الرئيسية / إضاءات / هاروكي موراكامي: أنا منبوذ في عالم الأدب الياباني

هاروكي موراكامي: أنا منبوذ في عالم الأدب الياباني


نهى حوا

أخذ الكتابة الروائي الياباني هاروكي موراكامي في رحلة يومية مضنية إلى حالة اللاوعي، وتعيده منها، وهو يصف كتابة النسخة الأولى من مؤلفاته بأنها شكل من أشكال التعذيب، حيث إنه يعمل على إعادة كتابتها مرة تلو الأخرى. ولهذا السبب يقول لصحيفة «غارديان» البريطانية، في حوار أجرته معه أخيراً، إنه لا يرى نفسه فناناً بل حرفي يعمل على بناء جمل جميلة وصادقة وأنيقة ومؤثرة.

وموراكامي، الذي يتوقع له كثيرون أن يفوز بجائزة نوبل للآداب، يفاجئ متابعيه على امتداد العالم، بقوله إنه يشعر بحالة من الانفصال عن الداخل الياباني، يقول: «أنا من المنبوذين في عالم الأدب الياباني. لدي قرائي، لكن عدداً كبيراً من النقاد لا أثير إعجابهم»، وهذا الوضع برأيه لم يتغير على الرغم من مرور 35 عاما على وجوده في عالم الكتابة، فهو «كفرخ البط القبيح، دائما فرخ البط القبيح، وليس البجعة»، على حد تعبيره.
بعدان
لروايات موراكامي بعدان: العالم اليومي الذي يبرز بجماليته، وعالم سوريالي أكثر غرابة، وتعمل الأحلام أحيانا، كبوابة بين العالمين.
كتابه الجديد بعنوان «تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات رحلته الروحية»، باع مليون نسخة، في غضون أسبوعين من صدوره في اليابان، وهو كالعادة يحوي ألغازا عابرة.
يقول موراكامي: «هناك أشياء غريبة تحدث في العالم، ولا نعرف سببا لها»، في إشارة إلى الشخصية الثانوية، عازف بيانو لموسيقى الجاز في روايته الجديدة، الذي يبدو قادراً على رؤية الهالات الضوئية التي يولدها الناس حولهم. وهو يعتقد أن الروايات تستفيد إجمالا من حالة الغموض، لكن بمنسوب معين..
ويقول في هذا الصدد: «إذا لم يجر كشف سر اللغز، فسيشعر القراء بالإحباط. وهذا ما لا أريده أن يحدث، لكن إذا بقي نوع محدد من الأسرار لغزا، فإن ذلك يشكل فضولا منطقيا سليما. واعتقد أن القراء بحاجة إلى ذلك».
مقطوعة مثالية
وتسرد الرواية الجديدة حياة رجل يدعى تسوكورو تازاكي، منذ أن كان في المدرسة الثانوية وحتى بلوغه الـ 36 عاما. والرواية تبدأ في عامه الـ 36، حيث لا يزال تسوكورو حزينا على افتراقه عن أصدقائه الأربعة، وكان قبل دخوله الجامعة يمضي أوقاته معهم ولا يفترق عنهم، إلى أن قالوا له في أحد الأيام، من دون تقديم إيضاحات، انهم لا يريدون رؤيته بعد الآن.
يقول موراكامي: «في المقام الأول كانت نيتي كتابة قصة قصيرة، أردت فقط وصف هذا الشخص البالغ من العمر 36 عاما، الوحيد جدا، أردت أن أصف حياته. وكان من المفترض أن لا يجري كشف سره، وأن تبقى حالة الغموض». لكن كما في رواياته الأخرى، فإن شخصية نسائية تقوم بدفع القصة قدما، يقول:
« جاءت صديقة بطل الرواية تسوكورو تازاكي، وتدعى سارة، بعد كتابتي هذا الجزء من القصة القصيرة، وقالت لتسوكورو»: «ينبغي عليك أن تجد ماذا حصل بعد ذلك». فذهب إلى مدينة ناغويا لرؤية أصدقائه القدامى. لكن شخصية الروائي تدخلت أيضا هنا، ويقول: «عندما كنت اؤلف الكتاب ظهرت شخصيتي الخاصة أيضا، وقالت لي ما يفترض القيام به- والقصة وتجربتي سارا في الزمن بشكل متواز، فتحولت القصة القصيرة إلى رواية».
ويوضح أيضا، أن رواياته من فئتين كسمفونيات بيتهوفن بأرقامها الفردية والمزدوجة، حيث السيمفونيات: الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة، هي نوع من السيمفونيات الطويلة، فيما: الثانية والرابعة والسادسة والثمانية، هي نوع من الأعمال الحميمية. ويعتقد أن رواياته تفعل الشيء نفسه. لديه الروايات العاطفية الساحرة – الواقعية (مطاردة خروف بري، وقائع طائر الشؤم، وآي كيو 84)، والأعمال ذات الحجم الأصغر..
حيث تبقى التلميحات عن الأمور الغرائبية في المعظم، تحت السطح الدنيوي الحزين («جنوب الحدود، غرب الشمس»، «الحبيبة سبوتنيك»). لكن كتابه الجديد بألغازه غير المكشوف عنها، والحكاية داخل الحكاية وربما الأحلام، يأخذ من هذين الشكلين، وهو يعتقد أنه من فئة جديدة تختلف عن ما درج على كتابته.
ويعتبر موراكامي المقطوعات الموسيقية، عنصرا أساسيا في مؤلفاته، ورأى في مؤلفات ملحن وعازف الجاز ثيولونيس مونك، لا سيما مقطوعته الموسيقية «حول منتصف الليل»، وما تبرزه من تناغم غريب، مقطوعة مثالية لعازف البيانو المسكون في روايته الجديدة، فالمقطوعة برأيه مليئة بالألغاز، يقول: «يعزف مونك أصواتاً غريبة جداً عبر الحبال الموسيقية. لكن بالنسبة له الحبال الموسيقية منطقية؟».
وفي الرواية أيضا، يستمع بطل الرواية وأصدقاؤه السابقون إلى مقطوعة كلاسيكية للمؤلف الموسيقي فرانتز، ليست «سنوات الرحلة الروحية» التي هي أيضا عنوان روايته. يقول: «عندما كنت اكتب «تسوكورو تازاكي» كنت استمع إلى ليست، سنوات رحلته الروحية، وتلك الأغنية بقيت في ذهني بطريقة ما وتسوكورو يشعر أثناء الاستماع إليها كما لو انه «قد ابتلع كتلاً من السحاب».
وهو يجد الكثير من التشابه بينه وبين بطل الرواية تسوكورو، الذي يرى نفسه إنسانا عاديا غير مثير للاهتمام، وبأنه «وعاء فارغ» لكن موراكامي في القصة لا يستطيع أن لا يعطي بطله حساً جمالياً. فتسوكورو يرى مقعداً في إحدى المكاتب:
«المقعد بتصميم إسكندنافي متواضع من الكروم والجلد الأبيض. جميل نظيف وصامت لا يوحي بالدفء كمطر خفيف يهطل تحت أشعة الشمس في منتصف الليل». هكذا يتحول تسوكورو إلى شخص أكثر إثارة للاهتمام من ما يعتقد فعلا.
يقول موراكامي «لا اعتقد أنني فنان، وبأبعد تقدير أعتقد أنني أقوم بهندسة شيء ما». ويضيف: «أرغب في الكتابة واختيار الكلمات المناسبة، وكتابة الجملة الصحيحة، فالأمر يشبه الاعتناء بالحدائق بأن تضع البذور في التربة في الوقت والمكان المناسبين». لكن هذا النوع من الهندسة عمل مرهق للغاية، وهو يراه رحلة يومية إلى ظلمة العقل.
رحلة روائية روحية سعياً إلى الحقيقة والسعادة
«تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات رحلته الروحية»، هو عنوان أحدث روايات الأديب الياباني البارز هاروكي موراكامي، وتعد من بين أسهل كتبه على القراءة والفهم.
تتركز أحداث الرواية حول بطلها تسوكورو، وبحثه عن السبب الذي دفع بأعز أصدقائه (ولدين وبنتين)، لقطع علاقتهم به فجأة، من دون تقديم أية إيضاحات.
وأشعره نبذهم له بفراغ نفسي وبأنه «من دون لون وهوية». ففي الرواية، والتي تتبدى كرحلة بحث روحية، عن السعادة والحقيقة، تنطوي أسماء الشخصيات على أسماء ألوان باستثناء تسوكورو، ومن هنا جاء عنوان الرواية «تسوكورو تازاكي عديم اللون».
وحيد وحزين
ويمثل تسوكورو البالغ من العمر 36 عاما شخصية إنسان وحيد وحزين، وهو يشعر بعد فقدانه للمرة الثانية زميله الوحيد في الجامعة، هايدا، الذي يخبره قصة غريبة عن لقاء جمع والده بعازف بيانو غريب الأطوار، أن مصيره أن يبقى وحيدا.
والمهندس تسوكورو يلتقي بامرأة 🙁 سارة) ترفض الارتباط به إلا بعد مواجهة أصدقائه الأربعة.. ما يدفعه في رحلة بحث عن الحقيقة تأخذنا إلى مدينة ناغويا وريف فنلندا. يعود بعدها لرؤية حبيبته سارة التي يمنحها 3 أيام للرد على طلبه الارتباط بها، ولكن موراكامي ينهي الرواية قبل مرور المهلة.
غموض
وكعادته، يدخل موراكامي عنصر الموسيقى في الرواية، واختار هذه المرة، موسيقى كلاسيكية هي «سنوات رحلة روحية»، ضمن مجموعة فرانتز ليست، بالإضافة إلى موسيقى الجاز الغريبة للملحن والعازف «ثيولونيس مونك»، لا سيما مقطوعته «حول منتصف الليل».
أحداث الرواية تنطوي على بعض الغموض والتشويق، فموراكامي تعمد ترك مصير بعض الأحداث والشخصيات غامضا. أما العزلة والوحدة، فهي الموضوع الأهم في روايته، يقول: «إنه كان يجلس وحيداً في منزل كبير قديم شاغر، يستمع إلى إحدى الساعات الكبيرة القديمة وهي تدق بشكل أجوف بينما يمر الوقت.
وكان فمه مغلقاً وعيناه مثبتتين على الساعة، يشاهد عقاربها تتقدم. وكانت مشاعره مغلفة بطبقة فوق طبقة من الغشاء الرقيق، وقلبه يشعر بالفراغ فيما كان يتقدم في العمر، ساعة بعد أخرى».
يتحدث موراكامي كثيرا عن البعدين في مؤلفاته: العالم العادي بجمالياته والعالم السوريالي الأكثر غرابة. وبين النقاد هناك من يعجب أكثر برواياته الغرائبية..
حيث هناك هروب من الواقع واستغراق في الخيال..ويرى روايته الجديدة الأكثر «عادية» بين كتبه. يقول موراكامي، إنه بعد انتهائه من كتابتها، كتب ست قصص قصيرة في غضون ثلاثة أشهر، نشرت تحت عنوان «رجال من دون نساء»، وهذا ما لم يتمكن من فعله بعد كتابته رواية «آي كيو 84» الأكثر غرابة وتعقيداً، ويعتقد أنه ربما يبدأ برواية أخرى في السنة المقبلة، رواية طويلة كسيمفونيات بيتهوفن، ذات الرقم المنفرد.

البيان

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *