء خاص ومُدهش كعادته. خليل حاوي هذا الشاعر الرّمزي الذي علّم نفسه بنفسه من العربية للغة الإنجليزية للفرنسية كي يلتحق مرة أخرى بالمدرسة بعد انقطاعه عنها لإعالة عائلته ومرض والده ثم التحق بالجامعة في بيروت وبعدها ذهب ليكمل الدكتوراه في بريطانيا حاصلاً من هناك على ما يؤهله ليعمل أستاذا في نفس الجامعة التي تخرج منها في بيروت خليل حاوي الذي كان صديقاً خاصاً للأنصاري يعنون لقائه بخليل بـ ” لقاء البراءة ” إذ يقول ( التقيت بالدكتور الحاوي مرات عديدة . كان إحساس هذا الرجل في عمق الثكل الذي كانت تعانيه هذه الأمة في السنوات العجاف . بل كانت بؤرة مكثفة وشديدة الحساسية لذلك الثكل الفاجع ، وفجأة التقيت به ذات يوم من أيام حرب أكتوبر . لم أبصر وجهاً عربياً في مثل براءة وجه حاوي وفرحه وبشره وانفتاحه العفوي من جديد على المستقبل وعلى إمكانية ” الانبعاث ” الذي غناه كثيراً وطويلاً منذ مطلع شبابه وكأنه في ذلك اليوم قد اغتسل بكل الدفق في النيل وبردى والرافدين ) رغم كل هذه الحياة التي تسكن خليل حاوي آنذاك إلاّ أن هموم التاريخ العربي والخيبات التي تنكأ جرح الضمير أكثر كانت سببا كبيرا في ضعف الحاوي وإقدامه على فعل الانتحار لأكثر من مرة كما كانت النظريات تتحدث في حياة حاوي وتاريخه إلى أن أقدم على الانتحار في بيته بتاريخ يونيو 1982 في شارع الحمراء في بيروت على إثر الهجوم الإسرائيلي على لبنان.
ما كان يؤرق حاوي أيضا هو خروج بيروت عن منحى الأصالة شيئاً فشيئاً كما يرى إبن الجبل ، لم يحب اكتساح فكرة التجارة في الشعر والقيم والمبادئ على حسب رأيه فكان يشعر بأنه بدأ يفقد بيروت الأصالة . 
أليس هو القائل كما اقتبس له الأنصاري :
” بي حنينٌ لنبع الأرض
للعصفور عند الصبح ، للنبع المغني 
لشبابً وصبايا 
من كنوز الشمس ، من ثلج الجبال 
لصغارً ينثرون المرج 
من زهو خطاهم والظلال 
أنتم .. أنتن في عمري 
مصابيحٌ ، مروج ٌ ، وكفاه 
أتحدى محنة الصلب 
أعاني الموت في حبّ الحياة “
يتطرق الكاتب أيضا في كتابه إلى نظريتين في الخلق الفني- جناحين للفن العظيم لا يحلق بدونهما في البناء المادي والأدب الظاهري – أسبقية النثر على الشعر ودعوة لتأسيس نثر عربي جديد. لم ينسَ أيضا أن يأخذنا لأبو حيان التوحيدي وظاهرة انتحارية من تراثنا القديم تطرق أيضا إلى اكتشاف أرض الميعاد وانتحار الفنان اليهودي والذي سأقوم بذكر قصته كاملة في الجزء الثاني من هذا المقال ونظرية التطبيع ولم أنسَ الباب الرابع الذي عُنون بمعالجات ثقافية عربية وعالمية والذي يذكر من خلالها ستة نقاط سأتحدث عنها بإسهاب لاحقاً منها قصة علاقة مرواغة بين أديب إنجليزي ومدينة فرنسية ..
يُتبع 

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *