الرئيسية / مقالات / لا تسل شعبًا جائعًا عن الثقافة!

لا تسل شعبًا جائعًا عن الثقافة!


*آمال الديب

خاص- ( ثقافات )

لماذا يندر، أو ينعدم الإقبال الجماهيري على الملتقيات والمحافل الأدبية والثقافية في القاهرة؟
العاصمة المصرية التي لا يقل عدد سكانها عن 10 ملايين مواطن حين تنعقد بها ندوات تمس الأدب أو أي مجال ثقافي باستثناء بعض الأنشطة النادرة لا تجد أثرًا لعشرة مهتمين بتلك المحافل والمنتديات.. ترى ما الأسباب الكامنة خلف تلك الظاهرة غير الصحية بالمرة؟!
ينقسم المجتمع المصري في السنوات الأخيرة إلى عدد من الشرائح.. على رأسها شريحة الكادحين وراء الرزق ولقمة العيش التي تحميهم من الجوع وتقيهم البرد والمرض.. وتوفر لهم الضروري من سبل العيش. فكيف يطلب من هؤلاء البحث عن الترفيه أو حتى تثقيف العقل؟ إن كانوا بالكاد يهتمون لأمر التعليم، وبلا قدرة على الدروس الخصوصية، وفي بعض الأحيان المجموعات المدرسية!
لا تخلو القاهرة من شريحة أصحاب المال ورجال الأعمال الذين يحسبون وقتهم بالدقائق واللحظات، وهؤلاء بعضهم لا يجد وقتًا سوى ليأكلوا ويناموا ويعبوا من المتع الحياتية المتاحة والمباحة غير آبهين بثقافة ولا أدب ولا كماليات عقلية لا حاجة لهم بها، بل ربما لا يعترفون بأهميتها.
لست في معرض حصر جميع الشرائح التي تحيا في هذا المجتمع؛ فقط أشير إلى بعضها ربما استطعت فهم تلك الظاهرة المنتشرة مؤخرًا.
لا يخلو بيت من طالب جامعي أو متخرج حديثًا في الجامعة، وهؤلاء كانوا أكثر من يهتمون لأمر المنتديات والمحافل حتى مطالع القرن الحادي والعشرين، ثم استقطبتهم بالتدريج تلك الشبكة العنكبوتية “الإنترنت” فحبستهم داخل شاشات عرض لا يزيد حجم أكبرها في معظم البيوت عن 20 بوصة..
صار العالم الافتراضي الذي يُحبَس فيه كل منهم – على تفاوت الدرجات- هو كل شيء.
لم تعد هناك رغبة لدى معظم الشباب والبنات في الخروج من تلك القوقعة التي يمارس من خلالها ذاته بأقصى ما يطمح دون رقيب أو موجه.
وللدقة ليس فقط الشباب في أوائل العشرينيات هم أبطال ورواد العالم الافتراضي، بل يصدق الوصف على جميع الأعمار كل حسب طقوس حياته واهتماماته..
فصارت التكنولوجيا وتقنيات الإنترنت أهم بالدرجة الأولى من الطعام والشراب وربما السكن!
منذ شهور كنت أسير من محطة مترو الأنفاق بالأوبرا إلى ساحة الأوبرا حيث أعمل؛ استلفَت انتباهي متسوِّل يفترش الرصيف في هيئة رثَّة ممسكًا بكوب صغير به بعض السائل الذي خمنت أنه شاي.. وبين أصبعي يسراه سيجارة يشد منها أنفاسًا متتاليةً.. وبين كتفه وأذنه هاتف جوال يتحدث فيه مع آخر، أو آخرين..
ليست لقطة فانتازية، ولا هي كوميدية للأسف؛ إنما هي واقع.. مر ومقزز.. فكيف نرتب أولوياتنا؟
كيف قرَّر هذا المتسول الذي يقضي لياليه الباردة ونهاراته القائظة على الأرصفة، أن تكون أولوياته الحياتية هي الهاتف الجوال والتبغ؟!

استوقفتني عبارة في أغنية للشاب المتألق حمزة نمرة “يا قلبي يا موجوع يا آهة حاضنة دموع حب البلد بيعيش لما يموت الجوع”.
لكنني ربما أضيف: إن حب الوطن “بيعيش لما يموت الجوع” وبعد أن يتوفر الهاتف المحمول والإنترنت. وهي مفارقة تبدو غربة، ويصعب حل تناقضاتها، ولئلا يتسرب مني طرف الخيط أطرح السؤال من جديد بصياغة أخرى: ما المطلوب ليهتم الناس أيًا كانت أعمارهم، وأيًا كانت مستوياتهم الاجتماعية بالثقافة؟! متى يتقن الإنسان المصري على اختلاف انتماءاته السياسية أو تصنيفه السياسي أو التعليمي أن الثقافة هي ألفباء المجتمع، وهي الطريق إلى التقدم والرفاهية الحياتية؟
همسة في أذن كل شخص: الثقافة ليست رفاهية، الثقافة أسلوب حياة وطريق يصل بك إلى قمة أحلامك.
______
*شاعرة وكاتبة من مصر 

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *