الرئيسية / قراءات / الأبنودي . . شاعر الحياة والأحزان غير العادية

الأبنودي . . شاعر الحياة والأحزان غير العادية


*عزمي عبدالوهاب

“في حياتي أخطاء بالغة القسوة، ندمت عليها، لكن في الشعر، لم أندم على شيء، لأن الشعر مقدس، لا يأتي بقرار، هو هبة من الله”، هذا هو صوت الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي، يأتينا في اللحظة الأخيرة، قبل أن يوارى في الثرى، في المقبرة التي أعدها بنفسه، وأشرف على كل زاوية فيها، قبل الرحيل، سينسى الجميع هذه الأخطاء، ويبقى وجه الشاعر، الذي شف فعرف، واقترب فرأى، وكتب بلغة لم تكن في حاجة إلى جسور، حتى تصل إلى وجدان البسطاء .

حمل هموم “الغلابة” اليومية في قلبه، مثلما حمل أفكاراً إنسانية مجردة في ذهنه، أراد أن ينتصر لها بشعره، حين قال في قصيدة “خايف أموت”: “حاقولها بالمكشوف/ خايف أموت من غير ما اشوف/ تغير الظروف/ تغير الوشوش/ وتغير الصنوف/ والمحدوفين ورا/ مبتسمين في أول الصفوف/ خايف أموت/ وتموت معايا الفكره/ لا ينتصر كل اللي حبيته/ ولا يتهزم كل اللي كنت أكره/ اتخيلوا الحسره” .
أحب الأبنودي البسطاء، وأقام علاقة مباشرة معهم فأحبوه، وحملوه على الأعناق شاعراً كبيراً، لم تكن تعنيهم الحسابات المعقدة عن علاقة المثقف بالسلطة، وطوال الرحلة لم يخجل هو نفسه من انتمائه إلى الفقراء، ولذا صدقوا كل جملة شعرية، نطقها بلهجته الصعيدية التي لم تتبدل، وبها كان يرأب صدع العروض والموسيقى، فهو شاعر شفاهي في الأساس، تعلم في مدرسة الحياة، واستمد منها خبراته وعلاقته بالشعر .
وبالوعي الفطري شخص أزمة العلاقة بين المثقف النخبوي والجمهور، أدرك بحسه البسيط، الذي تربى على قراءة الوجوه في الشارع، لا على الكتب، أين يكمن الخلل، ولماذا لا تصل كلمة المثقف أو الشاعر إلى الناس . يكتب الأبنودي في قصيدته “الدايرة المقطوعة”: إذا مش نازلين للناس ف بلاش/ والزم بيتك . . بيتك/ وابلع صوتك/ وافتكر اليوم دا لأنه تاريخ/ موتي وموتك/ إذا مش نازلين للناس فبلاش/ مادام الدايرة ماكاملاش/ والحاجة ما تاماش/ وأصحاب الحاجة ما عرفاش/ إيه المعنى وأي بطولة/ ف إن حياتنا وأحلى سنينَّا/ يروحوا بلاش؟/ حاجة ما راكباش/ أنا وأنت بنلعب طول العمر/ دورين: طليعة وجماهير” .
يعي الأبنودي حدود الدور المنوط به شاعراً، حين يقول في أحد الحوارات التي أجريت معه: “العلاقة بالناس تبدأ بألا تفتعل الأشياء، فأنا قادم من منجم فقراء، منذ رحلت من قريتي البعيدة في جنوب الصعيد، وأنا قادم بهؤلاء الناس حاملاً على أكتافي همومهم وقضيتهم، ولا أستطيع أن أتخلى عنهم، وحين أنزل إليهم ينظرون في عيوني، وهم واضحون وأقوياء في الإدانة، مثلما في المحبة والتقدير” .
قبل أن تقرأ قصيدة الأبنودي ينبغي أن تطل على المنجز في شعر العامية المصرية، من خلال رواده عبد الله النديم وبيرم التونسي وبديع خيري وغيرهم، عندئذ ستدرك حجم النقلة النوعية، التي قفزت بها قصيدة العامية المصرية إلى آفاق أكثر رحابة، على يدي صلاح جاهين وفؤاد حداد والأبنودي وفؤاد قاعود، كانت القصيدة لدى الرواد تقترب من فن الزجل، وترتبط بمناسبة ما، أي أنها لم تكن تعرف غير الدور الوظيفي للشعر، وتحصره في باب النقد الاجتماعي والهجاء .
حقق عبدالرحمن الأبنودي المعادلة الصعبة فارتقى بقصيدة العامية، عبر شروط جمالية ولغة وقوالب جديدة، من دون أن يتخلى عن الوظيفة الاجتماعية للشعر، بل إنه كثيراً ما جرد قصيدته من الزخارف البلاغية والصور، ليهبط بلغة الشعر إلى نثريتها وعاديتها، مثال ذلك ما جاء في ديوانه الشهير “جوابات حراجي القط”: “أما بعد . . لو كنت هاودت كسوفي ع التأخير/ سامحيني يا فاطنة في طول الغيبة عليكم/ وأنا خجلان . . خجلان . . وأقولك يا زوجتنا أنا/ خجلان منكم . ./ من هنا للصبح . ./ شهرين دلوقت من يوم ما عنيكي يا فاطنة . . بلت شباك القطر/ لسوعتي بدمعك ضهر يدي” .
ولا يمكن أن نفصل صعود قصيدة العامية على يد حركة الشعراء الشباب آنذاك، وفي القلب منها الأبنودي، من دون النظر في الظروف السياسية التي كانت تمر بها مصر، والتفاف هؤلاء الشعراء حول مشروع نهضوي، يريد التقدم بالبلاد إلى الأمام، ولذا كان من الضروري أن يتطور الخطاب الشعري، ويجترح آفاقاً مختلفة، وهنا نستشهد بما كتبه الشاعر محمود قرني: “كانت ثمة حتمية لدى الشعر الجديد أن يعيد النظر في الدور الاجتماعي للفن، من دون أن يكون ذلك ضد وظيفته أو ضد قارئه، وقد كان الإدراك المبكّر للشاعر عبدالرحمن الأبنودي بحتمية إعادة النظر في القيم الجمالية البالية الموروثة عن تركة المحافظين من الشعراء الشعبيين، استباقاً واستكمالاً لوعي أسّس له رواد العامية الجديدة” .
الشعر هو مسيرة الأبنودي الحقيقية، ومن خلاله يترجم علاقته بالناس والوطن والمرأة والأصدقاء، و”للشعر منطقه الخاص وأوامره الباطشة في اللعب على منطقة القيام بين الحس والعقل، وهي المنطقة التي تتوارد وتتواتر فيها التداعيات من دون إرادة من مبدعها” على حد قوله، وفي شعره محوران أساسيان، هما الأم والرفاق، فدائماً ما تكون أمه فاطمة قنديل حاضرة في القصيدة، حتى إن آخر ما كتبه، ونشر في الأهرام، كان أربع حلقات عن أمه التي يسميها “فاطنة قنديلة” وكان يرى أن اللغة أنثت لأجلها، كذلك هناك قصيدته الشهيرة عن عمته “يامنة” .
كانت البداية الحقيقية للأبنودي، من “أبنود” مسقط رأسه، فقبل أن تطأ قدماه القاهرة، كان يرسل القصائد إلى الشاعر صلاح جاهين، محرر باب “شاعر يعجبني” في مجلة “صباح الخير”، وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 1961 نشر له جاهين قصيدة “الطريق والأصحاب” مسبوقة بمقدمة تقول: “عبدالرحمن الأبنودي يغلب على أشعاره طابع الفجيعة، وربما كان هذا هو الذي جعلني أخمن أنه مازال في عشرينياته الأولى، تلك السن التي نقف فيها أمام الحياة ببشاعتها، مصعوقين عاجزين عن تبريرها، فلا نملك إلا أن نتخبط ونرتعش وننتفض كالطائر الذبيح، لكني واثق بأن شاعرنا لن يلبث أن يرى من خلال طبقات الظلام المتكاثفة بصيصاً من النور” .
ويصف جاهين شعر الأبنودي في تلك الفترة المبكرة قائلاً: “أما عن شعر عبدالرحمن الأبنودي فهو على درجة كبيرة من التقدم، فصوره يختارها من الحياة اليومية، لكنه يستطيع أن يشحنها بالعاطفة، كما أن اكتشاف الشعر في زوايا حياتنا، التي أهملها الزمن، وإثراء عاميتنا بالتعبير الأدبي الخصب، لهو عمل وطني، قد يكون في أهمية اكتشاف البترول، في قفارنا إن لم يكن أهم” .
ظلت تيمة الأصحاب إحدى القيم العليا التي يحتفي بها الأبنودي في قصيدته، وفي القاهرة كانت الصداقة هي الكتف الذي يتكئ عليه، ففي قصيدة الأحزان العادية، وهي قصيدة موته، يقول: “ما أجمل نومة على كتوف أصحابك/ تنظر صادقك من كدابك/ تبحث عن صاحب أنبل وش/ في الزمن الغش” .
من يقرأ الأبنودي يرى علاقة مباشرة بين ما كتبه وما عاشه، فالتنقلات المهمة في حياته من القرية إلى القاهرة، ثم بناء السد العالي، ونكسة ،1967 ومن ثم حرب الاستنزاف، كل هذا جعل مصر موضوعه الأهم شعراً، ولم يكن يخشى أن تتهم قصيدته بالتقريرية والمباشرة، فقد عرف التجريب في ديوانيه “صمت الجرس” و”الفصول”، لكنها محطة سرعان ما غادرها، لينطلق شعراً في ديوانيه “الأحزان العادية” و”المشروع والممنوع” في ثمانينات القرن الماضي، من دون أن يسقط في فخ الزعيق السياسي .
لا يسقط القلم من يده في سنوات مرضه الأخير، فيصدر ديوانيه “الميدان” و”المربعات”، ويذهب إلى دار الخلود، تاركاً لنا موته في “الأحزان العادية”: “قبل مروري على بعض مكان/ كنت موصي يمه أفوت/ هجمت م الحارة مجموعة نسوان/ رقعوا بالصوت/ قالوا يا عبدالرحمن/ وقدرت تموت/ وتفوت اللحم العاري المتهان/ في المدن اللي معداش منها ريحة إنسان/ أنا مت/ ومش منظور لي جواب/ متحصن بكتوف الأصحاب/ ولذلك فت/ قعد الشيخ أوصاني/ واداني كتابي بيماني/ قال لي لو جولك ملكان/ قول أنا عبد الله مش عبدالرحمن/ ودعا لي في لحظة ما يقوم للعدل ميزان/ ينوبني شيء م العفو وبعض الغفران”.
______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

حارب الظاهري، سارد الألوان في “عين الحسناء”..

( ثقافات ) د. المعزّ الوهايبي  قد تكون رواية “عين الحسناء” لحارب الظاهري متينة الأواصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *