الرئيسية / إضاءات / غادة السمّان: لا شفاء لي من أحلامي الدمشقية

غادة السمّان: لا شفاء لي من أحلامي الدمشقية


*إسماعيل فقيه

تواصل غادة السمّان رحلتها الممتعة في الكتابة. تواصل جنونها وحكمتها، تجمع الكلمات والحروف في «فسيفساء» التمرّد والتعَقّل. مازالت على عهدها في التنوع والاختلاف والإبحار في الميدان والميادين الكتابية (شعر، قصة، رواية، كتب رحلات، سيرة ذاتية)، وجديدها رواية بعنوان «يا دمشق وداعاً – فسيفساء التمرّد»، قالت فيها ما يعتمل داخل جرحها وعاطفتها وناسها. مازالت غادة تعيش حالة الوداع واللقاء، تودّع وتستقبل، وترى الإنسان والحياة والوطن بعيون كثيرة وقلب كبير يُعادل الرّوح.


لمناسبة كتابها الجديد، تحدثت غادة لـ«الخليج» الثقافي بكثير من الثقة والحب والأمل، كما عوّدت قارئها منذ أن أبحرت في مركب الكلمة، وطياً للمسافات تُبودلت الأسئلة والأجوبة عبر أثير التكنولوجيا «تعويضاً» عن عدم الجلوس وجهاً لوجه…
*«يا دمشق وداعاً» رواية وداع أو رواية لقاء، هل تستطيع غادة مغادرة زقاق الياسمين، أو هو الشوّق والحنين لعبير الياسمين الدمشقي؟
«يا دمشق وداعاً» هي رواية وداع ولقاء في آن كما في حكايا الحب الكبيرة كلها، إنها رواية حب وحنين والتصاق وفراق داخل لحظة واحدة ، كما يحدث أحياناً مع من نُحب من بشر وأوطان، حيث لا أحادية في العواطف، والشوق والهرب من الشوق وصرخة (وداعاً) وعناق اللقاء من أجمل التوائم السيامية المتلاصقة، أدبياً على الأقل. وأعترف أنني لم أنجح يوماً في مغادرة «زقاق الياسمين» على الرغم من تمردي عليه، ومازلت أُقيم خلف الجامع الأموي الذي اصطحبني أبي إليه، طفلة، مازال يطير في قلبي إلى جانب كنيسة «يوحنا فم الذهب» ليعلمني أبي منذ الطفولة درساً في احترام العقائد الأخرى والحوار والإنصات للآخر والتعارف معه. ذات ليلة أقسمت على الفراق ، ولكنني أعود في أحلامي إلى شوارع الياسمين الدمشقي ولا شفاء لي.. ربما لأنني في قرارة نفسي لا أنشد الشفاء حقاً وأتحالف مع عبير الياسمين الدمشقي كما يتحالف العاشق مع حبيب أقسم على فراقه فازداد حباً له.
*«فسيفساء التمرد»؟ من الذي تمرّد وعلى من، من المتمرّدة وعلى من تمرّدت ولماذا؟
هذا سؤال من قلب شاعر ومن عقل سياسي لعلهما يقيمان داخلك مع شخصياتك الأخرى! ولا مفر من قراءة الرواية لمعرفة ظلال الإجابة ربما الملتبسة، عن هذا السؤال. فقد كتبت روايتي بأكملها كمحاولة للإجابة عن أسئلة كهذه.
* ثمة صراخ هادئ في روايتك إلى حدّ الأسف والتأسّف، هل هو صراخ الأعماق الذي لا يُسمع إلاّ بالكلمات والحروف، أو هو الصّراخ الصعب، أو الصرخة المستحيلة في «ليل الغرباء». صرختك مدوّية لكنها قاتلة. صرخة موت أو صرخة حياة؟
أحببت هذا الوعي النقدي الذي ربط بين «ليل الغرباء» وروايتي هذه.. إنها الصّرخة التي لا تدري معها أهي شهقة ولادة أم شهقة احتضار.. أهو الغروب أم الشروق. أما الأسى والتأسف وصراخ الأعماق فيعرفها «أيتام الحرية والعروبة» مثلي.
*تكتبين الوداع وترفضين الندم، كيف يستقيم خطّ الوداع على ذراع الندم، وما الندم في قاموس غادة؟
الندم هو غالباً على ما لم نفعله وليس على ما فعلناه! حين نقترف صدقنا قلّما نندم عليه أياً كان الثمن، لكننا نندم حقاً على ما لم نقترفه من صدق في غابة سكاكين العقاب ورايات «الصمت الإمبراطور». أما الفراق فهو قدرنا كبشر، وإذا رفضناه وتمردنا عليه سيضرب صاعقته لشطر قلوبنا..
*مصرّة غادة على كتابة الرواية، لماذا الرواية، وهل تفي الرواية بغرض الحنين أو الحب أو القهر أو العبادة..؟
مع الكتابة لست مصرّة على شيء ، فأنا كاتبة المجهول والدهشة ولست كاتبة المحنط بالتخطيط المسبق له. ثم إنه لكل ما في حياتنا وجهه الآخر والصوت الآخر الآتي من قاعنا السّاخر من أي يقين أدبي وإصرار عليه. 

أكتب أيضاً النصوص الشعرية لأنني أرتاح لإيقاعات النزف المختلفة ولحسن حظي يُحبها القارئ (14 طبعة لكتابي أعلنتُ عليك الحب/‏‏‏ 9 طبعات لاعتقال لحظة هاربة/‏‏‏ 8 طبعات الحب من الوريد إلى الوريد، والأمثلة تطول)، وأكتب أدب الرحلات بمتعة: الجسد حقيبة سفر – غربة تحت الصفر – شهوة الأجنحة – القلب نورس وحيد – رعشة الحرية وسواها. وأكتب النصوص الشعرية: القلب العاري عاشقاً – الحبيب الافتراضي – عاشقة الحرية – الرقص مع البوم- أشهد عكس الريح – أعلنت عليك الحب – الأبدية لحظة حب… وسواها.. وأكتب في النقد الاجتماعي: الرغيف ينبض كالقلب – صفارة إنذار داخل رأسي – كتابات غير ملتزمة – امرأة عربية وحرة وسواها.. وأكتب في النقد الأدبي: مواطنة متلبسة بالقراءة – ع غ تتفرس – ختم الذاكرة بالشمع الأحمر، وسواها من الأنواع الكتابية.
أكتب في الاتجاهات كلها كانفجار قذيفة مزاجية لأنني لا أجد الخط الفاصل بين الأنواع الأدبية حاسماً. والأهم هو اصطدام القلب بصوان عالمنا وإطلاق الشّرر.. وأرتاح لقول رسول حمزاتوف «عمّدوا بالاسم الذي تختارونه ما سوف يخطه قلمي. لست أكتب لكي أوافق واحداً من القوانين، ولكنني كتبت لألبي نداء قلبي، والقلب لا يعرف قانوناً، أو على الأصح للقلب قوانينه التي لا تناسب الناس جميعاً».

*مازالت غادة تكتب من بعيد، من خارج مدينتها ، كيف تجتاز كلماتك كل هذه المسافات؟
كلماتي لا تجتاز المسافات لأنها ولدت في الوطن.. أكتب من داخل الجرح العربي لأنه جرحي. أنا لا أ كتب من بعيد فقد فشلت في مغادرة مدائن قلبي: دمشق وبيروت وعالمي العربي.. ولست كاتبة فرنسية من أصل عربي على الرغم من أنني أعيش في باريس منذ أكثر من ربع قرن، لكن المسافة بين جرح أبناء وطني وجرحي ومضة عين أسرع من بساط الريح العاطفي والروحي.
ما زلت أرى الأشياء كلّها بعين عربية متألمة لما يدور. كنا نحلم بتحرير القدس ، صرنا نحلم بتحرير الزقاق البيروتي المجاور.
*الحياة على عتبة الموت اليوم. العالم يحترق، والإنسان يرسم خطوط غيابه ويحفر قبره بيده. وهناك من ينصّبون أنفسهم فوق البشر كآلهة، ماذا تقول وماذا تفعل غادة الإنسانة في هذا الجو المحموم، في هذا المنزلق الخطر الذي تدنو إليه الإنسانية اليوم؟
يا عزيزي، ما يحدث اليوم حدث بالأمس وسيحدث غداً. هذا تاريخ البشر، بالمقابل نسيتَ في سؤالك مناخات أخرى محمومة ولكن بالضوء والشمس والشعر والحب والنضارة والأطفال.. أما الذين «ينصبون أنفسهم فوق البشر كآلهة» كما تقول، فنجدهم أيضاً في العصر الحجري والعصور الوسطى واليوم في عصر الفضاء وسيلتقي بهم أحفادنا بعد عصور.. ثمة دائماً من يستغل المقدس وطيبة الناس لمصالحه السلطوية والمادية ، وبينهم من يزعم النطق باسمه تعالى والفتاوى بمن سيذهب إلى الجنة أو جهنم في اعتداء مخز على الخالق قبل البشر.. أليسوا بشراً كبقية البشر؟ والتاريخ يسعفنا بعشرات الأمثلة.
الإنسانية عاشت دائماً على «المنزلق الخطر» لكن عشق الحرية والحقيقة يوازيها دائماً ويهزمها كثيراً.

*حزينة؟ يائسة؟ متفائلة؟.. أين شعوركِ وإلى أين يقودكِ حدسكِ بعد كل هذا الغياب الذي يلازم الإنسان والحياة من جرّاء أفعال الإنسان نفسها؟
حزينة؟ نعم أحياناً.. فالحزن شعور صحي وفي اللامبالاة الخطر. يائسة؟ بالتأكيد لا.. فأنا لا أُعاشر اليأس بل أحيا محاولة رفضه على الرغم من كل شيء. فاليأس ليس صديقي. التفاؤل الغبي الاستعراضي ليس صديقي أيضاً. أنا واحدة من الملايين الذين يحاولون أن يصنعوا من حياتهم لحظة إيجابية من دون أذى للآخر. ثمة بالتأكيد لذعة حزن في قلبي على ما يدور في عالمنا العربي ولكنها (تلك اللذعة) لم تبلغ حدود اليأس بل الرفض والتمرّد عليها.
* أما زالت غادة هي نفسها، أو تغيّر التعريف وصارت في مكان آخر وزمان آخر أين أنت اليوم، من أنتِ، من تكونين، ما اسمكِ اليوم، هل غادة كائن حيّ في أرض حيّة ونابضة؟
بالتأكيد لست «أنا نفسي».. فأنا مخلوق حي ولست صنماً متحجراً في محراب الإعجاب بالذات. كل كلمة تبدلني.. كل جرح عميق يعيد خلقي.. كل كارثة وطنية أو شخصية تفتح لي أُفقاً على كوكب من المعذبين/‏‏‏ كوكبي الشخصي أيضاً، أتعارف معه لأتعارف مع الآخر.. أين أنا اليوم؟ أنا أحياناً امرأة تحمل ذاكرتها داخل كيس وتركض بها كمن يحمل قطاً يريد التخلص منه ويركض به من غابة في «بافاريا» النمسا إلى أخرى بين أشجار غابة بولونيا الباريسية إلى أخرى في «الغابة السوداء» الألمانية.. وسواها.. لكن أصوات الذاكرة أكثر ارتفاعاً من الأصوات كلّها.. وكل شيء يعيدني إلى الوطن وأحزانه.. وأنشودة «عرب يا عرب أمجاد» وأغنية ،وحدة ما يغلبها غلاب ، تسبقهما إلى خاطري تلك الأغاني التي تمجد هذا الزقاق البيروتي أو ذاك وامتداداته الأخطبوطية هنا وهناك.. وجذوره في البعيد والقريب.
*أما زالت الكتابة هدفكِ الذي لا يخطئ؟
ما من هدف لا يخطئ.. ما زالت الكتابة درعي في وجه الهول كله واليأس، وشمعة تنطفئ كثيراً في وجه الرياح العاتية وأعيد إشعالها بإصرار.. ربما كنت أكتب كي لا أقتل.
* بعد فيضان الحبر من عروقكِ وجنون نظرتكِ في المكان والزمان، وصهيل صمتكِ في الغربة، بعد كلّ هذا التصادم والتلاقي مع الذات، إلى أين وصلتِ أو أنك على الدرب الذي سيوصلكِ؟
ليس بوسع أحد إلقاء نظرة محايدة على مرآة ذاته ليقول إلى أين وصل!! إني فقط أستمر، وأعمل، وأسير، وأرفض منطق البكاء على الأطلال بل أحاول دائماً بناء ومضة جديدة تتنصّل من العتيق بل تمشي على هدي الأجداد (بعد غربلة التراث). الأجداد الذين جاعوا إلى العطاء والمحبة والحرية. ولم يتحولوا إلى تماثيل من الملح والحجر بدرب ما.

*الحب وغادة، أو غادة الحب، أو ماذا؟
الحب هو التهمة الوحيدة التي إذا استطاع المرء تبرئة نفسه منها اعتبرناه مجرماً بحق الحياة وبحق نفسه وبحق الشعر!!
* ما اسم ولون وطعم العاطفة التي تغمرك اليوم؟
كما يحدث للبشر جميعاً تغمرني عواطف بألوان قوس القزح.. تتبدل في كل لحظة، وتتعاقب وتتمازج، لكن الغالب فيها هو القلق على عالمنا العربي الشبيه بمركب بلا ربان.
*غادة وحيدة؟ كثيرة؟ قليلة؟ أقل؟ أكثر؟ لا تقولي أنكِ كلّ هذا وذاك، أريد أن أسمع ضحكتكِ المكتوبة على الورق؟
طالع كتبي وستستمع إلى بعضها ممتزجاً بانتحاب سري. هذه حالنا جميعاً هذه الأيام.. والابتسامة تأتي دامعة لهول ما يدور في عالمنا العربي.
______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

عبدُه خال: أتركوني أكتب كما أشاء، ولا تقرأوا لي!

 دعا الروائي السعودي عبده خال إلى ثورة ضد كل الموروث الذي أوقف الأمة عن الحركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *