الرئيسية / نصوص / ثاني أوكسيد الداء في ضيافتي

ثاني أوكسيد الداء في ضيافتي


*جواد غلوم

خاص- ( ثقافات )
هلُمَّ إليَّ أيّها المتلصصُ الماكر 
يامن تترقبُ أن يُهدَّ سياجُ جسدي
ايها العدوُّ العاقلُ المهيبُ في مجلسك 
تعالَ أيها الطائر المهيضُ الجناح
أنا عشُّــكَ النائي الآمِن 
لستُ قـفَصاً فتضيق رحابُك 
قمْ وتمشَّ في أوصالي
تسرّبْ في كلّ الزوايا اليقظة والنائمة
تمايلْ غنَجاً ، ضاحكا ، هزّ يديك 
تبَخْترْ في خيَلاء
ارقصْ هازئاً ، ولتكنْ دبْكاتُك صاخبة
وطبولُك عاليةَ الرنين 
فقد هجعَ من يحفظُ عافيتي
كن غجرياً مهووسا بالغناء
تذوّقتُك داءً مريراً
ركبْتُك مركباً صعْباً
عَلوْتُك دابَّةً عرجاء مُنهَكة
اخترْ كلَّ الدروب الوعرة والسالكة 
اعتصر قلبي حتى اليباس
قَشِّرْ شغافَه ، أمْرغْه في وحْلِك
دعْهُ عارياً يهتزُّ برداً
ارجف يديَّ ، أرعشهما
رجَّ كياني بالحُمّى 
اعدمْ شهيّتي
اجعلْ زلالي كدَراً 
وزادي مجّاَ ، ممقوتاً 
انثرْ في فراشي قضيضاً
يُسلبُ هدْأتي
اصلبْ وسادتي حجَراً صوانا
احزمْ أطرافي بحبلك 
انخرْ ذاكرتي بالصوَر واللحظاتِ المُفْزعة
انتخبْ كلَّ ما يروقُك لتوقعني أسيراً
أُحاصَرُ في قفصِك الضيّق 
لن أتوسّلَ اليك خانعاً ، واطئ الرأس
مهما حززْتَ عظمي
وأرْخصْتَ دمي 
وأذبتَ عمْري 
لن انحنيَ باكياً
مهما نحلتَ جسمي
وخسفتَ صدري 
لن أذعنَ لك شاكيا
لن اكونَ حَمَلاً تسوقُه من مرعى الى مرعى
تقودُه الى مذبحٍ او مسلخ 
بعد ان يثقلَ لحمُهُ ويكتنزَ شحمُه
فما زال المحبّون يلهجون باسمي
يعلّقون رسمي في قلوبهم
لم تزلْ أنفاسي تخفق 
مهما جهدتَ في خنقِها
لم تزل أصابعي ممسكةً بدواتي
مهما أثنيتَها أو أرعبْتَها
لم تزلْ سهامي تصيبُ طريدتها
مهما نأتْ أو شردتْ هاربةً
مازال ظَهري صدَفيّا صلْبا
كظَهْر سلحفاةٍ مسنّة
ولساني ثـقـفْـتُـهُ بمبْردٍ حاذقٍ
نزعَ مني صدأَ الخوف
وأصْقلني من الشوائب 
أظهرَ بريقي لامعاً مشذّبا
أيها الداءُ العسيرُ المذاق
أبصرتُ ألاعيبك
كشفتُ مرآك المخيف
حالما تخرجُ مني في غفلةٍ ما
سأُحكمُ غلقَ أبوابي
وأصدمُها بوجهك
أغُمّك بكفَيَّ الراعشتين 
وإياك إياك ان تختلسَ النظرَ بين الثقوب
وتكشفَ أسراري الدفينة 
وتفضحَ عريِي
هلوَستي وشرودي
لاتتسلقِ الجدران بحثا عني
فأنا رابضٌ في عريني كأسدٍ جريح
مازالتْ في فمي قهقهاتٌ 
تتناثرُ كأضواء السماء
ففي صدري نفثاتٌ تريد البوحَ
وفي شفتيَّ قُبَلٌ لم تولدْ بعدُ
وفي بستاني ورودٌ لا أسماء لها 
زرعتُها من معين الشّعر
بهيّة الطلعة ، آسرة العطر
تنتظرُ أن أسقيَها بكلماتي
وفي قدمي حلُمُ خطواتٍ لابدّ ان أبدأَها
مازال حبلُ قاربي ممسكا يدي 
مهما ضعفتْ واعْتلَّتْ 
ومجدافي صلب العود 
تقودني الرياحُ ، فهي مؤنستي 
بهبوب نسائمها المبلّلة العليلة
تشرحُ صدري المخنوق 
والأمواجُ أرجوحتي التي تسعدُني
والأقمارُ تشاركني رفقتي
الليلُ يطربني بسكونهِ
والنهار يُبهرني بصباحهِ وضحاه 
الشعراءُ يقدّمون لي قصائدهم المنتقاة 
على طبَقٍ نُثِر بورق الورد
فأهللُ فرحاً ، أثِبُ كالمفزوع
حينما أقرأُ مقطعاً ساحراً
والأغاني تقفُ في طابورٍ
تُمنِّي نفسها أنْ أسمعَها 
أهزجُ طرَبا لِشدْوها
جداري الذي يحرسُني
اصطفّتْ فيه لوحاتٌ 
تتوسّلُ ان أتطلعَ اليها 
أرى ألوانَها تتسربُ داخل سريرتي
حتى أنت أيها الداءُ اللّدود
عَدوّي الذي اصطفاني صديقاً
وهبْتَني عنفوانا لم أعتدْ عليه
صفوتَ صحبي 
أبعدتَ عني من تزيّى بجِلْد الحرباء
ممن امتهنوا تبديلَ ألوانِهم وسحناتهم
رفاقَ الطاولات المكتنزة 
عاشقي بطونهم ؛ مثل هِررَة 
تلاحقُ أكياسَ النفايات ذات الروائحِ الزّفرة
الواقفين في اوّل الصفوف ممن امتهنوا الانحناء
يجلسون القرفصاءَ ترّقّباً لصفير السيّد الرأس
يتسابقون لنيلِ عظْمةٍ جرداء 
سقطتْ سهْواً من جِرابِهِ
وهو يتعثر بأقدامِهم الراكضة
علّمتَني أيها الداء أن أداوي جراحي بيدي 
أطبّبُ مانزفَ منها من فضلات ثيابي
أغمسُ خرقة الضمادِ في محلول طُهْري
لاأريدُ ذراعاً تمتدُّ إليَّ ؛ تأخذ بيدي
فأنا أقوم متشبثاً بوتَدِ خيمتي
أصمُّ أذُنيّ عن استغاثات الوجع
مهما علا صوتُها واشتدّ صراخُها
أوقدتَ ذاكرتي أيها الداء 
أنْـبتَّ في أحشائي جنيناً عاقّاً
يرفسُني في غمرةِ نومي
لازمْتني في حِلّي وترحالي
يوم غادرني نسْلي وأصدقائي
حين بعثتُ اليهم ليصلوني
بقيتَ انت وحدك ظِلّي اللصيق 
علّمتَني كيف أزهد بالطيبات
وأعفُّ عن الموائدِ التي تأنسُ بالذباب
لا أستسيغُ الدراهمَ المُعارة من اللصوص
آنفُ من شمِّ باقة الزهور المسروقة من المقابر
أيها الزائرُ الثقيلُ الظِّل 
ابقَ عالقاً في جسدي
هناك من هو أثقلُ من الجبال كَمَداً
أشــدُّ من النار هولاً
حين يتوسدُ الصدرَ ويُضيّــق الأنفاس
ما أرجفَ فزَعَك وانت تَنخرُ ذاكرتي
حنانيك أيها العمْرُ العاري من السقام
ما أزهى رداءَكَ لولا قِصَرهُ !!
ماأكرمَ ضيافتَك لي
لولا مكوثك الطويل
طوبى لمن جنَّ ليلُهُ متمرِّغاً بالعافية 
ولامسَ وطنَهُ وارتمى في أحضانهِ منعّماً
غير ان وطني هيكلٌ عظمي 
لا لحمَ فيه لأعتصره
ولاحضناً لاسعاً لأغورَ في دِفْئِه
تقطّعتْ ذراعاهُ ويعجز عن العناق
استؤصلتْ شفتاهُ ولا يحسنُ طبعَ القُبَل 
عَمِيَ بصرُهُ فلا يعرفُ سِماتي وملامحي
بُتِرَت ساقاهُ ولايقدرُ اللحاقَ بي
ليثنيني عن الوداع ويجرجرني إليه
شِباكُه أوهن من خيط العنكبوت 
ليوقعني في حبائلهِ
لايسعني سوى ان ألوّحَ له مودِّعاً
وأطيِّرَ قبلاتي إليه من بعيد
أغادرُ مكفَّناً بالنزوح 
ألوذُ متوسِّلاً بالسقامِ كي يأخذَ بيدي

شاهد أيضاً

المكان الذي يتراصّ به الغرقى

نصيف الناصري * 1 يقولون أن الهَدف مِن سَعْيكِ الى فَتح رِتاج الزَمن عنوة، هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *