الرئيسية / مقالات / انزياحات لغة في مكتبة سرية

انزياحات لغة في مكتبة سرية


*لينا أبوبكر

زمان.. عندما كان الحب نيئا يشبه قماشة ورق له حفيف النار في عروق قصائد محرمة، كان الكتاب!

كنا نحب على طريقة اللصوص، الذين يسرقون اللغة من أدراج الرسائل السرية لأم كان عشيقها أب صاحب لغة، وأية لغة يا إلهي!
أول درس للشغاف هو الاختطاف، فيا الله ما أعذب ريق اللغة حين يتصبب من دم القلم يظل طازجا محتفظا بطعم الشفتين على رضاب أوراقه.. وإني أقر وأعترف أمام الله الواحد.. أعترف، أنني تعلمت لغتي من أول قبلة على ثغر الرسالة، فلا تسامحني يا الله.. ولن أزيد حتى لا تنقطع أواصر دمي بين قلم أبي وقلمي!
زوم اللغة
الآن وبعد عمر جائع من القبلات، لم أتذوق في حياتي كلها أعذب وأرق وألذ من فم اللغة!
متعتي بما يتيحه تراكم اللعنة من ادخار ثروة هائلة من طاقة بركانية كانت كفيلة بإنتاج بلورات جرانيتية ناعمة تحت الحمم الشفيفة، فكل ما هو قابل للانصهار يتحول إلى لغة، وهو تحديداً ما جعل الكتاب بالنسبة إلي ممارسة جديدة وأولى للسرقة على طريقة درجها السري!
هنالك حيث الكتب تحتشد بصور لا تلتقطها الكاميرات، إنما هي صور من كلمات، كان الرسم بها رهاناً على سبر البعد الدلالي لها، واستلهام بلاغة العبارة من إعجازها العلمي باللغة وحدها، على طريقة امرئ القيس في وصف الخيل مثلاً، والذي تناوله إدوارد مايبريدج المصور العالمي ومخترع الزوبراكسكوب، في كتابه «حركة الحيوانات»، مستعيناً بـ«مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطّهُ السيل من علِ»، يضبط المصور «زوم» الكاميرا على إيقاع تعبيراتها، فعين اللغة هي عدسة التصوير البصري الأولى في تاريخ الخليقة بعيداً عن التقنية الرقمية التي تشوه معالم الصورة.
قرص الحرف الثامن عشر
كنت أخاف كثيراً من القصص التي تلح على زميلاتي في المرحلة الدراسية المتوسطة أن أستعيرها منهن لكي أتعلم الحب، فلم أكن أثير الرجال، ولا أحسست مرة أنني أجذب أحدهم أو ألفت انتباه أي من الشباب الذين كانوا يصطفون على السور المقابل لبوابة المدرسة أو الجامعة لالتقاط سهم غرير من قرص الحرف الثامن عشر لأبجدية الغواية، هيئتي كانت صبيانية، ووجهي شاحبا، وعقلي لا يحتمل فكرة الأنثى، بينما وعاء عصبي البصري كان ضيقا بحيث ينقبض كلما اتسعت المخيلة، وأما قلبي فقد قُدَّ من حجر غرانيت كتلته معدنية سوداء، ومهما ملس أديمه يبقى صلداً قاسياً كشاهد قبر!
الكتاب وحده من يسمح له أن يمارس طقسا تحرشيا بلغتي، والغريب في الأمر أنني لم أكن أقع في غرام من كتبه بقدر وقوعي في غرام لغته، أما «مواسم الشمال» فأول كتاب تلصص على دخولي في لحمه ليلتهمني برشفة واحدة، خرجت بعدها من تحت الشراشف الورقية وقد ظفرت بمنديل عذريته.. شيء كرجفة القرمز السام في أصابع الدم: إنها قصيدة محرمة أو هكذا خمنتها!
لا بد أن أقرأ إذن.. ليس تعويضاً عن جوع ما بقدر ما هو اكتشاف جميل للحرمان، تدربت به على اللغة ولم أكن لأرضى بأقل من هذا الجنون!
انزياحات
معظم فتيات جيلي رأين في نزار مخلصاً، فكل قصيدة حب بالنسبة إليهن هي فعلُ أنوثة، أما مكمن الاستخفاف فقوامه الاستغراق بتحييد اللغة لصالح الانحياز لكاتبها، ولذلك تحديدا لم أر في نزار سوى شاعر سياسي وودت لو أكونه، أردد أشعاره في كل المظاهرات التي حرمت من المشاركة فيها. بالتالي لم أحب محمود درويش في الوطن، ولكنني أحببته في الغربة والموت، فكان أن مت قبله لتولعي بسرير غريبته، ولم أحب لوركا في أندلسيته بقدر ما فطر قلبي من وله في الخيانة، لأن امرأته ذات زوج، شغفها حباً، فهم بها وهمت، لكنه تمنع بعد أن رأى برهان لغته!
أما جون بيرجر فلم أقرؤه إلا في الرسائل، التي كتبها على لسان حبيبة أسير، لم أعرف عنه شيئاً سوى أنه يسرق من علبة سجائري أعواد ثقاب انتهت صلاحيتها! والمتنبي عندي هو عقلي، الذي لم أجده في الغزل، ولا يروق لي في المديح بقدر ما أُخِذْت بهجائياته وحزن حكمته وزفير أنفاسها الخشن.
حين أقرأ كتاباً، رواية، شعرا، كتابة تشوبها رقة فارهة، أصاب باختناق يسد مجرى الهواء في رئة لغتي، يتفاقم إلى عوارض اكتئاب ويأس دفعتني أكثر من مرة إلى خوض محاولات للانتحار فوق ورقة بيضاء، وهذا ما لم يغفر لي عند سلفيا بلاث، وقد أوثقت حبل الدخان حول رئتي أمومتها!
لم أجد عند ماركيز مثلاً ما يحفز طاقة البياض السلبية لدي، لأن قراءته كانت تعني الخروج من مأزق التلف اللغوي، الذي ينتاب كتباً فائضة عن حاجة البياض.
الرحلة مع الكتاب، هي رحلة كتابة أكثر منها قراءة، فبعد كل كتاب هناك لغة تتصبب كالعرق من دواة تشرئب لإراقة الغواية على وقع اللهاث فوق فضة القمر.
يبقى أن أشير إلى أن الصورة هنا هي من معرض الكتاب في أبوظبي، فهنا أمارس اللغة، بمتعة من يشنف الخطيئة ليسترق إليها الكتابة، لإحدى الحسنيين، فإما اللغة وإما اللغة!
________
*الاتحاد

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *