الرئيسية / مقالات / (يُلقي عصاه)

(يُلقي عصاه)



*زاهي وهبي

(إلى طلال حيدر لمناسبة تكريمه)

الكتابة عنه مربكة وشائكة، شاعرٌ متعدد الوجوه والأبعاد، نستطيع القول أنه شاعرٌ كثير الأبواب، يمكننا دخول عالمه من عتبات كثيرة: بعلبك بسحرها وموروثها وذاكرة أهلها وناسها، السهل الممتنع على غزاة وطغاة في البقاع اللبناني المسلس عشقه لشاعر مجنون، بوادي الشام وحمص وحماة برحابتها وإرث بداوتها المزركش بحكايات الحُبّ والوفاء والكرم وحُسْن الضيافة، سهل حوارن الباسط كفيه نحو الأردن وفلسطين، وعوالم أخرى في سيرة حياة ملآى بالصفصاف والثلوج والمواقد الشتوية وحكايا الجدات والدبكات البقاعية والميجانا والعتابا وأوف يا بو الزلف «وصرّخ عليهم يا ديب ما عاد بدهم يسمعوا».
قلتُ له ذات حوار أنني أخشى عليه من الاعتقال والمحاكمة، فهذا الشاعر سارقٌ محترف ونشّال ماهر خفيف اليد والعبارة، ببراعة يسرق نوم العيون، ويشغل البال بمفرداته وتراكيبه وصوره الأخّاذة المدهشة. إنه يبدو كمن يستدرج سامعه أو قارئه إلى منزلقات مهلكة من شدة فتنتها وغواياتها التي لا تقاوم. غريبٌ كيف لم يرفع أحدٌ من معشر العشاق والحالمين دعوى جزائية ضده، وهو المتسبب بحالات أرقٍ وسهاد، أو بأعراض وجد وعشق لمطارح وأمكنة يرسمها بريشة مبدعٍ ملوانته الحكي والكلمات. أم أنهم، وأنهنّ على الأخص، يشكونه إلى الله في سرهم وسرائرهم لأنه حرمهم النوم على وسادة دمع وأحلام حارقة محرقة.
أنيقٌ بربطة عنق. لكن مهلاً، المظاهر خدّاعة والوهلة الأولى غير كافية لسبر أغوار شاعر مثله. تلك القيافة التي لا يقوى عليها إلا «دون جوان» أفّاك، تخفي خلف أكمتها الخضراء صعلوكاً مجنوناً وحالماً كبيراً، ومراوغاً ماكراً ينصبُ فخاخه بلغةٍ آسرةٍ وحياكةٍ متينة وتراكيب تتغاوى وتتعرى على مهل. وصورٍ شعرية لا تسلّم نفسها ولا تسلس قيادها إلا لمن يجيد مراودتها من دون أن يشقّ قميصها أو قميصه، ولولا خشيتي من غلوّ أو مبالغة لوصفته بيوسف الشعر المحكي في لبنان والوطن العربي.
شاعر ساحر إن ألقى عصاه صارت قصيدة تسعى تحت الجلد وفي نسغ العظام، لا يقوى عليه سحرة الفرعون ولا كهنة الكلام. هو الغارف من ذاكرة بلاد أعطت من خيرها الكثير قمحاً وغلالاً مباركة، وشعراً وأدباً وفنوناً جميلة، بدءاً من سهل البقاع اللبناني المصون بدماء الشهداء وعرق المزارعين، امتداداً إلى باديتي حمص والشام وسهل حوران، وصولاً إلى كل سهلٍ ممتنعٍ يصير بين يديه عجينة ليّنة لرغيفٍ ساخن شهيّ.
على باب بيته يكتب: لا تقرعْ لن أفتح لَكَ الباب. وينسى المارق الجميل كم شرَّع من نوافذ وأبواب على السحر والخيال، وما أكثر الذين دخلوا ولن يخرجوا أبداً.
______
*الحياة

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *