الرئيسية / إضاءات / قيس بن الملوح.. سؤال حائر حول وجوده

قيس بن الملوح.. سؤال حائر حول وجوده


*سمير المنزلاوي

احتفى أبو الفرج الأصفهاني بروايات طويلة تؤكد أنه لم يكن في الدنيا يوماً، شخص
يحمل اسم قيس بن الملوح!
وقد وضع هذه الروايات تحت عنوان: “اختلاف الرواة في وجود قيس وجنونه”، في الجزء الثاني من الأغاني:
حدثني أيوب بن عباية قال: سألت بني عامر (قبيلة قيس المفترضة) بطناً بطناً، عن مجنون بني عامر فما وجدت أحداً يعرفه!
وهو قول خطير، يخرج من رجال، يعرفون أنساب القبيلة ويعتزون بها، خاصة إذا كان المسؤول عنه شاعر جرت بشعره الركبان.
ويواصل رواية أخرى تؤكد السابقة: “عن المدائنى عن ابن دأب قال: قلت لرجل من بني عامر: أتعرف المجنون وتروي من شعره شيئا؟
قال: أو فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين؟ إنهم لكثير!
فقلت: إنما أعني مجنون بني عامر، الشاعر الذي قتله العشق.
فقال: هيهات . بنو عامر أغلظ أكباداً من ذلك!”.
ويورد الأصمعي قولاً يعضد أقوال رجال أبي الفرج الأصفهاني، حيث يقول:
رجلان ما عرفا في الدنيا قط، إلا بالاسم: مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما وضعهما الرواة!
يبقى السؤال الحائر، لماذا وضع الرواة تلك الأخبار، وخلقوا هذا الرجل من العدم، بل وجعلوه مثالاً للعاشق المخلص، إلى حد الجنون؟
يجيب ابن الكلبي بإجابة عجيبة، ربما أعجب من السؤال:
“حدثت أن حديث المجنون وشعره، وضعه فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون، وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون، ونسبها إليه”.
بعد أن اطمأن الأصفهاني إلى إقناعنا بعدم وجود المجنون، انعطف إلى عنوان جانبي آخر هو: “اختلاف الآراء حول اسم المجنون”:
ذكر مصعب الزبيري أن اسمه الأقرع بن معاذ، وقال خالد بن كلثوم: اسمه مهدي بن الملوح.
وقال الأصمعي:
– سألت أعرابيا من بني عامر عن المجنون فقال: عن أيهم تسألني؟
فقد كان فينا جماعة رموا بالجنون، فعن أيهم تسأل؟
فقلت: عن الذي كان يشبب بليلى.
قال: كلهم كان يشبب بليلى!
فقلت: أنشدني لبعضهم، فأنشدني لمزاحم بن الحارث المجنون:
ألا أيها القلبُ الذي لجّ هائمـاً ** بليلى وليداً لم تُقطع تمائمـهْ
أفِق قد أفاقَ العاشقون وقد أبى ** لما بك أن تلقى طبيباً تلائمهْ
فَما لَكَ مَسلوبَ العَزاءِ كَأَنَّما ** تَرى نَأيَ لَيلى مَغرَماً أَنتَ غارِمُهْ؟!
أَجَدَّكَ لا تُنسيكَ لَيلى مُلِمَّةٌ ** تُلِمُّ وَلا عَهدٌ يَطــولُ تَقادُمُهْ
قلت فأنشدني لغيره منهم، فأنشدني لمعاذ بن كليب المجنون:
ألا طالما لاعبت ليلى وقادني ** إلى اللهو قلب للحسان تبوع
وطال امتراء الشوق عيني كلما ** نزفت دموعا تستجد دموع
فقد طال إمساكي على الكبد التي ** بها من هوى ليلى الغداة صدوع
قلت: أنشدني لغير هذين ممن ذكرت، فأنشدني لمهدي بن الملوح:
لو أن لك الدنيا وما عدلت به ** سواها وليلى بائن عنك بينها
لكنت إلى ليلى فقيرا وإنما ** يقود إليها ود نفسك حينها
فقلت له، أنشدني لمن بقى من هؤلاء، فقال:
– حسبك، فوالله إن في واحد من هؤلاء، لمن يوزن بعقلائكم اليوم!
ويشارك الجاحظ في إنكار قيس فيقول:
– ما ترك الناس شعراً مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعراً هذا سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح.
وبعد أن ينتهي الكلام عن انتحال شخصية المجنون وشعره، يعود الأصفهاني، فيتحدث عنه كشخص حقيقي عاش وأحب، ويروي الكثير من أشعاره ومواقفه!

________

*ميدل ايست أونلاين

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *