الرئيسية / فكر / في مواجهة حكمتنا البشرية المعوّقة.. هل ثمّة من يصغي إلى مناشدة راسل؟

في مواجهة حكمتنا البشرية المعوّقة.. هل ثمّة من يصغي إلى مناشدة راسل؟


*ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

نشرت صحيفة الغارديان سلسلة مقالات عن الفيلسوف البريطاني اللامع ( برتراند راسل ) بقلم ( كلير كارليسل ) ، وتتناول الكاتبة في كل مقالة جانباً محدداً من جوانب الاشتغالات المتعددة التي عرف بها راسل مع محاولة عقد رابطة واضحة بين ذلك الجانب من فكر راسل مع ما تفرزه حياتنا المعاصرة من تحدّيات و صراعات واشتباكات على كافة الجبهات المادية والعقلية ، وربّما كانت غاية الكاتبة أن تعرّف الأجيال الشابة في بريطانيا وخارجها على منابت وطبيعة فكر راسل واهتماماته التي تكاد في بعضِ منها – على اقلّ التقادير – أن تكون ذات قدرة نبوئية واضحة و بخاصة في ميدان المثل التي تستعصي على معول الزمن و لها صفة الامتداد و المطاولة في الزمان بسبب من أهميتها لإدامة الحياة البشرية و الارتقاء بها على عكس السمات المتموضعة في مقطع زماني او مكاني محدّدين . ولعلّ الحكمة البشرية التي يخاطبها راسل في مقالته التي تعرض لها كاتبة الغارديان هي واحدة من هذه المثل التي لها سمة الامتداد العميق في الزمان ومقاومة الاندثار والبلى الملازمين لكل الفعاليات البشرية العابرة ، ولن يكون عصياً أن نلمح قدرة راسل النبوئية في حديثه عن المشكلات التي لا زالت تواجه البشرية – وإن إختلفت طبيعتها – وتلك واحدة من السمات الملازمة للفيلسوف الحاذق حيث يستطيع تمرير ما يبتغيه من مقاصد في عبارات شديدة التكثيف والغنى والبساطة اللغوية في جانبي الصياغة وانتقاء المفردات .

نشر المقال الآتي في الغارديان في عدد 13 كانون الثاني 2014 
لطفية الدليمي
________

ظلّت الحكمة والاخلاقيّات الكامنة وراءها هي المثال الذي دفع بفكر برتراند راسل وألهمه أكثر ممّا فعلت أية قيمة أخلاقية او فلسفية أخرى ، وليس هذا بغريب أو باعث للدهشة متى ما علمنا أن راسل كان فيلسوفاً – إلى جانب الكثير من الاشتغالات الأخرى – وان الفلسفة في أصلها الاغريقي مشتقّة من ” حب الحكمة ” ، ولكن لا ينبغي غض النظر أن حب الحكمة له معنى عملي وأخلاقي مباشر لا يبدو اننا نشهده كثيراً في غالب الاعمال الفلسفية : فالمعرفة مثلاً يمكن لها أن تكون تخصّصية أو تجريدية او عملية أو مطلوبة بذاتها ولذاتها وكل ما يهم فيها في نهاية الامر أن تكون صحيحة ، بينما الامر مختلف تماماً مع الحكمة الأصيلة فهي ليست محض قيمة تحسب بالقياس إلى صحتها بل بالقياس إلى قدرتها على الإرتقاء بنوعية الحياة البشرية ، وبالإستناد إلى هذه المقايسة نستطيع القول أننا متى ما تصادفنا مع حكمة تفتقد إلى القدرة على تحفيز الحياة البشرية والارتقاء بحساسيتها الأخلاقية نكون عندئذ أمام حكمة جوفاء باطلة و زائفة .
يعرض راسل لموضوعة الحكمة هذه في مقالته الموسومة “الكون العقلي المتوسّع The Expanding Mental Universe ” التي نشرها في صحيفة Saturday Evening Post الأسبوعية الامريكية عام 1959 ، وهي إحدى مقالات راسل الأكثر جوهرية وقدرة على تحفيز الخيال والإثارة الذهنية رغم انه صاغها في بساطة جعلتها تبدو قريبة لتكون متناغمة مع البديهية العامة . يفتتح راسل مقالته بمساءلة تأثيرات المعرفة الحديثة على حياتنا العقلية وبالتأكيد على ان الحياة العقلية تشتمل على جملة الاستعدادات و المشاعر جنباً إلى جنب التفكير الذهني . يبدو جلياً أن راسل كان مدفوعاً بالنظرية الكوسمولوجية القائلة بالكون المتوسّع وهذا ما دفعه لتخيّل الآفاق المتصورة لحياتنا العقلية المتوسعة : فقد دأبنا على إجراء القياسات الدقيقة والإحصائيات الخاصة بوزن الشمس ، وحجم المجرّات وعددها وقياس المسافات بين النجوم والأرض والكثير غيرها ، لكن راسل يؤكد بتحذير واضح أن ” ما من سبب يجعلنا نعبد الأرقام وحسب ” ، وقد يكون دقيقاً القول أن المعرفة العلمية توسّع حدود فهمنا لطبيعة تعقيد الكون الذي نعيش فيه ولكن عندما يتحدث راسل عن “نمو الانسان” فهو يقصد دوماً النمو الحاصل في الحكمة ، والحكمة كما يعنيها راسل هي ” توليفة متناغمة من المعرفة والإرادة والشعور ” .

يكتب راسل في مقالته العبارة المرجعية الآتية “الإرادة و الشعور ينبغي لهما ان يرتقيا بذات المنوال إذا أريد للحكمة الإنسانية أن تنمو مترافقة مع نمو المعرفة البشرية” ، ثم يضيف “إذا لم يتحقق هذا الهدف وظلت المعرفة البشرية ترتقي إلى مديات كونية في ذات الوقت الذي يرتقي فيه الشعور الإنساني بطريقة محدودة فسيكون ثمة نقص في التناغم سينتج عنه نوع من الجنون الشامل والمطبق الذي ستكون له تبعات كارثية خطيرة” . أما فيما يخص تلك القيمة التي يدعوها راسل “الإرادة” فهو يشير إلى المدى الخطير الذي عظّمت فيه التكنولوجيا من قدرة الانسان على البناء والتدمير في الوقت ذاته ، وأن الكائنات البشرية لطالما أبدت خليطاً من الميول الطيبة والشريرة إزاء استخدام القدرة التكنولوجية . ويؤشّر راسل حقيقة غريبة ولا تخلو من طرافة بالغة بالقول : “تمكن الانسان من البقاء من قبل بسبب عدم امتلاك المعرفة الكافية من جهة ، و عدم امتلاك وسائل التدمير القاتلة من جهة أخرى ، فهل ستكون قدرتنا التكنولوجية سبباً في دفع الانسان إلى مديات بالغة السوء في اقتراف الآثام و الأخطاء المميتة أكثر بكثير ممّا فعل من قبل ؟ !! ” . تستبطن ملاحظة راسل الساخرة هذه الأهمية الحاسمة في أن يرتقي التطور الأخلاقي بذات سرعة التطورات العلمية والذهنية ، و يضيف راسل “إذا تمادينا مدفوعين بذكائنا المضطرد في البحث عن اهداف لا تقل غطرسة عمّا طمح إليه عتاة الطغاة من قبل ، فسندفع مستقبلنا البشري إلى هاوية سحيقة وسيكون النوع البشري على حافة الانقراض كما انقرضت الديناصورات تماماً من قبل” .

في سياق متصل ، يتحدث راسل عن الرخاء الاقتصادي في قرون خلت وآليات تحقيقه عبر العدوان الامبريالي ، ولكن الصورة تختلف في عالم متطور تقنياً كما يرى راسل حيث تستحيل الأرض كما لو كانت مخلوقاً عضوياً واحداً متكاملاً ينبغي لكل خلاياه أن تتعاضد وتتشارك فيما بينها إذا أريد له ان يتطور ويديم حياته ، ويشير راسل في واحدة من أجمل تعليقاته واكثرها كشفا ورؤية “يعلّمنا الدين أن نحبّ جارنا و أن نتمنى السعادة للآخرين ، و لكن في عالمنا التكنولوجي الجديد فإن هذا الشعور النبيل تجاه الآخرين لن يكون محض واجب أخلاقي بل وسيلة لازمة وحاسمة لا بديل عنها لضمان استمرارية بقاء الجنس البشري” .
ربما كانت رؤية راسل في أهمية المشاركة العولمية أقرب إلى أن تكون فنتازية اكثر من كونها تحمل سمات نبوئية ، ولكن قراءة مقالته في أيامنا الحاضرة هذه ستكون كفيلة بإصابة المرء بالذهول لرؤية كم تغيّر من الاحوال منذ الحرب الباردة وسباق الفضاء المحمومين ، وربما كان راسل ذاته سيذهل هو الآخر لو عرف الاشكال المستحدثة للعنف التي خلقتها لنا التقنيات الحديثة : الطائرات المسيرة ، الحرب الكيميائية ، العروض الإباحية ( البورنوغرافي ) على شبكة الانترنت ،،، و ربما كان الرجل سيصدم اكثر من حجم اللامبالاة والسخرية المرّة التي ستواجه بها دعوته في الارتقاء بالحكمة البشرية .
إن من المثير لكل أشكال العواطف البشرية أن رؤية فيلسوف قبل ما يقارب نصف قرن من الزمان في المثل الخاصة بالحكمة البشرية و الارتقاء الإنساني قد قوبلت بجدية بالغة لا على مستوى حلقة صغيرة من الأكاديميين والفلاسفة فحسب بل على مستوى أوسع بكثير من حلقات الرأي العام ، وهنا ينبغي لنا ان نتساءل : هل كان راسل سيثير ذات الجدية والاهتمام في الجمهور لو قيض له ان يكتب شيئاً مناسباً لعالمنا عام 2014 ؟؟ وهل كان سيحتفظ بالقدرة على تأكيد إيمانه الراسخ بالارتقاء الأخلاقي في أيامنا الحاضرة هذه ؟؟ . نستطيع أن نقول بثقة معقولة : إذا كانت كلمات راسل فيما يخص قدرة الحكمة المتأصلة و الراسخة ستطرق أبواب قلوبنا الصخرية والمتصلبة فإن هذا يعني أن امامنا عملاً شاقاً للغاية ينتظرنا قبل ان نتوقّع ان هناك نموّا ما في حكمتنا البشرية ومثلنا الأخلاقية يمكن له أن يواصل الارتقاء إلى مثل ما ارتقت إليه تقنياتنا المعقدة.
_______
*المدى

شاهد أيضاً

حاجتنا إلى فكر الإمام محمّد عبده

( ثقافات ) *حاتم السروي قبل الشروع في الحديث عن ميراث الإمام المجدد محمد عبده …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *