الرئيسية / مقالات / كذبة الناشر على كاتبه… عواقب وخيمة

كذبة الناشر على كاتبه… عواقب وخيمة


*بروين حبيب

إلى أي مدى يمكن للناشر 

أن يكون صادقا مع كُتّابه في العالم العربي؟
طرحت السؤال على نفسي حين وصلتني رسائل من كتاب بخصوص رواياتهم المشاركة في البوكر على حدّ علمهم، كما كتب لي بعض الأصدقاء عتابا بخصوص روايات أخرى وجدوها تستحق بلوغ القائمة الطويلة على الأقل. وجوابي كان صادما وهو أن الروايات التي ذكرت لم تكن مرشحة أساسا، ويبدو لي أنه من العدل اليوم، لنضع الكاتب في مواجهة الناشر، الذي يتعامل معه أن تنشر قائمة كل الروايات المرشحة كل سنة في موقع الجائزة… وإلاّ فإن المتهم الوحيد الذي سيحمل وحده ثقل التهمة هو لجنة التحكيم مهما تغير أعضاؤها. 
إن كذبة الناشر على كاتبه في وضع كهذا، ليست كذبة بيضاء أبدا، لأنها لا تسئ للكاتب وحده، ولا للجنة وحدها، بل تشوه سمعة الجائزة كلها، وبالتالي فإنها تضع القارئ العربي مرة أخرى أمام حقيقة مرة، وهي ما مدى مصداقية جوائزنا؟ 
لن أكون سببا في خلق مشاكل بين من أقصاهم ناشروهم من بلوغ البوكر ولو من باب الترشيح، لكنني قرأت رواية أهدتني إياها صديقة، وهي لكاتبة شابة أيضا، وتأسفت أنها لم ترشح من قبل ناشرها، وعرفت من صديقتي أن الناشر أقنعها بأنه رشحها …
ترى لماذا يكذب الناشر على كاتبه؟
هل لأن هذه العلاقة أصلا لا تقوم على تقاليد ثقافية، كما قال الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي ذات يوم، ووصف هذه العلاقة بالفاسدة؟ أم لأن الناشر والكاتب عندنا دخلا عالم الأدب من باب آخر لا يمت للأدب بصلة؟ 
حتى لا أعمم فقد التقيت ناشرين من شدة نزاهتهم وتواضعهم شعرت بأنني أعيش نقلة زمنية ومكانية عظيمة، أعطتني أملا في أن النزاهة لم تنضب عندنا. لكن عليّ أن أعترف أن هؤلاء من النوادر. من الأكاذيب التي أصبحت من قواعد الناشرين العرب أنهم يوهمون الكاتب الجديد بأن لديهم لجان قراءة، والحقيقة المؤلمة أنه لا لجنة قراءة لدى أي ناشر، فلبعض الناشرين أصدقاء يقومون بهذه الوظيفة بدون مقابل في وقت فراغهم، كنوع من التسلية، والبعض يصرُّ على أن يكون هو» لجنة قراءة» فيقرأ من كل عمل يصله حوالي العشر صفحات وربما أقل ويحكم على العمل من خلال هذه الصفحات، ولأنه يقوم بهذه الوظيفة لوحده، فإنه يتأخر ليردّ على الكاتب لعدة شهور، وأحيانا ينسى أن يرد، وأحيانا أخرى لا يرد، بمزاجية غريبة يترك الكاتب يحترق انتظارا، ثم حين يقطع هذا الأخير الأمل نهائيا، يلجأ لناشر آخر ليدخل في دوامة جديدة، قد تكون أسوأ وقد تكون أخف وطأة حسب « كاركتير» الناشر ومزاجيته، ومزاجه التجاري…
بعض الناشرين يختارون الأسماء المعروفة، ولا يهم إن كان العمل الذي وصلهم جيدا أو غير جيد، وهذا يوحي بأن زمن تشجيع النص الجيد ولّى، خاصة حين يقصى الموهوب بسبب اسم كبير إلى جانبه يقارن معه إلى أن يموت.
يقوم الإعلام أيضا بهذه المهمة حين يختصر أدب بلد بأكمله في اسم أو اسمين، ويلغي بقية كتابه وكأنّهم مجرّد أشباح، لتصبح عملية البحث عن ناشر بالنسبة للمواهب «مهمة مستحيلة» ، فيُشَغِّل كل ما لديه من معارف لبلوغ عتبة ناشر… وإلاّ فسيرضى بالموجود ويبقى مغمورا ومُقَزّمًا مدى حياته وقد تحدث معجزة تغير واقعه ذاك.
بالمقابل أيضا نجد الناشر الذي يختار كاتبا يموّل كتابه، يضع تسعيرة لنشر الكتاب تغطي مصاريف الطباعة والتوزيع، وحفل «الكوكتيل» الذي يرافق حفل التوقيع وطباعة بطاقات الدعوة، التي يوجه بعضها لوزراء ونواب وشخصيات من البلد توهم «الكاتب» بأنه كاتب عصره وزمانه، فيما كل هذا الهيلمان ليس أكثر من واجهة اجتماعية ينتهي بريقها بعد أن تنطفئ الأضواء، وتنقل شحنة الكتب الباقية إلى المخازن، ما لم يطلب الكاتب نفسه عددا من النسخ ليوزعها مجانا على المعارف والأصدقاء، وهم بدورهم يحافظون على الكتاب إلى الأبد بجعله ينام في مكتباتهم بدون قراءة صفحة منه.
الآن السؤال الذي يحضرني هو إلى متى ستظل هذه العلاقة « الفاسدة» قائمة بين الناشر وكاتبه في عالمنا العربي؟ 
وإن كان الفساد متفشٍّ حتى بين صُنّاع الثقافة والكتاب تحديدا، فلماذا نلوم الطبقة السياسية بالفساد؟ ولماذا نلوم المجتمع كله بالتخلف والرجعية وعزوفه عن القراءة إلى درجة تصل أحيانا إلى «مقاطعة» للكتاب. وهي مقاطعة لا نعترف بها، لكنها موجودة، ما دامت نسبة القراءة لدينا لا تتجاوز كتابا واحدا لكل ربع مليون عربي…
وما دامت نسبة الأمية تتجاوز الستين في المئة لدينا… ومادامت ميزانية استيراد الأسلحة وتفجير حروب دينية وأهلية تبلغ أرقاما مرعبة، مع أن ميزانية الإصلاح والتعليم والتثقيف لا تحتاج لكل هذه المبالغ المهولة، وهذا الكم من الدماء التي تسيل هدرا، وتحول بلداننا إلى غابة وحوش تتقاتل لا غير. 
إن أكبر الميزانيات لاستيراد الأسلحة للدول العربية بدون منازع، ثم لدول العالم الثالث في أنحاء المعمورة كلها. وحيثما نجد بؤرة حرب، تكون ميزانية استيراد الأسلحة ضخمة جدا، وهذا يفسّر العلاقة الوطيدة بين الجهل والحرب. فالجاهل لا يتقن غير لغة العنف لحل مشاكله، وتفجير حرب في أي منطقة في العالم إن لم تتسم حكومتها بالحكمة، ولجأت للغة الحوار أولا، فإن الحرب لن تترك خلفها انتصارا إلاّ للجهل ونقل مجتمع بأكمله من حقبة إلى حقبة زمنية أخرى تعيده للصفر، إن لم يكن تحت الصفر بكثير.
نعم يتسلسل بنا الحديث من موضوع إلى موضوع حتى نصل إلى هذه المرحلة لندرك أن الحل لبلداننا في أيدي مثقفيه، وأن الحل السحري لكل أزماتنا وحروبنا ومشاكلنا يكمن في العودة لاستعمال «الكلمة» بصدق …
وحدها الكلمة لديها هذه القدرة العجيبة لإخماد نيران الموت المندلعة هنا وهناك، التي حوّلت حياتنا في العالم العربي إلى جحيم وشوّهت صورتنا أمام العالم كله، فنحن في أبسط أمور حياتنا لم نعد نستعمل الكلمة الصادقة لتحقيق سلامنا.
كل هذا الكلام إذن بدأناه بالحديث عن الكاتب وعلاقته بناشره، ولا شك أن البعض لن يتفق معي، وأنا كالعادة أحبذ أن يكون قارئي إيجابيا ويثري ما قلت، يضيف ويعلّق ويلقي الضوء على زوايا غابت عني، فأنا أؤمن حتى الأعماق بأن كل كلمة إضافية يكتبها قارئ متنور من مكان ما ستجعل رؤيتي أوضح للأمور، وستفيد غيري وغيره، لتتسع بقعة الضوء التي ستشملنا معا.
أخيرا أحب أن أهمس في أذن كل ناشر كذب على كاتبه بشأن البوكر، أن العالم صغير، وأن كذبته «سودة ومهبّبة» ولا تغتفر، وسأقدم بهذا الشأن تقريرا للجنة البوكر لتنشر قائمة كل الكتب المشاركة، مهما كان عددها في موقع الجائزة، ويا دار ما دخلك شر، واللي أوله شرط آخره نور…!
وللحديث بقية بإذن الله…
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *