الرئيسية / مقالات / الذين يعرقلون الإبداع في وزارة الثقافة التونسية

الذين يعرقلون الإبداع في وزارة الثقافة التونسية



حفيظة قارة بيبان

خاص- ( ثقافات )

حين يأتي الخبر من فنان مثقف مبدع وملتزم فنيّاً وأخلاقياً، لايمكن ألا تصيبنا الدهشة والخيبة وألا نتساءل، أي معنى لتغيير وزاري، إذا كانت عقلية الحراس لمقاعد الثقافة المتنفذين داخل وزارة الثقافة التونسية خارج كل إمكانيات التغيير؟ عقلية مكبلة بقيود غامضة، تقصي المتفرد والمبتكر وتتعلل بمعايير مثيرة للدهشة والارتياب؟

يدفعني إلى هذا الكلام الخبر القادم من الفضاء الثقافي آيكار حيث تنشط المجموعة الموسيقية الملتزمة “أجراس” التي أسسها ويرعاها الفنان عادل بوعلاق صاحب الأستاذية في علم اجتماع الثقافة والفن وماجستير فلسفة الفن والأستاذ بالجامعة التونسية، الموسيقي الفائز بعديد الجوائز، والذي شرف الموسيقى الملتزمة التونسية في سلوفينا في 2006 وفي تولون عام 2010 وغرنوبل، بإنجاز عمل موسيقي شعري حول مخيال الريح مع جامعة غرنوبل، وأشرف على الكورال الوطني من 1998 إلى 2000، وأنجز أوبرات أطفال المتوسط في مهرجان الحمامات الدولي في 1992.. وقدم أعمالاً موسيقية متميزة كالجدارية والهدهد لمحمود درويش.

ولكن الفنان المبدع صاحب الرؤيا، مع الأمل في التغيير الجديد على رأس وزارة الثقافة التونسية، حين يقدم مطلباً لدعم “أجراس”، يجابه بالرفض لسبب مضحك مبكٍ على حال الثقافة في هذا الوطن “موسيقى تجريبية لايمكن دعمها”، هذا ما ورد في رسالة وزارة الثقافة. رفض للابتكار والتجديد من فنان جامعي مبدع، لصالح الفولكلوري والعادي.

أي معايير غامضة مثيرة للارتياب تجول داخل الوزارة ليقصى الإبداع بهذه الطريقة، من حقه في دعم المجموعة الوطنية؟ وأي تشجيع للثقافة النيرة لمقاومة الإرهاب، كما يتشدق بذلك عديد السياسيين والإعلاميين دون سعي حقيقي لذلك؟ أي تشجيع إذا كانت الثقافة مكبلة داخل الوزارة بتقاليد ضد ثقافة الابتكار، فلا تشجع على غير قتل الآمال والأحلام للعديد من المبدعين الحقيقين المترفعين عن طرق وإعادة طرق الأبواب؟

يذكرني هذا بمثال آخر لكيفية التعامل مع الجديد. كان المشروع الذي قدم في عام 2014، باسم الكاتبة حفيظة قاره بيبان والموسيقي عادل بوعلاق، لوزير الثقافة مراد الصقلي الذي تجدد به الأمل بعد رفض دعم المشروع من الوزير السابق. هو مشروع فني تربوي ينطلق من تجربة لاقت النجاح والاستحسان من المربين والتلاميذ، وذلك بإخراج القصة الموجهة للأطفال في سلسلة حكايات بنت البحر، إلى مساحات أرحب وتقديم مقاطع منها ملحنة ومغناة، فترغب في مطالعة الكتاب وترسخ الكلمة الأدبية في ذهن القارئ الصغير.

… نجاح التجربة ورغبة المربين في استثمارها في حصص المطالعة، حفزنا على تعميقها بالسعي إلى تقديمها في أقراص مضغوطة ثلاثية الأبعاد مع النص المكتوب لتصبح القصة عملاً فنياً وتربوياً هادفاً، يمكن الاستفادة منه على نطاق واسع، في المدارس (حصص الترغيب في المطالعة والتربية الموسيقية والتعبير الشفوي والتربية التكنولوجية) وفي النوادي وقنوات التلفزة.

وقدمنا كمثال قرصاً لقصة “رؤى والنجمة” (منشور على اليوتوب، يمكن للجميع الاطلاع عليه بنقر “قصة رؤى والنجمة”) ، تلحين عادل بوعلاق تشاركه في الأداء الصوتي مغنية الأوبرا آمال السديري.

ولكن المشروع الفني التربوي يقابل باعتذار الوزارة عن الدعم مع ملاحظة إمكانية اقتناء الوزارة أقراصاً بعد إنجازه. مع رفض المشروع الفني التربوي الهادف بإمضاء كاتبة وفنان فرضا وجودهما على الساحة وتوجا بعديد الجوائز، تقبل أعمال مكرورة وتدعم موسيقى الفولكلور وتقدم عشرات ومئات الملايين لأعمال مسرحية وسينمائية متواضعة، دون أن يقال لأصحابها، أنجزوا العمل وبعدها سنرى.

توالي رفض الوزارة – مع وزراء مختلفين – لمثل هذه الأعمال الجديدة، وتقديم أعذار مدهشة مضحكة كـ “موسيقى تجريبية لا يمكن دعمها” لموسيقي جامعي متميز مثل عادل بوعلاق، يثير التساؤلات التالية: هل مر هذا الرفض على مكتب وزيرة الثقافة، الكاتبة التقدمية التي نجل كتاباتها ونثق في حسن نواياها؟. أليست اللوبيات المعششة داخل دواليب مختلف الوزارات، هي السائدة والمتمكنة مانعة كل تطهير أو تغيير حقيقي؟ سؤال أخير يفرض نفسه في بلاد ترتع فيها اللوبيات والمصالح والفساد ولاتعرف كيف تحمي مبدعيها: أين هي ثورتنا؟ ألسنا في حاجة إلى ثورة جديدة حتى لا يهجر مبدعوها الذين تتلقفهم أحضان الخارج، هذه البلاد؟!

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *