الرئيسية / مقالات / ذاكرتنا الفنية وسمعتنا في العالم

ذاكرتنا الفنية وسمعتنا في العالم


*بروين حبيب

هالني عدد نجوم السينما والدراما العربية الذين غادروا، من دون أن ننتبه لذلك، بعضهم غادرنا منذ أكثر من عشر سنوات، ولكن الحياة جعلتنا لا ننتبه لغيابهم. نتّهم الحياة لأننا لا نجد شمّاعة أخرى نعلّق عليها تقصيرنا تجاه النجوم، الذين لا نبالي بهم إن مرضوا أو كبروا في العمر وأصبحوا عاجزين عن إضحاكنا وإمتاعنا أو لأننا بكل بساطة خيبنا آمالهم كجمهور ناكر للجميل. 

هناك نجوم اعتزلوا الفن أيضا لم نهتم لاعتزالهم، كما حدث مع اعتزال شادية وشمس البارودي وشهيرة ونورا. ورعيل معين، أثار زوبعة كبرى في الإعلام العربي وأصبح الحديث الذي لم ينطفئ حتى طغى الخبر السياسي على الثقافي والفني تحديدا…
اليوم لا يهم إن اعتزل أحدهم، أو تحجبت إحداهن ووصفت عالم الفن بالقذر وأنّها خرجت منه لتعيش حياة نظيفة…
لم يعد يهمنا أن تتحجب أو تعتزل، أو تعتكف في صومعة خاصة بها… ولم يعد يهمنا أن يطلق أحد الفنانين نداء للجمهور أو المسؤولين بأنه يموت جوعا، أو يموت ببطء بسبب مرض عضال، بعضهم لا يتوفّر لديه حتى الدواء اللازم لتسكين آلامه…لا نأبه…لا نهتم، بل تصل بنا مازوشيتنا إلى استغلاله كمادة إعلامية تزيد من إذلاله، من دون أن تغير من مأساته شيئا. 
في القرن الماضي كان هاوي الفن يُحارب في بداية حياته، وتستمر الحرب عليه حتى يموت، أما اليوم فقد أصبحت النجومية مثل «الفاست فود»، يصنع النجم من لا شيء ويستهلك سريعا ثم يرمى جانبا، ولا يهم إن اختفى نجم في بداية حياته، أو سلكت النجمة الصاعدة طريقا آخر لها عبر الشاشة لتتزوج ملياديرا سعوديا يوفر لها الحياة الرّغيدة ويربح فيها ثواب توبتها وابتعادها عن الفن. 
فالمتهافتات على عالم الفن كثيرات، من دون أدنى مقاومة من الأهل أو المجتمع، ومجرد بث إعلان على الفضائيات لإطلاق برنامج لاكتشاف النجوم يجعل الموهوب وغير الموهوب والسخيف والأهبل يركضون بالمئات للتسجيل فيه والوقوف أمام الكاميرا لإجراء كاستينغ، والمضحك أن البعض يتحوّلون إلى مسخرة، لأن لا علاقة لهم بالموهبة أساسا لا من بعيد ولا من قريب. يقفون فقط أمام الكاميرا من دون أن تهمهم العواقب.
ويل سميث النجم الأمريكي الأسمر يرى عالم الفن كأنه ساحة وغى، ويقول «إن لم تكن حاضرا خلال قتالي فلا تتوقع أن تكون حاضرا خلال نجاحاتي»، وهذه المقولة الدقيقة التي تختصر عالم الفن تبين مدى أخذ الفنان الأجنبي النجومية بعين الجد، وأن الحرب لا تنتهي فيه حتى ينطفئ الفنان. لكن أيضا في هوليوود أو غيرها من استوديوهات السينما العالمية، هناك تقدير للفنان حتى يغادر، وتستفيد الأجيال الصاعدة من النجوم العملاقة من دون توقف، والبقاء للأقوى والأنشط والمشتغل على نفسه. إلى يومنا هذا لم تستغن السينما الأمريكية عن روبرت ريدفورد، وكلينت إيستوود، ومورغان فريمان وآخرين…
الفرق بيننا وبينهم أن الفنان يطوّر نفسه ولا يبقى في واجهة العرض مثل بضاعة تنتظر من يشتريها، فسريعا ينتقل الفنان من موقعه من أمام الكاميرا إلى خلفها، أو إلى الإنتاج، أو إلى التدريس ونقل تجربته وخبرته للراغبين في النجومية والنجاح.
نحن الشعوب التي تحكم على النجم من خلال مظهره، نحيل أي نجم إلى التقاعد بمجرد ظهور تجاعيد على وجهه، وإن تأفف من وضعه المادي وتوسل الأصدقاء أن يمنحوه دورا أو «يشغلوه» يشطبون عليه نهائيا، والمؤسف حين يتنكر له الجميع ويصبح بين ليلة وضحاها من نجم إلى منبوذ.
النجمة شادية التي اعتزلت في عز شبابها لم تعترف يوما أن اعتزالها كان بسبب إصابتها بمرض السرطان، وخوفها من الموت، ظل هذا السر حبيس محيطها الضيق، حتى لم تعد تهم اليوم أحدا… ولكنّها أساءت للفن كثيرا حين أخفت هذا السر، وقالت إنها اعتزلت حتى تظل صورتها جميلة في عيون معجبيها، ظنا منها أن نجوميتها ستظل أبدية، وأن الأجيال القادمة ستعرف من هي شادية. قالت أيضا إنها تابت على يد الشيخ الشعراوي الذي حوّلته إلى نجم فيما انطفأت نجوميتها هي، فانتشرت أفكاره الصحيحة منها والمتطرفة والمؤذية مثل النار في الهشيم، وبسببه نشأ جيل بأكمله يدين الفن ويدين كل من يتعاطى الفن، وجنّد نفسه لمحاربة كل ما له علاقة بالثقافة، تنفيذا لتعاليمه…
واليوم إن كان هناك من يحاسب على انتشار تطرف أفكار دينية مثل أفكار الشيخ الشعراوي فالذنب الأول يعود لفنانات مثل شادية وشمس البارودي وغيرهما، حين ألقين نجوميتهن عند أقدام شيوخ تعاملوا مع البشر كغنم، فأباحوا القتل، وأباحوا الرّجم، وأسسوا لفكر بعينه يقوم كله على الكراهية، وكأن لا حلول لمحاربة الفساد غير هذه الطرق التي جعلت مجتمعاتنا بدل أن تتطور، تقف مكانها وتدور نحو الخلف وتجري نحو عصر الجاهلية في ظرف قياسي. واليوم حين نستعرض كل هذه المتناقضات سندرك أن ما نعيشه اليوم من لامبالاة نتيجة حتمية لتصرفات لا عقلانية مارسناها في وقت مضى. نحن شعوب بلا ذاكرة. وإلاّ كيف يطعن نجم في مهنته؟ ويحاول إلغاء تاريخه كاملا، والتبرؤ من منجزاته وكأنّها خطايا، والمؤسف أن هذا النجم «الساذج» يفعل ذلك طلبا للغفران من المجتمع، فيما كان يجب أن يكون هو من يقود المجتمع ويكون الشعلة التي تضيء حياته. 
ولأنني أعشق إينشتاين، وأحب دوما أن أتقاسم حكمه معكم فقد تحدث في هذا الأمر أيضا حين قال «لا تحاول أن تكون مشهورا، بل حاول أن تكون ذا قيمة»، وهذا أيضا سر نجاح نجوم الغرب، وسر فشلنا نحن، ليس فقط على مستوى الفن، بل على المستويات كلّها. 
تموت برامجنا سريعا، نسعى لإرضاء الجمهور وصاحب المؤسسة، وأصحاب الإعلانات، والإعلاميين، نلعب بعدة كرات مثل مهرّج في سيرك، فنموت سريعا، لا برامج لدينا بلغت العشر سنوات، لا مسلسلات لدينا بلغت العشرين سنة، لا أفكار لدينا تبقى فارضة نفسها في سوق الإعلام المرئي لأكثر من سنتين وإن بقيت فإن دعما خفيا يكون ساندا للإعلامي الفاشل الذي يمرمر حياتنا كلما أطل على الشاشة ويروي هو وضيوفه سخافات حياتهم.. يحدث هذا من دون أن نفهم لماذا تموت البرامج القيمة وتبقى البرامج التي تبعث على الغثيان على فضائياتنا، مع استسخاف واضح للجمهور، بحيث أحيانا يتغير اسم البرنامج والديكور في بداية كل موسم، من دون أن يتغير المقدم وفريق الإعداد والمحتوى، حتى الضيوف تقلب بين الفضائيات فتجد الضيوف أنفسهم، وكأن العالم العربي فارغ من المواهب والقدرات الإبداعية.
في أمريكا تسنى لي أن أزور استوديوهات كثيرة كانت أول استوديوهات في العالم وشهدت ولادة نجوم كثر في شتى مجالات الإعلام بأنواعه، وحقيقة استغربت كيف أن أودري هيبورن لا تزال نجمة في كواليس تلك الأستوديوهات، نجمة في محلاّت تذكارات أمريكا، هي ونجوم آخرون أمثال ألفيس بريسلي، ومارلين مونرو، والقائمة طويلة لسردها، استثمار ضخم لصور نجوم هوليوود، لحماية الفنان من التهميش وحماية ذاكرتهم من النسيان..
هل صعب تنفيذ الفكرة في بلداننا؟ 
أراها سهلة جدا، لكن من لديه روح التفاؤل مثلي لينفذها ويمنح لشعوبنا هوية فنية راقية بدل هذه الهوية الجديدة التي تصنفنا ضمن «أقسى المجتمعات وأكثرها توحشا» إن لم أقل بكل صراحة أننا سمحنا لنصنف بأننا إرهابيون…!
من رأيي الخاص أن الفن والثقافة وحدهما يمنحان لأي بلد سمعته الجميلة لهذا رجاء حافظوا على ذاكرتنا الفنية لنستعيد سمعتنا الطيبة في العالم. 
وأترك لكم إثراء مقالتي بمزيد من الأفكار لأنني أثق في قارئ إيجابي موجود ولكنه لم ينل فرصته في التعبير. 
وللحديث بقية إن شاء الله …
_____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

صديق اللغة العربية وحامل صخرتها

ابراهيم نصرالله تبدو رحلة دنيس جونسون ديفز (1922-2017) مع ترجمة الأدب العربي أشبه بحكاية سيزيف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *