الرئيسية / مقالات / جبهة ثقافية وطنية لإنقاذ رابطة الكتاب الأردنيين

جبهة ثقافية وطنية لإنقاذ رابطة الكتاب الأردنيين


*هزاع البراري

الناظر عميقاً إلى واقع رابطة الكتاب الأردنيين، يلمس بألم ما آلت إليه من تراجع غير مقبول، وتردٍ شامل في إدارة الفعل الثقافي، ويلحظ النكوص المدوي في الأداء النقابي، والإرباك في مواقف الرابطة السياسية والوطنية، في غياب واضح للبوصلة الوطنية، وطغيان حالة المناكفات والمماحكات العصبوية والشخصية والإقصائية، مع بروز حالة التكفير الثقافي والسياسي واغتيال الشخصية، والفشل في بث عوامل من شأنها دفع أعضاء الرابطة من مبدعين وكتاب إلى الالتفاف حول الرابطة من جديد، وبث أجواء الثقة والتواد.

إن استشراء عوامل الطرد والإبعاد، في ظل ما تعانيه الأمة من ظلامية مرعبة لا يمكن مواجهتها بالشعارات والبيانات المرتبكة، المتزامنة مع اشتداد المخاطر المحيطة بالأردن كوطن يحتضن مشردي حروب ومجازر قوى الظلام، وعيون جنوده ساهرة لا تنام وسلاحهم متأهب على الحدود الملتهبة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى لملمة الصف وتمتين الجبهة الثقافية، ومعاضدة الوطن والأمة في معركتها الكبرى ضد التكفير والظلام والظلم، لا أن ننتهج النهج ذاته بالتكفير والاغتيال باسم السياسة والثقافة والأمة.

رابطة الكتاب الأردنيين أم الهيئات الثقافية التي قادت المشهد الثقافي خلال عقود مضت في ظل ظروف صعبة ومتقلبة، وجدت لسببين رئيسيين: أولهما إيجاد كيان نقابي للكتاب، يدافع عن حقوقهم ويسعى إلى تحسين واقعهم المعيشي، وتأكيد مكانتهم النوعية في قيادة الوعي والتنوير، وثانيهما يستند على بناء مستقبل أكثر وضوحاً واستقراراً، ضمن حرية تكفلها الرابطة لأعضائها قبل من تطالب الآخرين بها، والارتقاء بالفعل الثقافي، وتنشيط الحركة الثقافية من خلال خلق مناخات وفضاءات لإبداع وطني حر.

على الرابطة احتضان مبدعين قادرين على تقديم إبداعٍ راقٍ، يأخذ مكانته عربياً وإنسانياً، واستقطاب الشباب المبدع بعيداً عن الخطط الانتخابية والحشد العصبوي، ونشر إبداعاتهم وتكريم الفائزين منهم بجوائز محلية وعربية، فأين نحن من هذا كله؟؟ رأيناً ملاحق ثقافية تقفل، وأخرى تتوقف عن منح المبدعين والكتاب مكافآت مالية هي بالأساس رمزية، وآخرون يفصلون تعسفاً من وظائفهم، ولا مصدر دخل غير وجع أقلامهم، في ظل تراجع ثقافي شامل، وتقليص في الموازنات الثقافية، وعلاقة غير منصفة بين الناشرين والكتاب، وعدم المطالبة بمكتسبات معيشية لها علاقة بكرامة الكاتب، وغيرها ما لا يتسع له المقام، أين نحن من كل هذا وذاك؟؟
لقد أصبح راسخاً في الأذهان ما أصاب الرابطة من اهتراءات ووهن ضارب حتى العظم، ودخولها نفقا مظلما لا من نور في آخره أو كوة يمكن فتحها، وهو ليس تردٍ مرحلي وحسب، لكنها حالة أخذت تتفاقم مؤخراً بشكل انشطاري، يبدو خارج حدود السيطرة والمعالجة الكيماوية أو الجراحية، مما يدفعنا لدق ناقوس الخطر، فكلنا شركاء بما آلت إليه الحال، سواء بالمشاركة الفعلية، أو بالصمت أو بالانسحاب أو الاكتفاء بالنقد السلبي، وهذه كلها تتنافى مع ضمير الكاتب وسلوكه الإبداعي الرافض والقائم على فعل الحرية والاحتجاج.

هذا كله يضعنا أمام مفصل مهم من تاريخ الرابطة الزاخر بما هو ناصع ويستحق الانحناء، ويزيد من إصرارنا على بناء حاضر ومستقبل جديدين لرابطة الكتاب الأردنيين، من خلال بناء عوامل جديدة جاذبة ومستقطبة، الأساس فيها الانحياز للوطن والإبداع الحقيقي وإعادة بناء الثقة بين الرابطة ومنتسبيها، وإعادة دور الرابطة في قيادة الحركة الثقافية التي بدأت تتناهشها هيئات هجينة لا تقدم إبداعاً جديداً مميزاً، وبالتالي تشييد مواقف قومية على أسس ثقافية ووطنية جامعة.

أمام هذا الواقع الماثل بكل ثقله وسلبيته، نجد أننا بحاجة إلى بناء جبهة وطنية ثقافية جامعة، لإنقاذ رابطة الكتاب الأردنيين، وإخراجها من مأزقها المرشح للتفاقم، وهذا يتطلب الخروج من الخنادق المتقابلة والاصطفاف الذي رسخته التيارات التي سيطرت على الرابطة عقوداً، في سبيل إحداث تغيير حقيقي يدفع الرابطة خطوات واسعة إلى الأمام، وإعادة الوزن النوعي للرابطة وأعضاء الرابطة، وهذا لا يمكن أن يتم من خلال الآليات السابقة أو من خلال إيجاد تيار ثالث أو رابع، فالوضع الخارجي والداخلي يفرض تفكيراً جديداً، نخرج فيه من عباءة التيارات لرص صفوف هذه الجبهة، ويكون الاصطفاف فيها هو حول الرابطة ومن أجلها فقط.

إننا كمثقفين وأعضاء رابطة الكتاب، مطالبون بفعل جديد يسمو على ترسبات الماضي وإفرازات الوضع الماثل، ولنقف صفاً واحداً قافزاً على التيارات، والتجرد من الرغبات الشخصية، والمناكفات والصراعات هنا وهناك، وهذا فعل من شأنه إعادة الاعتبار للرابطة ككيان نقابي معتبر، وإن يحل الكتاب أنفسهم المكانة التي يستحقونها بحكم الواقع لا التمني والاستجداء.
لا شك أن قوى الرفض والشد العكسي حاضرة، وتحاول جاهدة وأد أي فعل من شأنه لملمة الجبهة الثقافية، لأن وجودهم بالأساس لا يتحقق إلا من خلال هذه الاصطفافات، لكننا من خلال الإيمان أن أوان التغيير قد حان، بل أصبح فعلاً واجباً عند كل مثقف حقيقي حريص على الرابطة ودورها الثقافي والنقابي، نحن قادرون على بناء هذه الجبهة الثقافية، وتصويب بوصلة الرابطة اتجاه الوطن والأمة، وانتشال الرابطة من حالة الغرق لتكون المركب الآمن الذي نوزع من خلاله مشاعل النور والمحبة، ونطلق الطاقات الإبداعية، فتكون بؤرة الكتاب ومنصتهم والبيت الذي نستظل تحت سقفه جميعاً.
_______
* الرأي الأردنية

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *