الرئيسية / فنون / أن تولد فناناً في موريتانيا!

أن تولد فناناً في موريتانيا!


*عبد الله ولد محمدو


في موريتانيا يُولد الإنسان فناناً موسيقياً بحكم انتمائه لسلالات معروفة مشهورة تمتهن هذا الفن وتحتكره، إذ يكِلُ المجتمع الفن الموسيقي لمجموعة من الأسر العريقة، لا خيار للفرد داخلها في الانسلاخ من قدر هذا التصنيف الاجتماعي المتولِّد من تقسيم للأدوار ضمن نظام تكاملي، وتتمحض للموسيقى والغناء فئة تُدعى محلياً «إيكاون» أو «الشّعّار»، توارثوا هذا الفن كابراً عن كابر، ولئن كان تصنيف الطبقات الاجتماعية قد تأثر بشكل جوهري بفعل تغلغل مفهوم الدولة الحديثة في النسيج الاجتماعي إلّا أن الأسر الفنية لا تزال إلى يوم الناس هذا تقوم بدورها الموروث ضمن هذا التصنيف. ويطرح ارتباط الموسيقى في المجتمع الموريتاني بالجينات الوراثية إشكالية نبه عليها الباحث في التراث الموريتاني ومستشار مدير المعهد الموريتاني للبحث العلمي الأستاذ محمد فال ولد عبد الرحمن في لقائنا معه، تتمثل في كون الوراثة والصحبة والمجاورة والمعاصرة لن تشفع للذين حُرِمُوا الموهبة.، فقد لاحظ هذا الباحث أن حقل الموسيقى الموريتانية يعجّ بالأصوات التي لا تملك من مُقوِّمات ممارسة هذا الفن سوى الانتساب إلى بيت من بيوتات الأسر الفنية العريقة، التي أنجبت بعض الأعلام والنوابغ إذ ليس مجرد الانتساب – بحسب ولد محمد عبد الرحمن – بالسبب الكافي لاقتحام حلبة التنافس الموسيقي، فمجرد كون المتطفل على الفن الموسيقي من عائلة فنية عريقة، أو خاله الفنان المشهور فلان، لن يغني عنه في دنيا الفن شيئاً.

تعدُّد أصول الموسيقى الموريتانية 
لعلّ تعدُّد الأصول والمشارب أبرز سمة للموسيقى الموريتانية، وذلك بحكم موقع هذا البلد كملتقى لعِدَّة شعوب وحضارات تمازجت ثقافاتها، ويرجع الفنان الموسيقي الراحل سيمالي ولد همد فال -أحد أبرز الرواد المنتمين لهذا الحقل والمنظرين له- أصولَ الموسيقى الموريتانية إلى ثلاثة منابع أو روافد: منبع عربي، ورافد بربري، وتأثير إفريقي، ويستدل للأصول العربية بوجود «ربع النغمة» في جميع المقامات الحسانية، حيث تعدّ هذه الظاهرة مقصورة على الموسيقى العربية دون غيرها، أما التأثير البربري فيعكسه التركيب السلَّمي الخماسي، ويبدو جلياً في تسمية الآلات الموسيقية من «تيدنيت» وغيرها. ويتجلّى التأثير الإفريقي في بعض المسميات؛ من قبيل: «تن جوكه» و«ماغ جوكه»، وهي تسميات مأخوذة عن «الماندينغ» في دولتي غانا ومالي الإفريقيتين.
ويكشف الأستاذ والأديب التقي ولد الشيخ، الذي يعمل رئيس قسم بوزارة الثقافة في حديثه إلى مجلة «الدوحة» جوانب من خصوصية الموسيقى الموريتانية منها كونها مزيجاً من الطرب العربي الأصيل والموسيقى السودانية أو بالأحرى موسيقى دول الشمال الإفريقي، إذ لا يخفى وجود علاقة متأصلة لها بالموسيقى السودانية من حيث المقامات والوتر الموسيقي. كما تمتاز هذه الموسيقى بالمسحة الدينية البارزة التي تتجلّى في التقطيع بكلمة التوحيد أو الشهادة، كما نجد في مقامات الطرب والإنشاد نزوعاً إلى البعد الروحي في مقام «ابن وهيب» أو مقام «كر»، حيث يغلب التوجيه ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والتغني بالأشعار الداعية إلى التوكل، وحتى في مقام «فاغ» (التحريضي الحماسي) ينشد المغني الموريتاني أحياناً أبياتاً مُرقَّقة مثل البيتين: 
ليس الشجاع الذي يحـمـي مطـيّـته
يـوم النزال ونار الحرب تشتعلُ
لكنْ فتىً غضّ طرفاً أو ثنى بصراً
عـن الحرام فذاك الفارسُ البطـلُ 
ولهذه الموسيقى – كما يقول ولد الشيخ- خاصية الانضباط، فالفنان ملتزم بسُلَّم موسيقى وترتيب مُقدَّس لمقامات لا يمكن تخطيه.
وفي لقاء مع الأديب والشاعر وليْد الناس ولد الكوري ولد هنون، مستشار وزيرة الثقافة، يسترسل هذا الباحث الأكاديمي في سرد جملة من سمات الموسيقى الموريتانية، أبرزها أنها حاضنة للتراث مسجلة لكثير من ملاحمه، وموجهة للرأي العام، فمتى قام جواد بمكرمة وسجلها المغني بلحن غنائي ذائع الصيت تسابق الناس إلى محاكاة هذا الجواد في تلك المكرمة رغبة في الشهرة والذيوع بين الناس، وقد كانت السلم الموسيقية مبنية على أساس الأدوار؛ فمقام «كر» للمدائح النبوية ومقام «فاغ» للتحريض والحماسة، بينما يتخلّص الفنان عبر مقام «سنِّيمة» من الحماسة إلى الرقّة والوجدان فيجد في مقام «لبتيت» توجّهاً روحانياً.
وتحمل الموسيقى معجماً للتراث الشعبي بمختلف جوانبه مسجلة الحوادث فيما يتصلّ بالبيئة المحيطة بالإنسان من مكان أو حيوان، وللموسيقى بُعْد أسطوري كما هو الشأن في إيقاع (انوفل) فهو جِنّيّ كما تحكي الأسطورة قام بأداء هذا النغم الإيقاعي الذي يحمل اسمه.
وقد كانت للمغني – كما يقول ولد هنّون – منزلة عظيمة في المجتمع الموريتاني، تتجلّى في القيام بأدوار المصالحة بين الخصوم وفضّ النزاعات، كما أن له في المقابل القدرة على إشعال الحروب، ومما يسجل هذا الباحث اتصاف شريحة المغنين بالاتزان والرضا عن واقعها، وهو ما يمكن إرجاعه لقربها من الأمراء وأصحاب النفوذ، ومن ثَمّ تلبية مطالبها، فلا تكاد تجد متظلماً أو محتجاً داخل هذه الشريحة. 
ولطالما ردّد مثقفون كثر من داخل هذه الأسر الفنية من أمثال ولد همد فال السابق الذكر والمعلومة بنت الميداح الفنانة البرلمانية أدوارَ الفنان المتعدّدة المتمثلة في ممارسة النقد والتوجيه، فهو منبر إعلامي ذو قدرة فائقة على توجيه الرأي العام والتأثير في مسار الأحداث.
في موريتانيا أسر عريقة يولد الإنسان بها فناناً، وهي تختصّ بفنون الموسيقى والغناء بتزكية من المجتمع، فهل تحافظ أجيال هذه الأسر على احتكار هذا الإرث أم أن ثورة الإعلام والاتصالات والمعلومات والنظر إلى هذا الفن كمعرفة ذات قواعد وأصول مكتسبة عوامل ستساعد في نشوء جيل موسيقي جديد من مختلف فئات وشرائح المجتمع؟
______
*الدوحة

شاهد أيضاً

بوب ديلان..قصيدة إلى جواني

* خلدون الشمعة إذا صح ما يقوله الناقد الإنكليزي جون رسكن من أن “الشعر الغنائي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *