الرئيسية / إضاءات / أمبرتو إيكو.. عن أروقة العقل

أمبرتو إيكو.. عن أروقة العقل


ترجمة: أمين صالح

أمبرتو إيكو: فيلسوف، باحث في مفهوم العلامات، روائي، محب للكتب وجامع لها. هو تجاوز الثمانين. ذو جسم ممتلئ يجعله يجلس على الكرسي على نحو غير مريح بعض الشيء. ربما تعوزه الرشاقة في الحركة، لكنه مفعم بالحيوية، يميل إلى الهزل والمزاح في الحديث. يلوك سيجاراً صغيراً، رغم امتناعه عن التدخين منذ عشر سنوات تقريباً، ذلك لأنه لايزال يحب وضع سيجار في فمه متمنياً أن يتسرّب بعض النيكوتين داخل جسمه. لصوته نبرة خشنة.
في عام (2011) قام بجولة عالمية، استغرقت عشرين يوماً، للترويج لروايته الجديدة «مقبرة براغ»، زار خلالها أماكن عديدة حتى أنه أحياناً كان يخلط بين المدن ولا يعود يعرف في أي مدينة حطت قدماه. 
رواية «مقبرة براغ» تدور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتتقصى مسيرة شخص بارع في التزوير، قاتل، ولا قيمة له.. يدعى سيمون سيمونيني، والذي يلعب دوراً في أغلب الأحداث الكبرى في تلك الفترة (توحيد إيطاليا، الحرب الفرنسية- البروسية، كوميونة باريس، قضية درايفوس). 
بهذا الكتاب يعود أمبرتو إيكو إلى موضوعه المفضل: المؤامرات. سيمونيني مقدّم هنا بوصفه الشخص الذي أوجد «بروتوكولات حكماء صهيون»، وهو النص الزائف الذي صدر في بداية القرن العشرين، والذي يُفهم منه ظاهرياً أنه يصف بالتفصيل المؤامرة اليهودية الهادفة إلى الهيمنة على العالم. مباشرةً بعد نشره في روسيا، في العام 1903، لقي النص رواجاً وصار مقروءاً بشكل واسع، والكثيرون صدقوا ما جاء فيه على الرغم من أن مضامينه منتحلة من مصادر قصصية. هتلر استشهد به على نحو واسع، وحتى يومنا تنتقل سمومه من مكان إلى آخر.
لقد عمل إيكو على تجميع ما كان في المتناول، والذي لا يُعرف عنها إلا القليل، من أصول النص، وقدّم سيمونيني، الإيطالي الفاقد لحس المسؤولية الأخلاقية، والذي يعيش في باريس، بوصفه محرّك أكثر الأشياء المزوّرة خطورةً.
المؤامرات بشكل عام، والبروتوكولات بشكل خاص، من الموضوعات المتكررة في أعمال إيكو، وعلى نحو بارز، في روايته الثانية «بندول فوكو» حيث يقوم ثلاثة من محرري كتابٍ، يصعب وصفه أو تصنيفه، وعلى سبيل المزاح، بتدبير مؤامرة كبرى تنقلب ضدهم.
لكن لماذا تشغل البروتوكولات باله؟
يقول أمبرتو إيكو: «كباحث، أنا مهتم بفلسفة اللغة، بالعلامات، سَمّها كما تشاء، وأحد المقوّمات الرئيسية للغة البشرية نجده في إمكانية الكذب. الكلب لا يكذب. عندما ينبح فإنه يعني أن هناك شخصاً ما خارج البيت. الحيوانات لا تكذب، الكائنات البشرية تكذب. من الأكاذيب إلى التزوير، الخطوة ليست واسعة جداً. وقد سبق أن كتبت مقالات تقنية عن منطق التزوير والتزييف، وعن تأثير التزوير على التاريخ. إن أشهر الأشياء المزوّرة، وأكثرها فظاعةً، هي البروتوكولات»
يقول إيكو أن المؤامرات ليست هي التي تجذبه، بل البارانويا التي تسمح للمؤامرات بأن تنشط وتزدهر.
«هناك الكثير من المؤامرات الصغيرة، وأغلبها تنكشف وتنفضح. لكن الإحساس بالارتياب (البارانويا) من وجود مؤامرة عالمية هو إحساس قوي وفعال لأنه دائم ومستمر. وأنت لا تستطيع أن تكتشفه على الإطلاق لأنك لا تعرف من يكون هناك. إنه إغواء سيكولوجي للجنس البشري. كارل بوبر Karl Popper كتب مقالةً جميلة عن هذا الموضوع، قال فيها أن المسألة بدأت مع هوميروس. كل ما كان يحدث في طروادة كان مدبّراً في اليوم الذي يسبق الحدث، من قِبل الآلهة، على قمة أولمبوس (موطن الآلهة). إنها وسيلة لئلا يشعر المرء بمسؤوليته تجاه أي حادث. لهذا السبب تستغل الأنظمة الدكتاتورية فكرة المؤامرة الدولية كسلاح.
في السنوات العشر الأولى من حياتي تعلمت على يد الفاشيين في المدرسة، وكانوا باستمرار يتحدثون عن المؤامرة الدولية: الانجليز واليهود والرأسمالية يتآمرون ضد الشعب الإيطالي الفقير. هتلر بدوره كان يفعل الشيء ذاته. وبرلوسكوني قضى كل حملاته الانتخابية وهو يتحدث عن المؤامرة المزدوجة التي كان القضاة والشيوعيون يحيكونها ضد الشعب. مع أننا لم نعد نر شيوعيين من حولنا، حتى لو حملت المصباح وبحثت عنهم هنا وهناك، إلا أن برلوسكوني لا يزال يراهم أمامه محاولين الاستيلاء على السلطة».
إيكو على الأرجح لا ينوي أن يتجاهل هتلر وبرلوسكوني، لكنه أيضاً ليس معجباً برئيس وزراء إيطاليا، الذي توفي مؤخراً. إيكو كان دائماً شخصية بارزة في أوساط اليسار السياسي، وعارض برلوسكوني منذ تعيينه لأول مرة كرئيس وزراء في منتصف التسعينيات. وقد شعر بالسرور عندما سقط هذا المدمن على حضور الحفلات، لكنه حذر من إلغائه لأنه قد يحاول العودة بعد الانتخابات.
يقول إيكو: «برلوسكوني عبقري في وسائل الاتصال، وإلا لما أصبح غنياً على الإطلاق. منذ البداية هو عيّن هدفه: الأشخاص الذين بلغوا منتصف العمر والذين يشاهدون التلفزيون باستمرار. الشباب لا يتفرجون على التلفزيون، إنهم يتنقلون عبر مواقع الانترنت. الذين يساندون ويدعمون برلوسكوني هم الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و 60 سنة، من الجنسين. هؤلاء يشكلون قوة عظيمة لا يستهان بها، خصوصاً في الانتخابات، وفي بلد كإيطاليا، حيث كبار السن يمثلون نسبة مرتفعة من السكان. إن بعض أخطائه الفاضحة وحماقاته قد تبدو كذلك بالنسبة لي ولك، لكن السيد الريفي البالغ من العمر 60 سنة ربما لا يعتبرها حماقات. إنهم يكنّون له التقدير والإعجاب لأنه يطلب منهم أن يدفعوا ضرائب أقل. عندما يقول لك رئيس الوزراء أن من حقك ألا تدفع الضرائب، فإنك تشعر بالسعادة».
كيف يمكن لثقافة غنية بالفكر والفن، كما الثقافة الإيطالية، أن تسمح بانتخاب مهرج كهذا؟ 
يوضح إيكو قائلاً: «برلوسكوني معادٍ بقوة لكل ما هو فكري وعقلاني، وهو يتباهي بأنه لم يقرأ رواية منذ عشرين سنة. كان هناك خوف من المفكرين باعتبارهم طاقة نقدية، وانطلاقاً من ذلك، كان هناك تصادم بين برلوسكوني وعالم الفكر. لكن إيطاليا ليست بلداً غنياً بالثقافة. في أنفاق المترو بطوكيو تجد كل ياباني يقرأ كتاباً. بينما لا أحد يقرأ في إيطاليا. لا تقيّم إيطاليا من واقع أنها أنجبت رافاييل ومايكل أنجلو».
هاجم البعض كتاب إيكو الجديد بدعوى معاداته للسامية وكراهيته لليهود، غير أن إيكو يرى أن بإمكان أي شخص أن يعثر بيسر على البروتوكولات عبر الانترنت، وأن القارئ «الضعيف» الذي يسيء فهم غايته سوف يتعرض للتضليل في مكان آخر.
يقول إيكو: «أنت لست مسؤولاً عن القراءات الخاطئة والمنحرفة لكتابك. القساوسة الكاثوليك قالوا، إياك أن تعطي رواية مدام بوفاري إلى فتاة لتقرأها.. لأن الزنا قد يغويها».
هل يزعجه واقع أن رواياته التي كتبها منذ «اسم الوردة»، والتي جلبت له الشهرة الأدبية في بداية الثمانينيات، قد لقيت استقبالاً متفاوتاً بين الحماس والتحفظ؟
يقول إيكو: «الكاتب دائماً يشعر بالصدمة إزاء الاختلافات في آراء النقاد. أعتقد أن أي كتاب ينبغي أن يحاكَم بعد عشر سنوات من صدوره، بعد قراءته وإعادة قراءته. إن كتبي على الدوام تُصنّف باعتبارها واسعة المعرفة وفلسفية أكثر مما ينبغي، وصعبة أكثر مما ينبغي. لقد كتبت رواية لا تتسم بسعة المعرفة على الإطلاق، ومكتوبة بلغة واضحة وبسيطة، هي «لهب الملكة لوانا الغامض». لكن من بين جميع رواياتي هي كانت الأقل مبيعاً. لذلك، هناك احتمال بأنني أكتب لقراء ماسوشيين. الناشرون، وبعض الصحفيين، وحدهم الذين يؤمنون بأن الناس يريدون الأشياء البسيطة. الناس ضجروا وتعبوا من الأشياء البسيطة. إنهم يريدون شيئاً يتحداهم».
بعد مسيرة بارزة وشهيرة، استغرقت ثلاثين عاماً، في العالم الأكاديمي، مع ممارسة أنشطة أخرى مثل: تحقيق برامج تلفزيونية ثقافية، والعمل كرئيس تحرير في ميلانو، قبل تأليفه روايته «اسم الوردة»، لماذا يشعر بالحاجة لإضافة ممارسة الكتابة الروائية إلى السيرة الذاتية الحافلة والمتخمة بالأعمال والأنشطة؟
برّر إيكو ذلك قائلاً أن هذا حدث مصادفةً. صديقة له طلبت منه كتابة رواية قصيرة، عن عالم التحري الخاص، لمسلسل جديد كانت تعدّه وتنوي تنفيذه. أخبرها بأنه إن فعل ذلك فسوف يجعل الأحداث تدور في العصور الوسطى، وسيكون حجم الكتاب مؤلفاً من 500 صفحة. ذلك الحجم كان ضخماً بالقياس إلى المسلسل المقترح، لكن الفكرة انغرست في ذهنه، ومعها ولدت فكرة النشر. لقد راقت له حادثة تسميم راهب في أحد الأديرة.
يقول أمبرتو إيكو: «كنت دائماً أمتلك ذلك الحافز لكتابة قصة ما. كنت في العاشرة أو الثانية عشرة من عمري عندما كتبت القصص وبدايات الروايات. بعدئذ أشبعت ولعي بالسرد من خلال كتابة المقالات. كل بحوثي كانت تتبع بناء الرواية البوليسية القائمة على محاولة معرفة من القاتل».
واحد من أساتذته أشار إلى أن حتى أطروحته لنيل الدكتوراه كانت تلتزم بذلك البناء البوليسي حيث لا يصل إلى النتيجة أو الحكم النهائي إلا بعد عملية طويلة من التكهن والتنبؤ.
يقول إيكو: « أقرّ أنه كان مصيباً، وأنني كنت مصيباً، وأن البحث ما كان له أن يُنجز إلا بتلك الطريقة. كنت أشبع ولعي بالسرد عندما كان أولادي صغاراً، فكنت أروي لهم القصص، ولما كبروا شعرت بالحاجة لأن أكتب القصص. لقد حدث هذا لي مثلما يحدث للآخرين عندما يقعون في الغرام.. لماذا يقع المرء في الغرام في ذلك اليوم تحديداً، في ذلك الشهر، ومع شخص بعينه؟ لا أحد يعرف.. الحب يحدث. إنه يحدث فحسب».
رواية «اسم الوردة» أكسبت إيكو الشهرة كروائي، لكنها أيضاً أثبتت أن من الصعب مضاهاتها.
يعترف إيكو قائلاً: «أحياناً أقول إنني أكره هذه الرواية (اسم الوردة)، لأن الروايات التي تلتها ربما تكون أفضل. لكن هذا يحدث للعديد من الكتّاب.. يمكن لغابرييل غارسيا ماركيز أن يكتب خمسين كتاباً، لكنهم سوف يتذكرونه دائماً بوصفه مؤلف (مائة عام من العزلة). في كل مرّة أنشر روايةً جديدةً، ترتفع مبيعات (اسم الوردة). ما هو رد الفعل هنا؟ يقول القارئ: آه، كتاب جديد للكاتب إيكو، لكنني لم أقرأ أبداً (اسم الوردة)… وسعر الرواية يكون أقل بطبيعة الحال لأنها مطبوعة في كتاب ورقي الغلاف». 
من بين فضائل إيكو أنه مفكر لا يأخذ نفسه بجدية أكثر مما ينبغي. الحياة، مثل كتابة القصة، لعبة رائعة.
وعن تحويل روايته «اسم الوردة» إلى فيلم، يؤكد أن الفيلم لا يستطيع فعل كل ما يمكن للرواية أن تفعله.
«رواية كهذه أشبه بسندويش يتألف من خبز محمص ولحم ديك رومي، وسلامي (ضرب من السجق)، وطماطم وجبن وخسّ. الفيلم مضطر لأن يختار الخسّ فقط أو الجبن، مستغنياً عن بقية الأشياء.. الجانب اللاهوتي، الجانب السياسي. إنه فيلم جيد».
الكتاب حقق مبيعات عالية، وجلب الشهرة والغنى والرواج لمؤلفه. مع ذلك هو اختار أن يواصل التدريس في جامعة بولونيا، واحتفظ بعمله الأكاديمي. ببليوغرافيا (بيان مؤلفات) إيكو من الكتب غير القصصية، عن اللغة والثقافة والإيمان، هي ضخمة ومتشعبة. خلف إيكو الروائي يتوارى فيلسوف وناقد أدبي جاد. 
قيل، في أحوال كثيرة، أن أمبرتو إيكو يشيّد رواياته من عناصر كائنة في كتب أخرى. روايته «مقبرة براغ» تتحرى روايات القرن التاسع عشر، والتي تم انتحالها في نص «البروتوكولات»، وفي الوقت ذاته، روايته مبنية على غرار روايات ذلك القرن. الكاتب الفرنسي الكسندر دوما هو الروح المشْرفة والموجّهة، خصوصاً روايته «جوزيف بلسامو».
إيكو كان مغرماً بالكتب منذ طفولته. لقد نشأ في بلدة أليساندريا في شمالي إيطاليا، في كنف أب وأم، ينتميان إلى البورجوازية الصغيرة، ولم يبديا ولعاً بالكتب والمطالعة، لكن جدته كانت تحب القراءة. كان إيكو، ولا يزال، يقرأ بنهم. لديه مكتبتان في بيتين يقطن فيهما مع زوجته الألمانية المولد ريناته رامجه، بيت في ميلانو وآخر في ريميني. المكتبتان تحتويان على خمسين ألف كتاب، من بينها 1200 عنوان نادر. 
يسمي الكتب «أروقة العقل». منذ عهد قريب، ساهم مع آخرين في كتابة رسالة حب طويلة إلى النص المطبوع تحت عنوان «هذه ليست نهاية الكتاب». لكن هذا لا يجعله ثورياً مضاداً لما هو رقمي (ديجيتال). في رحلاته، صار يحمل معه كومبيوتراً صغيراً منقولاً فيه ثلاثين كتاباً، عوضاً عن حمل حقيبة ثقيلة مليئة بالكتب. مع ذلك هو لا يكفّ عن التأكيد بأن هذه ليست نهاية الكتاب. 
أمبرتو إيكو شخص متفائل، انتقائي، شاب دائم، يبدي اهتماماً بكل شيء. سألته كيف سيتذكره الآخرون: كروائي أو ناقد أو متعدد جوانب الثقافة؟
رد قائلاً: «أترك الأمر لكم. عادةً يعيش الروائي حياة أطول من الأكاديمي، إلا إذا كان مثل إيمانويل كانْت أو جون لوك. مفكرون لامعون اشتهروا قبل خمسين سنة، الآن صاروا منسيين».
إذن هل سيتذكره الآخرون بسبب روايته (اسم الوردة) أكثر مما سيتذكرونه لإسهاماته في مجال اللغة والفكر؟
يقول إيكو: «في البداية، كان لدي انطباع بأن رواياتي لا علاقة لها باهتماماتي الأكاديمية. بعدئذ اكتشفت أن النقاد وجدوا العديد من الصلات والروابط، كما أن المحررين في (مكتبة الفلاسفة الأحياء) قرروا أن رواياتي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار كمساهمات فلسفية. لذلك فقد استسلمت، وقبلت بفكرة وجود انسجام وتناغم بين المجالين. من الواضح أنني لست مصاباً بانفصام في الشخصية». 
ملحق: 
في أحد لقاءاته، قدّم أمبرتو إيكو اعترافاً مفاجئاً بشأن مجال أو مدى قراءاته، حيث أعلن أنه لم يقرأ الكثير من مقتنياته من الكتب.
وقال إيكو: 
هناك في العالم كتب أكثر من الساعات التي يمكن تخصيصها للقراءة. نحن بالتالي نشعر بتأثير عميق للكتب التي لم نقرأها، التي لم يتوفر لنا الوقت لقراءتها. من منا قرأ حقاً كتاب Finnegans Wake، أعني من البداية إلى النهاية؟ من الذي قرأ الكتاب المقدّس كما ينبغي، من سِفْر التكوين إلى سفر الرؤيا؟
مع ذلك، لدي فكرة واضحة تماماً عن الكتب التي لم أقرأها. يتعيّن عليّ أن أعترف بأني لم أقرأ (الحرب والسلام) إلا حين بلغت الأربعين من عمري. لكنني كنت أعرف سلفاً مجريات الرواية الأساسية. كما إنني لم أقرأ أبداً كتاب (المهاباراتا)، على الرغم من اقتنائي لثلاث طبعات من النص وبلغات مختلفة. من منا قرأ حقاً كتاب (الكاما سوترا)؟ مع ذلك كل شخص يتحدث عنه، بل أن البعض يمارس الأوضاع الواردة فيه.
هكذا نستطيع أن نرى بأن العالم مليء بالكتب التي لم نقرأها، لكننا نعرف جيداً محتوياتها. وعندما نلتقط الكتاب أخيراً، نكتشف أنه مألوف. كيف يحدث ذلك؟ 
أولاً، ثمة تفسير قد لا تفهمه إلا فئة قليلة: هناك هذه الموجات التي تنتقل بطريقة ما من الكتاب إليك. وهو تفسير لا أستطيع أن أقرّه.
ثانياً، ربما ليس صحيحاً أنك لم تفتح أبداً الكتاب. عبر السنوات، من المؤكد أنك نقلت الكتاب من مكان إلى مكان، وأنك ربما نفضت الغبار عنه، وتصفحته سريعاً، لكنك نسيت أنك فعلت ذلك.
ثالثاً، عبر السنوات لابد أنك قرأت الكثير من الكتب التي أشارت، بطريقة أو بأخرى، إلى هذا الكتاب فصار مألوفاً.
عندما يسألني أحد عما إذا قرأت هذه الرواية أو ذاك الكتاب، فإنني أجد الإجابة الآمنة في هذا القول: «لعلمك، أنا لا أقرأ، أنا أكتب». هذا الرد يجعلهم يصمتون.
أحياناً يسألونني، المرة تلو الأخرى: «هل قرأت رواية ثاكري Vanity Fair؟»، فأستسلم وأحاول أن أقرأ الرواية في ثلاث مناسبات مختلفة.. لكنني أجد أنها بليدة ومملة بشكل فظيع.
الأيام الفلسطينية

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *