الرئيسية / فنون / سماع الصوت الخفي !

سماع الصوت الخفي !


*نصير شما

لماذا تعيش أعمال موسيقية وغنائية وتتلاشى أعمال أخرى؟ هل يتمكن الفنان وحده من الحكم على عمله بالبقاء، أم أن هناك عناصر أخرى تتحكم بذلك الخلود؟ هل البساطة مع الموهبة والعلم خلطة كافية، أم قوة الموهبة وحدها تستطيع أن تفرض جديدها؟ هل العقلانية عندما تتدخل في تدفق عطاء الموهبة، إضافة أم إفساد لطبيعة الابتكار؟

عملي بالموسيقى لا يقتصر على إتقان العزف وانتزاع الاعجاب، بل أحاول عبر سنين طويلة البحث في الفراغ حولنا، والإصغاء لصوت لم نعرفه إلا إذا بحثنا عنه طويلاً، ومعرفة سرّه وتفسيره وترجمته ومن ثم تقديمه للناس، لذا التأمل ضرورة للعمل الفني بشكل عام، وربما للموسيقي الخلّاق بشكل خاص. 
كون الصوت غير مرئي فهو محفز للمخيلة بشكل كبير، التي بدورها تأخذ المتلقي لتشعباتها ولعالم غير مسبوق، أذن الموسيقى فعل يضيء العقل والمخيلة والروح. وليست حالة سماع فقط، والسمع جسر لتأسيس الفعل. 
الموسيقي يحتاج الصبر الطويل وتطوير القدرة على تعلّم الإصغاء، لدرجة سماع الصوت الخفي الذي لا يسمعه العامة، ومن هنا تُطلق فكرة موسيقي ملهم أو مبدع، ورافقت هذهِ الصفة بعض المبدعين في مجال الموسيقى تحديداً على مّر تاريخها.
الموسيقى وسيلة لخطوط اتصال عميقة ومهمة ومغرية للتورط أكثر فأكثر بين من يصغي ومن يبدع ويعزف. إن إنجاز العمل الموسيقي الجديد والمتميز يشبه مولودا، والسعي نحو الجديد يحتاج أسسا كثيرة قبل أن يصبح محسوساً أو مسموعاً، منها امتلاك التفكير بمناطق لم يصل اليها آخرون، أدوات العمل الفنية والتقنية مختلفة، أسلوب التقديم والأداء المختلف كما في قداس موتسارت requiem» « الذي لا يشبه أي عمل قبله، استخدم فيه الكورال بطريقة غير مسبوقة، واشتغل على بناء هارموني بعيد عن الصيغ اللحنية التي كانت سائدة في الموسيقى الكنسية، ولأول مرة شعر المتلقي بروعة الخالق وجماله وسمّو الروح عندما تخرج من الجسد، من دون رتابة كانت سمة تلك الأعمال في العادة. ما فعله الموسيقار رياض السنباطي في قصيدة الأطلال، في بنائها اللحني والتصاعدي منذُ التون الأول (النغمة) وانطلاق المقدمة التمهيدية كان بمثابة شرح القصيدة بالموسيقى فقط، قبل أن ينطلق الغناء ليّفسر المعنى، والاعتماد على مقام السيكاه وتفرعاته لتوحيد روح العمل مع الانتقال للمقامات الأخرى، والحفاظ على لجام إيقاع القصيدة ونجاحها المدوي في النتيجة النهائية، وتدفق الشعر من خلال بحر من النوتات المتنوعة، من دون أقتباس أو تأثير من مجايليه أو ممن سبقه في قصيدة طويلة جداً، من دون أن يتسرب الملل لأي جزء فيها ولأي مستمع. كذلك قدم ناظم الغزالي مشروعه في المقام العراقي، الذي كان متصلاً بمن سبقه ومنفصلاً عنهم بعناصر عديدة، 
منها شكل الفرقة الموسيقية وتوسيعها لآلات مختلفة عما يستخدمه قراء المقام آنذاك، الاعتماد على صورة جميلة، ونوعية أجهزة صوت جيدة، والأهم قدّم النتيجة النهائية لغناء المقام باختصارات كانت برأيه دخيلة على شكل الغناء العباسي الذي يسمى المقام العراقي، اختياره لنصوص وقصائد جديدة لم تغن من قبل ومن أجمل نفائس شعر الغزل العربي، وعدم الاعتماد على البستات القديمة (الأغنية التي تلي المقام) بل استعان بملحنين وشعراء وموسيقيين كبار من أصدقائه، لصناعة نصوص أغانٍ وألحان جذابة ومعاصرة، أمثال جميل سليم وجميل بشير وسالم حسين وغيرهم من الكبار، ليخرج عملاً متقناً وجديداً وحيّاً، وأعاد المقام لأسماع الجميع، عراقياً وعربياً، بعد أن هجره الكثيرون من قبله. 
في حالات كثيرة تكون الموسيقى على المسرح المؤثر الرئيسي، ولكن ليس الوحيد، مثلاً الطاقة الجماعية للحضور صوب الفنان أو الفرقة الموسيقية وتأثيرها الإيجابي على مضاعفة النجاح والتألق، نوعية الصوت الطبيعي الذي تمنحه المسارح العظيمة خصوصاً القديم منها، أي أن المكان له تأثير كبير جداً على الفنان والجمهور، شكل الآلات الموسيقية وتنظيمها، الإضاءة، رؤية وجوه جميلة بملابس أنيقة، تجتمع على حب شيء واحد، تلك عناصر مؤثرة وكثيرة لاستقبال العمل الموسيقي، بينما لدى الاستماع عبر اسطوانة وجهاز تسجيل يكون القصد الموسيقى فقط وهنا يظهر تأثيرها الحقيقي والمجرد وقيمتها بمعزل عن أي تأثير، وكل حالة لها سحرها. 
الموسيقى تشبه زمانها، عندما كان كل شي يدوي ويحتاج لمهارات شخصية، وحرفة وإبداع، ووقت وصبر على نضوج العمل، والتأكد من دقته وقيمته في البناء والملابس والأثاث والطبخ، وغيرها من تفاصيل الحياة. كانت الموسيقى كذلك بناء حقيقيا وإتقانا فكريا وإبداعيا ويدويا حتى بالتدوين. وكان العمل يأخذ ما يستحق من وقت، وخلاله يتأكد المؤلف من أهمية عمله أو إتلافه عندما لا يستوفي شروط الإبداع.
في زماننا لم يعد الوقت يكفي لتتأكد من قيمة عملك، تطلقه وإذا أصاب تفخر به وإذا أخفق سرعان ما نجد العذر، وأحيانا نحمّله لأسباب واهية، وبهذا فهي تشبه كل جاهز ومصنوع من مواد معدلة، مثل الأثاث وبقية الأشياء المسطحة ومن دون مهارة. 
وعلى صعيد شخصي، أحاول أن أقدم في اسطواناتي أعمالاً موسيقية نضجت بمرور الوقت، وأخذت حظها من النجاح وتذوقها الجمهور في المسارح وأجمع عليها عدد كبير من المتذوقين، قبل أن أسجلها وتطبع وتصل إلى كل الناس، وأعتقد أن الوقت الذي يمنح للعمل الإبداعي في تكوينه أو خلقه وتنفيذه كلما كان متأنياً وعميقاً امتلك بقاء أكثر.
عن القدس العربي

شاهد أيضاً

بوب ديلان..قصيدة إلى جواني

* خلدون الشمعة إذا صح ما يقوله الناقد الإنكليزي جون رسكن من أن “الشعر الغنائي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *