الرئيسية / إضاءات / سبانلو “شاعر طهران”المشاكس.. يرحل عاشقاً

سبانلو “شاعر طهران”المشاكس.. يرحل عاشقاً



*مريم حيدري

كأنّ الموت وحده له القدرة على أن يفاجئ كما يشاء. وأنت تهيّء بضعة أشياء صغيرة تظن أنك ستفاجئ بها الشاعر بعد خروجه من المستشفى، يفاجئك خبر رحيله. يفاجئ المحبين والمدينة والهواء والعالم ذات ليلة وأنت تغادر بيته شارباً نخبه بصحبة رفيقه القديم، تنتظر أن تزوره في اليوم الثاني لتقول له ما نسيت قوله قبل يوم. تعود إلى البيت فيرنّ الهاتف لتسمع من أحدهم أنّه رحل.

مازلت أسمع صوته حين أخبرنا قبل أسبوعين من رحيله عن سفره إلى الكويت، ومن فرط لطفه، كان يتقصّد أن يحكي لي عن العرب، آداباً وفنوناً وأوطاناً، لأنه يعتبرني واحدة منهم. يتحدّث عن حبه لصوت أم كلثوم، وفريد الأطرش، وأسمهان، عن لطف العرب الذين التقاهم خلال رحلاته، وحكايات عن العصر العباسي. في تلك الليلة الغريبة، في الغرفة الصغيرة نصف المظلمة، وهو نصف مستلقٍ على السرير، مستعيداً بعض طاقته بفعل النبيذ الأحمر، غير آبه بالسعال، والأورام، والألم في رئتيه، وأنا جالسة على الأرض أمامه، برفقة صديق وصديقة، كان يروي لنا عن لقائه ببورخيس، والحديث الذي دار بينهما عن «ألف ليلة وليلة»، وحب بورخيس لنيشابور. وبالقرب منا، في جانب من الغرفة، على الأرض، تحت رفوف الكتب التي تصل إلى السقف، ثمة كتب كثيرة بعضها فوق بعض، يقول انه يريد أن يجد أحداً يحملها إلى «كوباني».
بكلّ هذه البساطة، ورحابة الروح، والإنسانية، كنا نجد محمد علي سبانلو في كل زيارة. بعينين تحملان بريقاً خرافياً، وضحكة كأنه صقلها منذ عصور قديمة لكي تكون هادئة، وفاتنة إلى هذا الحدّ. بوجهه الجميل وقامته الرشيقة التي لم تنحنِ بفعل آلام السرطان الذي كان يعاني منه، وبفعل السنوات، يهبط بعصاه من الطابق الثاني، يقبّلنا، ويجلس على كنبته المعتادة. لم ألتق أحداً في حياتي يتحدث الفارسية بكل ذلك الجمال واللطف، بتلك النبرة الواثقة، واضعاً في حديثه كثيراً من الموروث الأدبي الإيراني والعالمي، الأمثال الشعبية، والحكايات، وكثيراً من النكات والذكريات.
هذا الشاعر هو شاعرنا. شاعر المدينة، والحرية، والحب، والحياة. هو محمد علي سبانلو، المولود في طهران عام 1940. لقّب بـ «شاعر المدينة» و «شاعر طهران» لكثرة اهتمامه بطهران وبمظاهر الحداثة والقدم فيها. وكان يقول دائماً إنّ هذه المفارقات، والمظاهر غير المتجانسة، الواقعة جنباً إلى جنب في طهران، تجذب انتباهه كثيراً: الأزقة الضيقة بالقرب من الطرق السريعة، البيوت التي تعود إلى عشرات السنوات بجانب مبانٍ شاهقة كحال المبنى الذي يسكنه. وذكر مرّة أنّ من يمرّ من فوق جسر في شارع كبير في طهران ويرى ملابس منشورة على حبال الغسيل فوق سطوح البيوت يعتقد لوهلة أنها منازل خرجت من عهد ناصر الدين شاه ألقاجار.
تخرّج سبانلو عام 1963 في فرع القانون في جامعة طهران، لكنه امتهن الصحافة ثم أصدر ديوانه الأول فی العشرين من عمره، ومنذ ذلك الحين، جذب اهتمام النقاد وأخذ مكانته في الشعر الإيراني.
في بداية الستينات، أسّس الشاعر برفقة عدد من الشعراء والكتّاب والمثقفين الإيرانيين مثل نادر إبراهيمي وأحمد رضا أحمدي وبهرام بيضائي وغيرهم جماعةَ «طرفة» الأدبية بهدف الدفاع عما يسمّى «الموجة الحديثة» في الشعر الفارسي. وقد أصدرت هذه الجماعة آنذاك كثيراً من أعمال الشعراء الشباب في إيران.
طالب سبانلو، طوال حياته، بالحرية، وخلافاً لكثير من الشعراء، كان في طليعة المشاركين في أيّ حادث اجتماعي أو سياسي يتعلق بحرية الشعب. لذا اعتُقل سبانلو مرات عدّة، ومنع من الكتابة سنوات امتدت من عام 1973 إلى 1977، حتى صدر كتابه «الهجوم» الذي كان ينتظر رؤية النور خلال تلك السنوات.
عُرف عن سبانلو مُعارضته الرقابة التي لاحقت طويلاً كتاباته، وهو يقول في أحد الأفلام الوثائقية التي أنجزت عنه: «ماذا يبقى للأجيال الآتية كي يعرفوا عنا، بعد ان تفعل الرقابة بكتبنا ما تفعل». هو شاعر شجاع إلى درجة كبيرة لا يتميز بها سوى عدد قليل من أبناء جيله. لم يكن يهمّه ما يترتّب على أقواله وحواراته ومطالباته. وهو كان من مؤسسي «نقابة الكتاب الإيرانيين» في نهاية الستينات، وهي مؤسسة مستقلة يتشكل أعضاؤها من الكتاب والشعراء والمترجمين والمحررين وطالما كانت رمزاً للكتاب الإيرانيين الأحرار.
واستطاع سبانلو أن يتميز بين شعراء جيله، ومن جاء قبله ومن سيأتي بعده ربما، بلغته الشعرية المتفردة التي تعكس عصياناً روحياً قلّما تجده في قصائد الشعراء الآخرين. هي لغة مفعمة بأيقونات شعرية وعلى تناص مع التاريخ والخرافة والأساطير والسياسة والاجتماع، هو الشاعر الملمّ بالأدب الفارسي القديم، والبارع في صنع التراكيب والأوصاف البديعة في الشعر.
ترجمت قصائد سبانلو إلى كثير من اللغات مثل العربية، الإنكليزية، الألمانية، الفرنسية… وحصل الشاعر الراحل على جائزة «ماكس جاكوب»، احدى الجوائز الشعرية الكبيرة في فرنسا، وعلى درع الأكاديمية الفرنسية. ومن أعماله: «الغائب»، «أجسّ نبض الوطن»، «سيدة الزمن»، «الفيروز في الغبار»، «جاليزيانا»، «ساعة الأمل»، «منفى في الوطن».
شارك الشاعر، في العقود الأخيرة، في مهرجانات دولية في أوروبا وأميركا، بصفته ممثلاً للأدب الفارسي المعاصر، وكان له دور بارز في تعريف الأدب الفارسي إلى العالم. ولم يكن سبانلو شاعراً عظيماً فحسب، بل تعدّدت أوجهه لتشمل الترجمة والبحث، والتمثيل أيضاً، فشارك خلال حياته الغنية في أربعة أفلام سينمائية إيرانية بين عاميّ 1972 و2001.
وخلال مسيرته الغنية، أصدر سبانلو ستين كتاباً، تأليفاً وترجمة وبحثاً. وتولّى ترجمة الكثير من الأعمال الأدبية العالمية إلى الفارسية ومنها لألبير كامو، وجان بول سارتر، وغراهام غرين، وغييوم أبولينير، ويانيس ريتسوس، وهوراس ماكوي. وألّف كتاباً بحثياً سرعان ما أصبح مرجعاً أدبياً واجتماعياً وسياسياً مهماً هو «شعراء الحرية الأربعة»، يتناول فيه حياة أربعة شعراء ناضلوا خلال الثورة الدستورية (المشروطة) في إيران في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهم: عارف، وميرزاده عشقي، وفرُّخي يزدي، وملك الشعراء بهار، علماً أنّ الكتاب صدر لأول مرة عام 1993 في السويد. وأنجز بحثاً مهماً في الأدبيات الإروسية في الموروث الأدبي الفارسي. وصدرت له في التسعينات رواية خارج إيران، كتبها باسم مستعار، لأنه لم يكن ليتمكّن من إصدارها داخل إيران. وهو أهداني إيّاها في زيارتي الأخيرة له، قائلاً: «إقرأيها كي تعرفي كيف كنا نقضي أيامنا وليالينا في ذلك الوقت».
«يحيى، اسم جميع الموتى»، هو واحد من أهم دواوين الشاعر، كتبه متأثراً بالحرب العراقية – الإيرانية، وتحديداً بعدما شاهد صورة لأطفال قُتلوا خلال قصف عنيف. وأشار سبانلو إلى أن اسم يحيى في الديوان، هو دليل على الحياة، كأنّه أراد أن يؤكد من خلال نصوص الكتاب أن أولئك الأطفال «القَتلى» لم يموتوا، بل هم أحياء وسيظلّون كذلك، أطفالاً لا يكبرون. ولكم هو واضح حبه للحياة وولعه بها حتى في هذه النصوص التي كتبها عن الحرب: «التقت الأفواه المطبقة الصامتة/ ليخرج منها صوت جماعي جميل/ مجموعة تضم في أجزائها، كؤوساً تتضارب/ تغاريد العصافير، والبلّور، والثلج/ وأغنية العمل والحياة والحديث».

وكأنه أراد أن يغادر العالم في وقته الصحيح، قبل أن تهدّ الأمراض قواه، وبعدما أنجز في حياته ما أراد أن ينجزه من نتاج أدبي وثقافي هائل. في مستشفى في طهران، رحل سبانلو، الشاعر الكبير في تواضعه وثقافته وإنسانيته، تاركاً لنا غيابه مثل حفرة كبيرة لا يمكن أن يملأها أي شاعر أو إنسان آخر.
_______
*الحياة

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *