الرئيسية / إضاءات / مارغريت يورسنار جعلت من الكتب وطناً

مارغريت يورسنار جعلت من الكتب وطناً


* أوراس زيباوي

تشكّل مارغريت يورسنار حالة استثنائية في الأدب الفرنسي، ليس لأنها أول امرأة دخلت الأكاديمية الفرنسية عام 1980، بل لأنّ أدبها يستند إلى ثقافة موسوعية وإلى حسّ إنساني عميق. وهي تتمتّع أيضاً بمعرفة واسعة بالثقافة اليونانية القديمة، وقد ترجمت عن الشعر اليوناني القديم مختارات شعرية متفرّدة في لغتها وحساسيتها، صدرت عن دار «غاليمار» تحت عنوان «التاج والقيثارة». وإلى كونها روائية وكاتبة قصة قصيرة وباحثة، كانت أيضاً شاعرة، وتجلّى هذا الوجه في كتاب لها بعنوان «نيران» المستوحى من نصوص أسطورية وتصف فيه الحبّ بطريقة أقرب إلى الوجد الصوفيّ. اما روائياً فقد مثلت روايتها الشهيرة «مذكرات ادريان» التي صدرت وترجمت الى لغات عدة، تجربة فريدة في الحركة الروائية الفرنسية والعالمية.

لا تعرف إلاّ قلّة من محبي أدب يورسنار أنه يوجد بيت يحمل اسمها في منطقة «مون نوار»، أو الجبل الأسود، القريبة من بلجيكا. وهي تبعد نصف ساعة بالسيارة عن مدينة ليل التاريخية والعريقة وعاصمة الشمال الفرنسي. هذا البيت صار يحمل اسمها بعد أن اشترته الهيئات الحكومية في المنطقة، وتنظّم فيه كل عام نشاطات ثقافية، كما إنه مقر يقيم فيه الكتّاب موقتاً حتى يتمكنوا من التفرغ للكتابة، وهؤلاء ينتمون إلى كل الدول بما فيها الدول العربية.
ولمناسبة انطلاق النشاطات الثقافية لموسم الصيف، أتيحت لنا زيارة هذا البيت مع مجموعة من الكتاب والإعلاميين الفرنسيين. أمضت مارغريت يورسنار سنوات طفولتها من مولدها عام 1903 حتى عام 1912 بين هذا البيت ومدينة ليل. تتحدر يورسنار، من ناحية الأب والأم، من الأرستقراطية الفرنسية والبلجيكية. فقدت أمها بعد عشرة أيام من ولادتها عام 1903، فربّتها جدتها من ناحية والدها. وبعد أن قام والدها ببيع البيت عام 1912 انتقلت يورسنار الى باريس حيث كانت لها معلّمة خاصة، وكانت ترتاد المتاحف والمسارح. ولا بدّ من التذكير بأن والدها كان مثقفاً، وكان من أول مشجعيها ككاتبة. كان شخصية استثنائية ولم يعش حتى يشهد على نجاحها العالمي إذ كان يعاني من مشاكل صحية أدت الى وفاته فأصبحت يتيمة مجدداً عام 1929.
ثمة إجماع على أن أيام الطفولة التي أمضتها يورسنار في البيت العائلي وفي شمال فرنسا تركت أثراً كبيراً على حياتها وإبداعها. شيّد البيت في الربع الأول من القرن التاسع عشر، لكنه تهدم عام 1918 عند نهاية الحرب العالمية الأولى بسبب الغارات التي شنها الألمان والتي ألحقت دماراً هائلاً في شمال فرنسا. عام 1930 أعيد بناء البيت الذي لا يتميز فقط بهندسته الجميلة بل أيضاً بإطاره الطبيعي الرائع الذي يشكل امتداداً له، وهو جنائن شاسعة تدعى أيضاً «حديقة مارغريت يوسنار» وقد ثبتت على لائحة التراث الطبيعي في فرنسا بطلب من الكاتبة التي أرادت أن يسجّل ذاك الموقع كمحمية طبيعية للحفاظ على أشجارها وحيواناتها. هذا الموقف عكس عشقها للطبيعة واهتمامها بقضايا البيئة والتحديات المفروضة عليها مع هيمنة الحداثة العمرانية وكيفية حمايتها من تعديات البشر. وكان كتاب بعنوان «مارغريت يورسنار/ طفولة في بلجيكا وشمال فرنسا» صدر عام 2002 مبيّناً من خلال نصوصها الأدبية عشقها لطبيعة هذه المنطقة الضبابية التي وسمَت طفولتها بأكملها. الكتاب مصوّر وفخم، يضمّ مجموعة من النصوص، مع تقديم وضعه الكاتب والعضو في الأكاديمية الفرنسية فيليب بوسون.
في مطلع حزيران من كل عام، تقام في بيت يورسنار مجموعة كبيرة من النشاطات الثقافية يساهم فيها الكثير من الكتّاب ومنهم من سبق له أن أقام في البيت شهراً أو شهرين. من المشاركين في اللقاءات، الإعلامية في صحيفة «لوموند» والكاتبة الفرنسية جوزيان سافينيو التي كتبت سيرتها الذاتية وقد صدرت عام 1993 عن دار غاليمار تحت عنوان «مارغريت يورسنار، ابتكار حياة»، وكانت أول سيرة كاملة للكاتبة. سألناها كيف ولد هذا المشروع فقالت إن الناشر أنطوان «غاليمار» هو من طلب منها كتابة هذه السيرة التي استغرق العمل عليها نحو سنوات، وكشفت فيها عن تناقضاتها وتوقها إلى الحرية والحب. كذلك أخبرتنا عن متابعتها للأدب العربي وصداقتها مع عدد من الكتّاب ومنهم اللبناني ألكسندر نجار والمصري جمال الغيطاني.
رحلت يورسنار عام 1987، لكن وهج نتاجها لم يخفت أبداً، وذكراها حاضرة في المكان الذي أمضت فيه طفولتها. عاشت مارغريت يورسنار على مفترق بين الثقافات المختلفة، والتفتت في نتاجها الأدبي، كما سبق أن ذكرنا، إلى اليونان، وكذلك إلى الشرق الأقصى. ولم يكن العالم العربي والإسلامي غائباً عن عالمها الداخلي، فهي التفتت إلى ثقافته وعلومه القديمة. ومن المعروف أنها ترددت طويلاً قبل كتابة روايتها بين أن يكون موضوعها الإمبراطور أدريان أو الفيلسوف وعالم الرياضيات والشاعر عمر الخيام. ثمّ أنّ المغرب كان من الأماكن الأثيرة على قلبها، وقد قامت بزيارته مراراً، بخاصة قبل وقت قصير من وفاتها، مع المصوّر جيري ويلسن، ونتج من تلك الزيارة كتاب مصوّر يظهر يورسنار في بعض المناطق المغربية وخصوصاً في تارودنت.
تقول مارغريت يورسنار، في إطار نزعتها الإنسانية دائماً، وفي ما يختصر واحداً من ملامح فلسفتها في الحياة: «المكان الفعلي للولادة هو الذي ألقينا فيه، وللمرة الأولى، نظرة ذكيّة إلى ذاتنا: أوطاني الأولى كانت الكتب».
________
*الحياة

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *