
حوار: عائشة المراغي
350 كتابا مترجما خلال عام. رقم يستحق التوقف والتأمل. كما أنه يثير الكثير من الأسئلة حول نوعية الكتب المترجمة، وشكل الإقبال على ها، وطبيعة المنتج نفسه، خاصة مع الطموحات المتزايدة لأن يصل هذا العدد إلى ألف كتاب سنويا، فالواقع العربي يستحق أكثر من ذلك كما يؤكد الدكتور أنور مغيث، مدير المركز القومي للترجمة، الذي نحاوره هنا بعد أن اقترب من إنهاء عامه الأول منذ توليه هذه المسؤولية، وكان قد بدأ بوضع خطة تهدف إلى استرداد ثقة المترجمين والناشرين، إلى جانب حل المشاكل الطارئة والملحة التي تعوق تحقيق أي خطة..هنا نحاول أن نعرف كيف تسير خطة المركز، ورؤيته لوضع الترجمة في مصر بشكل عام.
على صعيد النشر المشترك مع دور النشر الخاصة، يقول إن المركز اتفق تقريبا على 50 كتابا، صدر منهم 6 تقريبا والبقية على وشك الصدور، مع عدد من دور النشر الخاصة مثل عين والتنوير والمحروسة وآفاق والأهرام والأخبار وغيرها، يقول: “هذا يقلل من رصيد الترجمات المتراكمة، وفي نفس الوقت يطرح علاقة جديدة بدور النشر الخاصة، فالمركز القومي للترجمة لم يعد مجرد دار نشر وإنما هيئة داعمة للترجمة أيضا، ومن هنا أصبح التعاون مع دور النشر ليس مجرد الحصول على ترجمات منا، ولكن تقديم اقتراحات يمكن تمويلها، لنوفر لهم الملكية الفكرية والترجمة ويتكفلون هم بالطباعة، فتلك فكرة لنقل المركز من حيز الاستحواذ إلى حيز التعاون”.
ينطلق هذا من رؤية د.مغيث بأن “إنتاج الثقافة ليس من أدوار الدولة” يوضح:”مؤسسات مثل معهد جوتة أو المركز الثقافي الفرنسي وغيرها، تدعم الترجمة وترصد لها جزءا من الميزانية، ولكنها لا تصدر كتبا، وقد اختلفت الآراء، فهناك من يقترح بأن يكون الإنتاج 100٪ والاستغناء عن الدعم، وأيضا هناك من يطالب بألا يكون هناك إنتاج على الإطلاق، وأن توجه الأموال كلها لدعم دور النشر الخاصة، وهو في رأيي صعب أن نصل إليه، فينبغي الجمع بين الاثنين، لأن اقتراحات دور النشر الخاصة في النهاية لها اعتبارات ربما تكون تسويقية أكثر منها علمية”.
ويستطرد مغيث موضحا: “عندما كنت مترجما، كنت أتقدم باقتراح لأي دار نشر خاصة لترجمة كتاب علمي، لم تكن واحدة منها تتحمس، ولهم الحق، فمن سيقرأه وأين سيباع؟!، بينما المجلس وقتها كان مرحبا بذلك، في أوربا تتولي دور النشر الخاصة إصدار الكتب العلمية، ولكن السوق محدد ومعلوم أن هناك جامعات ومكتبات، يعرف الناشر أن نسبة 60٪ مثلا من الطبعة ستجد توزيعها وبذلك ستجني تكإلى فها على الأقل، أما عندنا فليس هناك تزويد لمكتبات المدارس أو الجامعات، وذلك لا يجعل مفراً أمام الدولة من إصدارها للترجمة”.
ومع ذكر المكتبات بالمدارس والجامعات، لابد من الحديث عن بروتوكولات التعاون المشترك التي عقدها د.جابر عصفور وزير الثقافة السابق مع عدد من الوزارات أثناء فترته، والتي ما زالت فعالة حتى الآن مع الوزير الحإلى ، فيشير د.مغيث إلى أنهم طالبوا بأن يكون هناك “كشك” دائم لبيع إصدارات وزارة الثقافة، وبعد كثير من الوقت تم ذلك، ولكنه لا يتسع سوى لـ25 عنوانا من 2500 كتاب، فهي نسبة لا تتجاوز 1٪ وغير كافية “كما أننا عندما نبعث لرؤساء الجامعات قائمة المركز ليختاروا من بينها يطلبون منا إرسالها مجانا، فمكتبات وزارة التربية والتعليم لو اهتمت حقا بالكتب التي يصدرها المركز ستحل لنا مشاكل كثيرة في التخزين والميزانية وغيره، ولكن المشكلة تكمن في المركزية، لأنه حتى عندما أعرض على مدير مدرسة أن نهديهم الكتب، يرحب ولكن يطلب الحصول على موافقة المديرية، ومدير الإدارة يرحب ولكنه يطلب إذنا من الوزير، والوزير يوصي بتشكيل لجنة تنبثق منها لجان، وهكذا… حتى يضيع الأمر”.
ليس طلاب المؤسسات التعليمية هم فقط القراء الذين يستهدفهم المركز، فالهدف هو القارئ العام، كما يوضح د.مغيث: “لو تحدثت عن مجال تخصصي وهو الفلسفة، فمنذ أكثر من 10 سنوات ليست هناك كتب تترجم عنها، فقط الكتب التي يقررها الأساتذة على الطلبة، وتكون ضحلة جدا وتفتقد حتى للروح العلمية، لذلك وضعنا من بين أهدافنا أن نوفر كتبا للطلاب المجتهدين في أي تخصص وبمناهج علمية، لأننا لو لم نترجم لن يجدوا سوى تلك الكتب الفقيرة”.
ويستكمل: “جزء آخر استحوذ على اهتمامي الفترة الأخيرة، هو تلك الشريحة العمرية المهملة في إنتاج الكتب، من سن 12 إلى 16 عاما، لا تصدر لهم كتب كثيرة في مصر، رغم أنها فترة حب استطلاع وقراءة وتعرف، ففي فرنسا تقريبا 30٪ من الكتب موجهة لتلك الشريحة، في حين أن نسبتها في مصر لا تتعدي 3٪، لذلك بدأت أركز على كتب الثقافة العلمية للشباب، وطلبت من وزارة التعاون الدولي أن تبحث عن تمويل، بحيث نصدر على الأقل كتابا شهريا للشباب، وقد تقدمت بهذا المشروع لوزارة الشباب ليشاركونا في التكاليف أو على الأقل يلتزموا بأخذ 500 نسخة من كل كتاب ورحبوا بذلك، لكن هذا لم يتحول للواقع حتى الآن رغم أني بعثت لهم بقوائم الكتب وطلبت منهم اختيار المناسب”.
ولأن المركز لا يحبذ التخصص ويستهدف القارئ العام، توجه له أحيانا تهمة عابرة بأن هناك عشوائية في الاختيار، وهو ما يؤكد مغيث عدم صحته، فهذا في رأيه حرص على التنوع، ومحاولة لتغطية كافة فنون المعرفة، “والدليل أنه في أي معرض دولي، الإقبال الجماهيري على المركز القومي للترجمة يكون أكثر من أي منظمة عربية للترجمة أخرى، لأن الناس يجدون فيه تقريبا كل ما يريدونه، فلسفة واجتماع وعلم نفس وغيره، هذا ما يعطي انطباعا بأن تلك عشوائية، لكنه اختيار بتغطية كافة أنواع المعرفة”.
ربما يرجع سبب هذه الشائعة أيضا إلى أخرى تتردد بأن المركز ينتج كتبه طبقا لاجتهاد واختيار المترجمين وليس وفق رؤية معينة، وهو ما نفاه د.مغيث موضحا: “البعض ينادي بأن تكون هناك خطة تغطي مجالات محددة، وأن تتم مطالعة قوائم الكتب بدور النشر العالمية وعمل قائمة وطرحها للمترجمين للاختيار من بينها، والبعض الآخر يفضل أن ننتظر اقتراحات كل مترجم وما يحبذه ثم نجلبه له، وكلا الأمرين ليس صحيحا، لأن أعظم الترجمات التي تمت كانت لمترجمين مخلصين لعملية الترجمة نتيجة أنهم وقعوا في غرام النص، مثل الكوميديا الإلهية أو رباعيات الخيام، هؤلاء شعروا أن رسالتهم في الحياة أن يترجموا ذلك النص، ولابد أن تكون هناك هيئة تستقبل هذا الحماس وتنشره، ولكن في الوقت ذاته لا ينبغي أن تترك الأمور لمجرد “أمزجة” المترجمين، إذ يوجد مجلس أمناء مهمته المراقبة، ولجان استشارية مهمتها طرح الاستراتيجيات وتوجيهنا لخلق نوع من التوازن بين تنوعات الكتب، ثم المكتب الفني الذي يجمع المقترحات متعددة المصادر سواء من دور النشر أو المترجمين أو المراكز الثقافية، يتم من خلال هذه اللجان انتخاب كتب من المتاح ووفقا للإمكانيات المادية، بالإضافة إلى معايير أخرى كحجم الكتاب أو تشابه الموضوع مع كتاب آخر”.
ولكنه لا يحبذ أن تختزل الفكرة في قائمة يتم الإعلان عنها، بل يمكن أن يكون هناك اجتماع عام للاتفاق على التوصيات العامة للترجمة خلال العام، ثم يتم نشرها في “أخبار الأدب” والصحف المختلفة، بحيث يتعرف المترجمون على مجال الاهتمام هذه السنة، ويضيف مغيث: “كما أن هناك كتباً تأتي إلينا من دور نشر أجنبية وخاصة في معرض فرانكفورت الدولي، يهدوننا كتباً لترجمتها فندخلها للجنة باعتبارها اقتراحات ونكتب بجانبها (بدون مترجم)، إذا أقرت اللجنة بأنه جيد ولا بد من ترجمته نبدأ في البحث عن مترجم من القائمة الداخلية التي تضم أسماء المترجمين، واحدة للإنجليزية وعدد محدود للفرنسية، وبقية اللغات تكون نادرة”.
لم تكن بالطبع جميع الكتب التي صدرت عن المركز خلال العام المنصرم من اختيار د.مغيث أو تم توقيع عقودها خلال وجوده، لأن الترجمة وحدها تستغرق عاما حتى يتم تسليمها، وبعدها 6 شهور على الأقل لينتهي الطبع، ولكن بعض الحالات كانت نادرة مثل كتاب “الوثائق السرية الإسرائيلية عن حرب أكتوبر” والذي كان لابد الانتهاء منه مع احتفالات أكتوبر، فلم يستغرق سوي أشهر قليلة، ولكن ذلك بديهيا ينقلنا إلى أمر آخر يتعلق بالعدالة، فهناك من قدموا ترجمات منذ 4 سنوات ولم تصدر، وأخرى لم يمر عليها 3 شهور وتطبع، فيوضح د.مغيث: “لاشك أنه يجب الانتهاء من تلك الترجمات لكسب ثقة الناشرين الأجانب والمترجمين، لكن أحيانا يكون الكتاب مليئا بالمشاكل، كأن ينسيىالمترجم الهوامش أو يترجم بعضها، في تلك الحالة لا بد من إعادتها لاستكمالها، بالإضافة إلى سلامة اللغة العربية والصياغة، وبالتالي عندما يكون هناك مترجم ممتاز ومعتاد أن يسلم نصه جاهز ومنضبطاً في موعده، من الصعب إبقاؤه وتأخيره حتى تنتهي جميع الكتب التي تتضمن مشكلات، فلابد من العمل على كليهما”.
اقتراحات الترجمة التي تقدم للمركز، لا يتم قبول جميعها ولكن حالة الرفض لا تكون فردية بكل تأكيد، فكل صاحب كتاب يملأ استمارة في المكتب الفني، وفي اجتماع لجنة نتيجة تعامله باستهانة مع الكتاب، بأن يحذف الفقرة التي لا يفهمها مثلا، وتكمن المشكلة الأكبر في عملية الرفض، في أن المترجم يغضب ويتصور أن ذلك طعن في كفاءته، ولكن الحقيقة كما يؤكدها مدير المركز ليست كذلك: “سبب المشكلة أن الرفض يتم بدون أسباب، لأن مسألة إبداء الأسباب كفيلة بإثارة جدل لا ينتهي، قد يبدو قرار عدم إلزام المركز بإبداء الأسباب استبداديا بعض الشيء ولكن لابد منه تجنبا لتعطيل الأمور، ولا أري ذلك متعارضا ولو نظريا مع فكرة الشفافية على الإطلاق، ولكن عندما يتقدم مثلا 1000 كتاب والقدرة لا تتحمل أكثر من 200، في هذه الحالة يكون المركز ملزما بإصدار 800 مذكرة بأسباب رفض كل كتاب، وحينها سيعمل نصف الموظفين في كتابة مذكرات التوضيح تلك بدلا من إصدار الكتب، فإداريا ستكون فكرة مزعجة جدا”.
إلى جانب الغضب من الرفض، هناك اعتراضات أخرى ومطالبات للمترجمين بزيادة مقابل الترجمة، والذي يستلمونه بعد الانتهاء من النص وتسليم ترجمته وإقرار لجنة التحرير بصلاحيته، لأن دفع مبلغ عند التعاقد تشوبه بعض المشكلات، أولها جدية المترجم، حيث إن عدد المترجمين الذين ينسحبون أثناء ترجمة الكتاب ولا يستكملونه كبير، ولكن لتطوير الأمر والتشجيع، ذهب التفكير لشكل آخر، والذي تم تقديم طلب لزيادة الميزانية مليون جنيه من أجله، لكي تخصص كمنح للمترجمين، فتكون بمثابة مرتب شهري لمدة عام مثلا كمنح التفرغ، فإذا تم ذلك يمكن توفير 15 أو 20 منحة سنويا، وخاصة لشباب المترجمين.
أما عن كيفية محاسبة المترجمين بشكل عام، فيستطرد د.مغيث: “لا شك أن المقابل أقل مما يجب بالنسبة لدعم الترجمة، ولكنها بالنسبة للسوق المصري أصبحت معياراً عند تعامل المترجمين مع دور النشر الخاصة، كما أن ظهور دور نشر في الخليج رفع من أسعار المترجمين، مما جعلنا نسعى لزيادة الأجور كعامل جذب، بالإضافة إلى فكرة أن الترجمة بمصر ستوفر سوقاً أفضل للكتاب، أما المحاسبة، فلدينا فئات تبدأ من 20 وحتى 35 قرشا للكلمة، 20 قرشا تكون للمترجم المبتدئ كنوع من التشجيع، لأننا نراعي أن هناك مُراجِع سيأتي بعده، فقد تصل إلى 60 أو 70 جنيها للصفحة، أما 35 قرشاً فهي للمترجمين الكبار الذين لا نحتاج لمصروفات إضافية بعد انتهاءهم من الترجمة”.
كل ما سبق تحكمه أولا وأخيرا الميزانية المخصصة للمركز، والتي تعرضت للنقص بعض الشيء، لأن هناك جزءاً لم يصرف في فترة المديرة السابقة وتم خصمه من ميزانية العام الجديد، فعندما استلم مغيث الإدارة تفاوض لاسترجاعه، لأن إيقاع إصدار الكتب أصبح أكبر من السنوات السابقة، وتلك الميزانية تشمل كل ما يخص المركز ويتم داخله، وتقسيمها تحدده الدولة، فهناك بنود للإصلاحات وأخري للمرتبات وثالثة للمترجمين وغيرها للطباعة، وعند انتهاء مخصصات جزئية منها لا يمكن الأخذ من غيرها، ولكن يبقي الجزء الأكبر موجها لإنتاج المركز، فهو لا يعاني من المشكلة الشائعة في وزارة الثقافة بأن أغلب الميزانية تذهب للمرتبات والأجور.
ورغم كل هذا الجهد، فالمركز كأي مؤسسة، لديه كتب تباع جيدا وتحتاج طبعات جديدة، وكتب أخري تنتهي على مدي أطول، وكتب لا تباع كثيرا، لكن هذا العام في معرض الكتاب بلغت إيراداته أكثر من مليون جنيه، وهو ما لم يتحقق في المعارض طوال السنوات السابقة، وهذا يعني أن المبيعات في تحسن، ويظن د.أنور أنه مع توفير منفذ المركز الدولي للكتاب سيكون الوضع أفضل، بينما تظل مشكلة ارتفاع أسعار الكتب، فهناك ملكية فكرية وترجمة وطباعة، لذلك ظهرت اقتراحات بطرح نسخ شعبية من الكتب عن طريق هيئة قصور الثقافة، ويستطرد مغيث: ” لعمل طباعة أخري لابد أن نكون على ثقة بأن شبكة توزيع الثقافة الجماهيرية أفضل للكتاب من شبكة توزيعنا، وهذا يتطلب تحققاً حتى لا توضع الكتب في المخازن، والأهم من ذلك وما يتبقي هو الاتفاق على المبدأ الأساسي، إن أصبحت الترجمات كلها فقط في المركز القومي للترجمة، وأنهم سيحصلون على الكتب منا، أما إن استمروا يترجمون فستكون الأولوية لهم أن يسوقوا لكتبهم وليس لدار نشر أخري مثلنا، ولكني لا أفضل الاستحواذ، ففكرة أن تكون هناك إمكانية أمام من يرفض هنا أن يتقدم هناك أو العكس شيء جيد، كما أن هناك كتباً مهمة مثل “سلسلة الجوائز” التي تصدر عن هيئة الكتاب، فهي ناجحة ومتميزة جدا ولا يوجد أي مبرر لإيقافها ونقلها للمركز”.
وفي النهاية، تبقي مشكلة أخيرة للكتاب، وفي ذات الوقت هي في صالح الترجمة، وتكمن في النشر الخاص والكتب المؤلفة التي لا تكلف الناشر كثيرا، بل أحيانا يحصل على تكلفة الطباعة من المؤلف، فتلك الفكرة قللت من قيمة الكتاب المؤلف عند القارئ العربي وزادت من قيمة الكتاب المترجم.الفحص يصدر القرار، بعد طرح الأمر للتداول بين جميع الأعضاء الموجودين من متخصصين ومترجمين كبار في المجال، ويأتي الرفض أحيانا من خبرة سيئة مع المترجم.
______
*أخبار الأدب