الرئيسية / إضاءات / لينا هويان الحسن: الوعي الظاهراتي لسرديات الأنثى

لينا هويان الحسن: الوعي الظاهراتي لسرديات الأنثى


*علي حسن الفواز

تحاول الروائية لينا هويان الحسن أن تستقرأ التاريخ عبر مبنى سردياته، وتلامس المكان عبر سيميائية تحولاته في المتن النصي، والجسد عبر أسطرته وانتهاكه وخذلانه، والهوية عبر اغترابها.. هذه القراءات تضع المادة الروائية بوصفها رؤية عليمة ووجهة نظر مفتوحة، تتقصى زمنا واقعيا عبر منظورات سردية، مثلما تدرج فعالية السرد بوصفها نوعا من تدوين السيرة الذاتية، سيرة متحولة لشخصيات ومصائر وأمكنة، تلك التي تموضعها الروائية أمام لعبة تبئير داخلي ترتبط بزوايا نظر متعددة للشخصيات، ولما تكشفه من صراعاتها، إذ تسمح بالاطلاع على عوالمها الشخصية من خلال علامات خارجية، أي أنها تستدعي وعيا ظاهراتيا فاعلا يقوم على فكرة استدعاء الخارج إلى النص بوصفه محاولة في سردنة تاريخ شخصياتها المجهضة..
في رواية «الماس ونساء» الصادرة عن دار الآداب/ بيروت/ 2014 تتجلى العلائق بين التاريخ والسرد، إذ تستحضر هذا التاريخ عبر سيرة شخصياتها النسوية اللائي يحتفظنّ بشيفرة اللغز الحكائي، مقابل تحول سيرهنّ إلى مرايا متعددة لتعرية تاريخ مشوش سياسيا واجتماعيا عاشته الشخصية السورية في المكان/ الوطن، وفي المكان/المهجر، حدّ أن الشخصيات الذكورية تمارس وجودها السردي والواقعي في الظل، وعبر شيفرات ما تتركه البطلة/المرأة..
هذه العلائق تستقصي مصائر الشخصيات الروائية، من خلال منظور سردي ينفتح على التأويل، وعلى أنسنة عناصر السرد، مثلما يكشف سر اغترابها عن الواقع، وبما يجعل هذه الرواية وكأنها شهادة أو وثيقة تستنطق محنة الشخصية السورية من خلال مراحل تاريخية فيها الكثير من الاستلاب، إذ تتخلى الشخصية (البرجوازية) عن مكانها بسبب الخذلان والفقد والنفي والبحث عن الإشباع الطبقي ما بعد الحرب العالمية الأولى، وبسبب البحث عن الخلاص أو بقايا مجد خائب، أو بسبب فقدان المدينة/ دمشق هويتها، كما كانت برلنت تقول لكارلوس بأنها صارت «مزيجا من المخادعين واللصوص والقوادين الذين يديرون حملات اعتقال، وكتابة تقارير كيدية، تؤرّق أهل المدينة» ص 230 في النصف الثاني من السبعينات. 
البنية السردية للرواية تبدو وكأنها البنية الضدية للواقع، أو القوة المصممة المُفضية لاستعادة ما تبيحه القراءة الثقافية من آليات للكشف عن النسقيات المضمرة، وعن قبحيات عوالمها المضطربة والمشوهة.
الفضاء السردي لهذه البنية يتعالق بإيقاع حركة الحكايات الداخلية، تلك التي تتبدى على شكل مشاهد، أو وحدات سردية تتمثلها بطلاتها اللائي يقدمنّ مستويات متعددة من تمظهرات الصراع النفسي والجنسوي والوجودي، مثلما يقدمنّ شكلا للقص الذي تتداخل فيه الأزمنة، وتتشظى في داخله دوال لافتة تعبّر عن حركة قصدية للسرد، تلك التي تحدد ملامحها الروائية من منطلق سردنتها لتاريخ المدينة الدمشقية، والشخصية الدمشقية ..
تزمين الرواية يبدأ من بداية القرن العشرين ولغاية مرحلة الثمانينات من القرن العشرين، وهذا التأطير للزمن يصطنع له بالمقابل أنساقا تتمثل فيها طبائع الشخصيات في وجودها وفي صراعاتها، مثلما يصطنع له توصيفا معينا ينعكس على حمولات الفضاء السردي، تلك تستدعي معالجة مستويات التركيب والاسناد والصراع في الرواية، التي جعلت من موضوعة المرأة عتبة لكشف القيمة السيميائية لتلك الحمولات، بدءا من العنونة الرئيسية الموجهة، وانتهاء بالعناوين الثانوية، التي حملت أيقونات اسمية لشخصيات الرواية ولعلاقاتها وتحولاتها..
هذا الترسيم والتوصيف أسهم في تخصيب البنى السردية للرواية وتشغيل أحداثها، ليس للشهادة على مصائر الشخصيات، وليس لإيجاد ربط سسيوثقافي بين المرأة كموضوع جنسوي، والتاريخ كسياق لتمثلات الصراع، بقدر ما كان نوعا من القراءة الثقافية للنسقيات المضمرة في بنية التوازي، بين التاريخ والسرد، تلك التي تستدعي فعالية السرد الموضوعي الذي يراقب الأحداث بوصفها حراكا وتأويلا، وبوصفها إطارا سرديا يقوم على تبئير فعالية تتبع المروي، فضلا عن وظيفتها في كشف البنيات المجاورة، وفي تفجير المزيد من وظائف المتخيل السردي، مثلما هي وظيفتها في تعرية نفسية وتاريخية وطبقية لتاريخ وسيرة الشخصيات ولخفايا صراعاتها الداخلية في دمشق، وفي مدن المهجر والهروب (باريس- سان باولو- بوينس آيرس)..
شخصية (ألماظ) ليست شخصية حكاوتية، بقدر ما هي شخصية إشكالية في تكوينها الواقعي، وفي تصميمها السردي عبر هويتها، وعبر ما تنماز به من سمات. ولعل حرص الروائية على اصطناع فضاء روائي بسياق تعبيري وتشكيلي لعلائقها مع الآخرين، فإنها تلجأ أيضا إلى نوع من التجليات الظاهرة للتعاطي مع وحدات الرواية الأخرى، من خلال تنوع اشتغالاتها على الكشف عن شيفرات سردية، تلامس وتحفز على قراءة أسرارها وعقدها وطقوسها وشيفرات حياتها وأصولها المريبة، فضلا عن التعرّف على علائقها بأمكنة وحيوات ذات نسق اجتماعي وثقافي وسياسي ونفسي، لكنها بالمقابل تدخل إجرائيا في استنطاق حمولات تلك التشكلات، إذ تسحب حكايات نسائها ورجالها- الضحايا في أغلب أدوارهم – لممارسة وظيفة الكشف عن خفايا صراعات وجودية وشخصانية، إذ هي تعبير عن أزمة الإنسان السوري بعد تحلل النظام العثماني الطبقي والسياسي، وعن أزمة المكان، وبروز أشكال معقدة للصراعات، تلك التي يتفجر فيها الذاتي والتاريخي والطبقي والهوياتي «الهوية مرض ثقافي جميل ومزمن.. لن نعرف ما كسبنا حتى نعرف ما خسرنا» ص132 وهو ما يسبغ على هذه الشخصية الرئيسية في الرواية (ألماظ) بعدا تبئيريا يوجّه زاوية النظر إلى مراقبة الكثير من الأحداث التي تعيشها المدن، والشخصيات الأخرى، لاسيما ما يتعلق بالنظر إلى عوالم النساء الضاج، من خلال ما يتبدى في لحظات خذلانها العاطفي والجنسي، وتمردها وهوسها بالحياة، أو خلال قوتها وضعفها، وأنويتها الباحثة عن معنى، وحتى مصائرها الفاجعة تعبير عن ذلك الخذلان والعجز والاغتراب في المكان المعادي.. 
الجزء الأول من الرواية «الباخرة أوره نوف- المبحرة من بيروت إلى مرسيليا 1912) يتشكّل على بنية توصيفية للشخصية السورية المهاجرة، الهاربة، وعلى بنية المكان القلق، لكنه المعادي أيضا «الباخرة اوف، الباخرة سيلفيا- مدن المهجر المتعددة» تلك التي تستغرقها علاقات مشوهة «علاقات انتهازية- علاقة ملتبسة مع الزوج الكونت شاهين الخوري، علاقة شبقية مع البكباشي، علاقة غامضة مع الآخرين والأخريات».
هذا التشكيل السردي يستلهم روح المحلية الدمشقية من جانب، من خلال التفاصيل واليوميات والمظاهر والأزياء والعادات وعوالم البيوتات، مثلما يتدفق باتجاه ترسيم ملامح أكثر نفورا لتفاصيل مضادة، تلك التي تتمثلها الشخصية الأرستقراطية المهاجرة، وهي تتقصى عوالمها الملتبسة، والباحثة عن مظاهر للإشباع والثروة والهيمنة الطبقية في المهاجر، والأمكنة الباذخة التي تضيع فيها صورة المدينة المحتلة والغائرة في العتمة..
شخصيات هذه الجزء من الرواية تتلبسها شراهة الأمكنة وتضفي عليها بعض اغترابها، وأن حضورها يبدو أكثر انغمارا في لعبة تشكيل وجودها القلق، والمموه، بوصفها شخصيات غير مُشبعة، ومسكونة بخيبات، وبأوهام طبقية، وأن تحققها يتضخم من خلال استيهاماتها الجنسية كما عند الكونت، ومن خلال إشباعاتها الفيتشية، والطبقية كما عند الماظ وزوفينار، وعند نادجا الباحثة عن الفرص، وحتى شخصية الأبن كارلوس يتحول سلوكه إلى خيط سردي لإحداث فعالية تحول مفارق في الزمن السردي ذلك الذي يدفعه للانخراط في الهجرة العكسية بحثا عن ثروة أمه في سان باولو..
الجزء الثاني من الرواية أكثر تعبيرا عن أنموذج تشكيل مستوياتها السردي، حيث الشخصيات أكثر انفعالا، وأقل إشباعا، ذلك الذي يجعلها أيضا أكثر اندفاعا للبحث عن أسرار مصائرها، وعن خياراتها المفارقة، إذ يختار بوتان الكردي عالم البحث عن أصوله، والانخراط في لعبة السياسة، وكارلوس يرحل إلى المتاهة بحثا عن أوهام الغنى لثروة أمه الماظ خانم، وبرلنت االشقراء تفقد سحرها بسبب تورط ولدها الشيوعي، وبرلنت الكبيرة/ لطيفة تتحول إلى الشخصية الأكثر توازيا مع شخصية ألماظ في الجزء الأول، إذ تتماهى مع أوهامها وفقدانها عبر اصطناع صورة المرأة المهيمنة، صانعة اللذات، لكنها تبقى الأكثر شهودا على ذاكرة المدينة، وعلى تحولاتها المكانية والطبقية والاجتماعية والسياسية..
_________________

*القدس العربي

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *