الرئيسية / إضاءات / كيف مات روسو منتحراً .. أم مقتولاً .. أم بالسكتة الدماغية؟

كيف مات روسو منتحراً .. أم مقتولاً .. أم بالسكتة الدماغية؟


بول شاوول

في عام 1778 توفي الفيلسوف الفرنسي الكبير جان جاك روسو صاحب «الاعترافات» و»العقد الاجتماعي» ونظريات تربوية شكلت ثورة في حينها…

روسو منافس فولتير، وبينهما قامت خصومة واشتباكات فكرية، و»إيديولوجية»، وتربوية، أدركت مستويات السخرية عند فولتير من روسو. الأسطورة الحية روسو، اكتسب هذه الهالة بعد نفيه، وعودته إلى باريس، بعدما أدانته السلطات «الظلامية» على افكاره الهدامة. وكما أثار هذا الأسطورة الحروب السجالية في حياته… فإن مثل هذه الحروب اندلعت بعد مماته. عند وفاته بالسكتة الدماغية، لم يصدق الناس وبعض الأطباء، والكتاب، هذه الرواية، لا! روسو! لم يمت ميتة طبيعية، كما أشيع، بل هناك لغز ما، مؤامرة، أو عملية انتحار، أو قتل… واختلف المتساجلون في القرن الثامن عشر… واستمر الاختلاف في القرن التاسع عشر… حتى القرن العشرين. كيف رحل روسو؟ من اغتاله: وصلت الأمور إلى اتهام كاترين الثانية وفولتير بتدبير قتله. لكن فريقاً آخر رأى أنه أنهى حياته بنفسه، بطلقة من مسدس. يعني ذلك إما أن هناك أسباباً نفسية وجودية، أم أن هناك أسباباً اجتماعية، أو شخصية (كرد فعل على خيانة تيريز له مع سائس).
هذه الافتراضات والنظريات وصلت إلى أن رئيس أساقفة باريس أعلن خلو قبر روسو من عظامه، وأن ما كان موجوداً في التابوت لم تكن سوى عظام خرفان… بل إن عظامه قد رميت في أحد الحقول النائية، بعدما أخذت من «البانتيون».
أين عظام روسو؟ هل هي في الوديان، أم في بانتيون العظماء مع فولتير، أم هي سرقت، أم ما زالت في مكانها؟ كل هذه الافتراضات وما تداخل فيها، وتشابك، وتأكد وانتفى، أتراها مجرد ضبابيات، ونظريات طالعة لأهداف سياسية أو انتقامية؟ إنه اللغز… غير المفهوم، والسر الذي بقي سراً، ومع كل هذه المراحل التي مرّت بها هذه القضية، فإننا لا يمكن أن نرى فيها سوى مسلسل بوليسي طويل… عمره أكثر من قرنين!
الشعرة
الشعرة العالقة في ثنية مخطوط لجان جاك روسو والتي عرضت للبيع قبل أيام عدة عند «كريستين» هل سترجع الجدل الذي ولد بعد موت الفيلسوف بأيام عدة؟ هل مؤلف «العقد الاجتماعي» مات فعلاً بالسكتة الدماغية كما افترض الأطباء موته، وعارض ذلك من قاموا بتشريح الجثة؟ ثمة إشاعات سرت بأن روسو انتحر، وكذلك بأنه قتل، عبر تلك الافتراضات، حتى القرن العشرين: إنها قصة بوليسية فعلية. هذه الشعرة المشهورة استحضرت في عام 2001 من قبل شخص يدعى جان مارسيل ديزيس، الذي كان يملكها، في مقابلة أعطيت خلال ندوة عقدت حول «باتولوجيات روسو» فإذا حللت هذه الشعرة وقورنت بهيكل روسو العظمي في تابوته الذي نقل إلى البانتيون عام 1794، فيمكن أن يسمح ذلك على الأقل بإغلاق جدل ظهر في القرن التاسع عشر! أتراها رفات الكاتب تلك الموجودة في القبر الذي قدمه الوطن وفاء له؟
فلنعد إلى القضية منذ البداية: في 2 تموز 1778 مات روسو في أرمنونفيل، عند المركيز جيراردان الذي كان يستضيفه منذ شهرين. وكانت زوجته تريز وحيدة معه عند لفظ أنفاسه في غرفته بعد عودته من نزهة، ثم سارع المركيز، دعا الطبيب وكذلك النحات هودون لتنفيذ «القناع الجنازي، ويطالب بتشريح كما تمنى روسو في وصيته» كما يقول ألان غروشريشارد ناشر «شرود متنزه وحيد» ويستحضر كذلك قضية أخرى شغلت الإعلام: «استفاد المركيز بالاستيلاء على أوراق الميت، خصوصاً مخطوط «الاعترافات» في الثالث من تموز. م.دو كورانز الذي اقترح على روسو استضافته، عبر عن عتب كبير لأن صديقه الكبير أقام عند جيرادان، ويهرع إلى أرمنونفيل لدى تلقيه خبر موت صديقه، وسمع مدير البريد يقول إنه انتحر «برصاصة مسدس». وخلال شهر، ينشر أحد الأطباء لوبيغ بريسل الذي كان حاضراً التشريح، قصة أيام روسو الأخيرة، والذي ألمح إلى «الإشاعات» التي تشكك بتقرير التشريح.. ولم تكن الإشاعات عبثية. فهي تغذت من «واقع» أن روسو قام بمديح الانتحار، بسبب رسالتين «La Nouvelle Helaise». والعلاقة بين تيريز مع سائس عربة جيراردان غذّت تلك الافتراضية: أن روسو انتحر حزناً (أو أن تيريز تخلصت منه لترتمي في أحضان ذلك السائس).
افتراضات أخرى برزت: رأت جريدة ألمانية أن أحد أبنائه الذي أهمله وتركه وجده وأن الندامة قد تكون قتلته. أما الماركيز دو جيراردان الذي لم يتحمل فكرة أن روسو كان شقياً عنده، رد بحملة شرسة عبر نشره نصين «قداسيين» قوّل روسو المحتضر كلمات تجعل منه نوعاً من القديس. جملة صارت مشهورة: «ما من غيمة في السماء، لا ترى فيك الباب الذي انفتح لي وأن الله ينتظرني». لكن بعد انقضاء عشرين عاماً تعترف «بأن روسو مات وهو يشد على يديها من دون التلفظ بأي كلمة».
لكن في 1788 لم يكن السجال قد انتهى. فمدام دو ستايل تدعم نظرية انتحار روسو في كتابها عنه.. عشرون عاماً بعد ذلك، الذي يكنّ كرهاً للماركيز دو جيراردان، يحاول من جديد إثبات كيف ولماذا وضع روسو حداً لحياته.
والغريب أن السجال استمر مع تغير النظام في القرن التاسع عشر، ويُعتقَد في انتقاله إلى سجال آخر.
عام 1864 أكد رئيس أساقفة باريس من أن قبر روسو في البانتيون كان فارغاً. وفكتور هيغو في كتابه عن شكسبير الذي صدر في السنة ذاتها لمّح إلى رمي عظام روسو في حقل بيرسي، الذي ارتكبه ماركيز بيوموران، عند عودته من البوربون عام 1814. وروي أيضاً أن نعش روسو كان مليئاً بعظام الخرفان! في 1897، وأثناء عمليات بحث في أرمنونفيل عين وزير الإعلام لجنة مهمتها تأكيد أن رفاتي روسو وفولتير ترتاحان في البانتيون. في 20 كانون الأول تتابع «الفيغارو» العملية: الهيكل العظمي سليم، والجمجمة لا يظهر عليها أي أثر للرصاص. لكن وبما أنه لم تعتمد أي وسيلة علمية للتعرف على الهوية، فإن هذه الاستنتاجات بقيت غير مقنعة.
وفي 1912، عام مرور المئوية الأولى لولادة روسو، استعاد الجدل حيويته، من خلال طببين. الطبيب راسباي استنتج من خلال فحصه للقناع الجنازي، أن ثلاثة جروح مشتبه بها، تدعو إلى الظن والشك. بينما يظن البروفسور لاسانسي، أمام أكاديمية العلوم والآداب في ليون أن كل الافتراضات ضبابية.
لكن كيف يُفسر أن الإشاعات الأولى اتخذت هذه الأبعاد الواسعة؟ من الصعب عدم تخيل الحيوية التي أبداها روسو في أيامه الأخيرة على الرغم من عداء بعض الأوساط له. فبعد عودته من المنفى، بعد إدانته عام 1762، كان روسو مراقباً، ولم يكن مسموحاً له أن ينشر. كان هناك تدافع أمام بابه لدعم هذا السقراط الجديد الذي تضطهده القوى الظلامية. هذه الهالة تفسر أن الذي عاش ملء حياته وبدرامية يموت بمجرد سكتة دماغية. ومن ناحية أخرى يفسر برنار كوتريه مؤلف سيرة ذاتية لروسو أن «ضغط الرأي العام في القرن الثامن عشر الذي يصل إلى المحاكم، ويفرض نوعاً من الشفافية، صار اقوى، وكان من الطبيعي أن نجد ظواهر من الإشاعات غير العقلانية، كتلك التي بتنا نعرفها في أيامنا مع الإنترنت».
لكن هل أغلقت القضية؟ ليس مؤكداً، فنيكولا كوبانيف، مدير مكتبة فولتير في سانت بطرسبورغ، يؤكد امتلاكه لوثائق تبرهن أن فولتير وكاترين الثانية خططا مؤامرة لقتل روسو.لكن كوبانيف توفي عام 2013.

المستقبل

شاهد أيضاً

أعظم سبعة أدباء في تاريخ أميركا

رايفين فرجاني هذه مقالة عن أعظم الأدباء في تاريخ الأدب الأمريكي لذا ليس من الضروري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *