الرئيسية / إضاءات / غسان كنفاني: رواية لم تكتمل

غسان كنفاني: رواية لم تكتمل



*منى شكري

لكم كانت فرحة ابن مدينة عكا لا توصف، وهو يحمل ببراءة الأطفال حقيبة كتبه في أولى خطواته إلى مدرسة الفرير بمدينة يافا، يحدوه إحساس بالتميز عن إخوته في هذه المدرسة التي أتاحت له تعلم الفرنسية. لكن لم تكد تمضي بضع سنوات، حتى فجع هذا الفتى بأحلامه التي بناها، وهو يراها تنهار أمام عينيه شيئاً فشيئاً، وتحيلها وجوه غريبة إلى كابوس طويل سيلازمه وأبناء وطنه، ويغير مسار حياته وحياتهم إلى الأبد. 

كان ذلك عام 1947، عندما سمع غسان كنفاني بقرار تقسيم بلاده فلسطين، وشهد بأم عينه أولئك الغرباء، وهم يحتكون بأبناء حي المنشية بيافا، حيث تسكن أسرته قادمين من كيان جديد يدعى “تل أبيب” لا يزيد على مرمى حجر من مكان سكناه، في ظل هذه الأجواء المشحونة قرر والده العودة بعائلته إلى المنزل الذي بناه لهم في مسقط رأسه بمدينة عكا في محاولة عبثية لتجنب القدر المحتوم. 
في إحدى ليالي نيسان 1948 بدأ الهجوم الصهيوني الأول على عكا، استمرت الاشتباكات حتى فجر اليوم التالي، وكانت أسرته ضمن من تيسر لهم المغادرة بسيارة شحن أوصلتهم إلى صيدا، وبعد مقامهم في بيت متهالك أربعين يوماً في ظروف قاسية، حملهم القطار مع مهجرين آخرين إلى حلب، حتى استقر بهم المقام في منزل قديم مستأجر من منازل دمشق، لتبدأ مرحلة أخرى من الوعي المبكر الذي سينجب أهم روائيي “أدب المقاومة الفلسطينية”. 
ولد غسان كنفاني في عكا عام 1936عندما كانت أسرته تقضي الإجازة في مسقط رأس والده بخلاف بقية أشقائه الذين رأوا النور في يافا التي كان والده قد انتقل إليها، ليعمل محامياً بعد تخرجه من معهد الحقوق، واعتقل مراراً بسبب مرافعاته الوطنية دفاعاً عن شعبه خلال الثورة الفلسطينية في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان لذلك بدون شك أثر كبير في حياة غسان ثالث أبنائه.
بعد أن استقرت أسرته في دمشق عقب نكبة 1948 بدأت تتحسن أحوالها بعدما افتتح والده مكتباً للمحاماة، وبمجرد أن دخل كنفاني المرحلة الثانوية أخذ يعمل إلى جانب دراسته مدققاً ومحرراً في بعض الصحف، كما شارك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة، وكتب بعض الشعر ومسرحيات ومقطوعات الوجدانية بتشجيع من شقيقته التي كان لها في هذه المرحلة تأثير كبير في حياته.
بعد حصوله على البكالوريا السورية عام 1952 عمل مدرساً في مدرسة الأليانس للاجئين بدمشق إلى جانب دراسته الأدب العربي بجامعة دمشق، وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي، وكان معظم ما عرض فيه من جهده الشخصي، وذلك بالإضافة إلى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها.
ظل غسان حتى آخر رمق مسكوناً بالهاجس الوطني وصور المعاناة التي عاشها وخلدها في أدبه ورسوماته التي تطغى عليها مشاهد الريف والكوفية والثوب الفلسطيني المطرز.
ما لبث غسان أن انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، عقب انضمامه إلى حركة القوميين العرب على يد جورج حبش لدى لقائهما عام 1953، وفي أواخر عام 1955 سافر مدرساً إلى الكويت، وكانت شقيقته وأحد أشقائه قد سبقاه إليها. خلال تلك الفترة اندفع بنهم شديد إلى القراءة، حتى إنه كان يقول إنه لا يذكر يوماً أنه نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل.
لفت كنفاني الأنظار إليه في الكويت من خلال تعليقاته السياسية بتوقيع “أبو العز”، إضافة إلى عمله محرراً، كما كتب أيضاً أولى قصصه القصيرة التي حملت عنوان “القميص المسروق” التي نال عليها الجائزة الأولى في مسابقة محلية. في ريعان شبابه أخذت تظهر عليه كشقيقته بوادر مرض السكري، ما زاده ارتباطاً بها وبابنتها لميس نجم التي اعتاد أن يهدي لها في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية. في تلك الفترة زار غسان العراق إثر سقوط الملكية عام 1958، فكانت هذه الرحلة القصيرة ملهمة لأهم رواياته “رجال في الشمس” التي ظهرت عام 1963.
في عام 1960 غادر غسان إلى بيروت ليعمل مسؤولاً عن القسم الثقافي في مجلة الحرية الناطقة باسم حركة القوميين العرب آنذاك، وفي عام 1961 تزوج من سيدة دانماركية (آن) ورزق منها بولديه فايز وليلى. في بيروت التي أقام بقية حياته كان المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته للالتقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية، فتولى رئاسة تحرير جريدة “المحرر”، واستحدث فيها صفحة للتعليقات السياسية الجادة وقلدته في هذه الخطوة الرائدة كثير من الصحف المعروفة، كما أصدر فيها (ملحق فلسطين)، ثم انتقل إلى جريدة الأنوار، وبعد تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 أصبح ناطقاً رسمياً باسمها، إلى جانب تأسيسه مجلة “الهدف” الناطقة باسم الجبهة التي تولى رئاسة تحريرها حتى استشهاده.
وعلى الرغم من معاناته لاحقاً من مرض النقرس وآلامه المبرحة ظل صاحب “موت سرير رقم 12” كتلة لا تهدأ من النشاط السياسي والصحافي والثقافي والبحثي الجاد كما في كتابه الشهير “شعراء الأرض المحتلة” الذي أصدره عام 1966، ولفت فيه الأنظار إلى محمود درويش وسالم جبران وتوفيق زيّاد وسميح القاسم، ودراسته المتفردة “في الأدب الصهيوني” التي نشرتها مؤسسة الأبحاث. وما ميز غسان في إنتاجه الأدبي قصةً وروايةً ومسرحاً أنه كان دائم التفاعل مع قضية أمته من خلال الواقع الذي عاشه أو تأثر به، متجاوزاً خطاب البكائيات والتفجع وانتظار المنقذ كما يظهر في روايتي “رجال في الشمس”، و”ما تبقى لكم” التي نال عنها عام 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان، ويستكمل فيها مسار روايته السابقة مبشراً بالعمل الفدائي، بعدما حول رحلة هروب بطله عبر الصحراء إلى خيار مواجهة حتمية مع عدوه.
لذا، لم يكن من قبيل الصدفة استهدافه عام 1972، وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين بعبوة ناسفة، أودت أيضاً بابنة أخته لميس ذات السبعة عشر ربيعاً، وذلك ضمن قائمة أهداف “دقيقة” عملت “إسرائيل” من خلالها على ضرب عقل المقاومة وروحها وحماة ذاكرتها، فلم يهنأ لها بال في ذلك العام قبل أن تصفّي معه وائل زعيتر في روما ومحمد الهمشري في فرنسا؛ لأن “ذنبهم” كان أعظم وخسارة القضية بهم كانت أفدح؛ لأنهم أعطوا “القدرة على الحزن، وعلى الحقد، وعلى الانتساب” كما يقول الراحل محمود درويش في رثاء صاحب “عالم ليس لنا”. 
ظل غسان حتى آخر رمق مسكوناً بالهاجس الوطني وصور المعاناة التي عاشها وخلدها في أدبه ورسوماته التي تطغى عليها مشاهد الريف والكوفية والثوب الفلسطيني المطرز، وكانت حياته، رغم قصرها لوحة ملحمة ثورية دائمة، وماتزال كلماته شعارات تتردد رمزاً للنضال والمقاومة؛ “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية”، “ليس المهم أن يموت أحدنا، المهم أن تستمروا”، كأنه يوصي أبناء وطنه أن يكملوا مسيرة رواية لم تكتمل، للسارد الفلسطيني الأبرز الذي ظل طوال حياته يبحث عن نهاية لتغريبة إنسانية كان واثقاً أن فصولها لن تدوم طويلاً، وأنه لا بد يوماً “عائد إلى حيفا”.
________
* ذوات

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *