الرئيسية / فنون / وداعا يا بيتي الحبيب(1999)

وداعا يا بيتي الحبيب(1999)




* مهند النابلسي

خاص- ( ثقافات )

عبثية تبادل الأدوار وسكينة تقبل المصائر!
أعجبني هذا الفيلم الفرنسي الكوميدي القديم ، الساخر والجاد في آن واحد، وهو يتحدث عن شاب غني يقرر أن يغامر لمعرفة خفايا حياة التشرد والفقر والجريمة في الحي الباريسي المجاور (بلانشيه ديفاشيه)، فالبطل هنا نيكولاس (ويقوم بالدور الممثل نيكوتاريلا شفيلي)، الذي يعتبر الابن الأكبر لعائلة ثرية مفككة، تديرها والدته الثرية ليلي لافينا، وهي صاحبة أعمال ناجحة ولديها جدول انشغال دائم، وتستخدم مروحة خاصة لتنقلاتها ولعقد الصفقات، أما والده فهو عجوز متقاعد مهمش، حيث يلعب الدور المخرج الجورجي الأصل اوتار يوسيلياني (الذي هاجر لفرنسا بسبعينات القزن الفائت، وهو نفسه كاتب السيناريو)، ويبدو في الشريط كمدمن على النبيذ، يعيش منعزلا بغرفة باذخة معزولة داخل القصر، ويهوي اللعب بنماذج القطارات الحديثة، التي تدور دوما بلا هدف فوق طاولة واسعة مخصصة لها، كما أنه يملك كلبا لطيفا، ويبدو وديا خفيف الظل ومسالم مطيع وراض بحياته، ويمارس بشغف رياضة القنص “الوهمية” على أطراف الحديقة المجاورة للقصر بالتعاون مع خادم ظريف غريب الشكل والأطوار …ويبدو ضعيف الشخصية أمام هيمنة زوجته المتنفذة، التي تحشره أحيانا بغرفته لكي لا يلتقي بأصدقائها الكثر ، وكأنها تخجل منه!.
يظهر ابنه نيكولاس وكأنه يملك مشاعر متضاربة حول نمط حياة أسرته الباذخ وطبيعتها المفككة، ويظهر كمتمرد ورافض لذلك، لذا فهو يصادق متسولا مشردا، كما أنه يعمل بكد في مقهى، ويغسل الأطباق وينظف النوافذ بمطعم مجاور، محاولا أن يجذب انتباه ابنة صاحب المقهى، التي تفضل عليه شابا آخر مزيف يدعي الغنى والثراء،ويلبس ملابس باذخة يلتقطها خلسة من حاويات الشوارع، ويقود دراجة نارية ثمينة مستعارة، يتنقل بها في أنحاء باريس، والشابان لا يعرفان بعضهما وإن كان يلتقيان أحيانا بالصدفة!
وينجح الشاب الثري في ليلة ما بإيواء جماعة من المشردين المدمنين على الكحول، ويدخلهم خلسة لقبو النبيذ الفاخر الخاص بعائلته، وينضم والده الفوضوي المدمن بدوره للجماعة، كما يتصادق مع عجوز مشرد يهوي الغناء والشرب…لكن تبعات صداقة “نيك” مع الطبقة السفلى ذات الأسبقيات تقوده بطبيعة الحال للشبهة والسجن، وخاصة عندما يتورط معهم بسرقة بقالة بالجوار، ويخرج من السجن يائسا وساخطا، وشاعرا ربما أنه لا ينسجم حقيقة مع هؤلاء ونمط حياتهم المشرد البائس الاجرامي، مقدرا أخيرا حقيقة كونه ينتمي لأسرة موسرة راقية…
ثم تهب بمشاهد الفيلم الأخيرة رياح الحرية والانطلاق: فالأب العجوز المهمش المدمن يهرب أخيرا من عزلته ويلتحق بصديقه المدمن العجوز بقارب ينطلق بنهر السين الباريسي، والابن يعود تائبا للقصر بعد أن مر بتجربة مريرة، كذلك تتحرر خادمة الأسرة من التجبر وبؤس الخدمة بالقصر، وتنطلق لتعيش بحرية لتمارس هواية تسلق الجبال مع صديقتها، وكذلك نرى الشاب الأسود الذي كان يعمل “حمالا” وقد تحرر أخيرا من بؤس عمله اليومي المضني، كما تدعو الأم الثرية المهيمنة صديقها وعشيقها رجل الأعمال الثري ليعيش معها علنا بالقصر، وحتى طائر اللقلق الكبير الطريف الذي تتباهى الأم باقتناءه وتعرضه طليقا بحفلاتها الباذخة، نراه مستكينا يعود للعيش بقفص كبير، أما الابن “بطل القصة” فيبدو على غيرما توقعنا، وكأنه يستنسخ مكررا دور والده المدمن، وقد اقتنع أخيرا بحياته ومصيره كشاب ثري لا يحتاج ربما للعمل والكد، كما نرى الخادم الطويل “غريب الأطوار” يعود فيكرر باخلاص دوره بتفاني وشغف مع الابن، ويبدو وكأنه الشخص الوحيد الذي لم يتغير!.
ثيمتان متوازيتان ومتناقضتان!
صمم المخرج فيلمه اللافت هذ بطريقة “هندسية”، فلجأ لثيمتين متوازيتين ومتناقضتين، وقد شكل حولهما محور الأحداث ببراعة وتمكن، وتقع الأولى في بداية الشريط، وتتحدث عن تبادل الأدوار، حيث تبدو معظم الشخصيات الرئيسة وكأنها غير راضية عن نمط حياتها وتحاول الهروب من مصيرها، ثم تعود بشكل متواز بنهاية الشريط لتعيش حياتها المقدرة لها بحرية ورغبة وشغف، وربما يخلص كاتب السيناريو (وهو هنا نفس المخرج) لمغزى فلسفي سرمدي مفاده “أنه لا جدوى حقيقة من افتعال الأحداث وتبادل الأدوار وتزييف الحقائق”! فالأهم هو أن يعيش الانسان حياته المقدرة له، وأن يتقبل مصيره المتاح له، وأن ينسجم مع توجهاته ونمط انتمائه “”الطبقي والثقافي”، وربما لن يلقى مثل هذا الطرح الجرىء اعجاب المفكرين الماركسيين، لأنه يتناقض مع طروحاتهم بتغيير المجتمعات تبعا للرؤيا “الطبقية” الصارمة، وربما اشتق المخرج أفكاره هذه لكونه “جورجي الأصل” وعاش فترة من حياته بكنف “الاتحاد السوفيتي” البائد، وأنا هنا لست بصدد مناقشة جدية طرحه، لكنه نجح بالتأكيد بعرضه الشيق الممتع لقصص حية واقعية تدور أحداثها بحي باريسي يعج بالحياة والتناقضات والمفارقات، وأدخلنا باجواء طريفة وكو ميدية ساخرة عديدة، ومنه المشهد السريالي الجميل الذي استهل به فيلمه والذي تضمن المرأة الثرية وهي ترقص بغرابة وانسجام مع طائر اللقلق الكبير المطيع، وبالرغم من انقضاء عقد ونصف على تقديم هذا الفيلم الجميل، الا انه يبدو بطروحاته وأحداثه عصريا بكل معنى الكلمة!
_____
*ناقد فني من الأردن

شاهد أيضاً

بوب ديلان..قصيدة إلى جواني

* خلدون الشمعة إذا صح ما يقوله الناقد الإنكليزي جون رسكن من أن “الشعر الغنائي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *