الرئيسية / قراءات / “سعيد” وكتابة التاريخ

“سعيد” وكتابة التاريخ



*ناصر أبو الهيجاء

( ثقافات )

يعرض شيلي واليا في كتابه؛ (إدوارد سعيد وكتابة التاريخ)، بصورة بانورامية مكثفة للمصادر التي ارتكن إليها سعيد في كتابة التاريخ، وإعادة النظر في الكتابات التاريخية التي تناولت المستَعمِر والمستعمرَ خارج الأطر التقليدية التي توارت خلفها الإيديولوجيات، والأفكار المقولبة. والكتاب، أساساً، محاولة في التأصيل النظري، تهدف إلى الكشف، جينولوجياً، عن المرجعيات الفكرية في نقودات سعيد، واتصاله بغير مفكر وغير مدرسة فكريّة.
يستهل المؤلف كتابه بمدخل عام يتعرض فيه إلى إشكالية المعرفة التاريخية متوسلاً أطروحات “التفكيكية” حول حصر اشتغال اللغة عبر “علاقات المعنى” من ناحية، ومركّب السلطة والمعرفة كما نلفيه لدى فوكو من ناحية أخرى. والمؤلف يسعى بذلك إلى تأكيد انعدام الموضوعية في المعرفة التاريخية، وهو أمر شُغل هايدن وايت به، نافياً القدرة على كتابة نص تاريخي موضوعي خالٍ من النظام والسببية والتماسك والحبكة، وهي أمور لا نراها، بالضرورة، في الواقع. ولا بد لقارئ الكتاب أن يلحظ ما يمنحه “واليا” للأدب من امتياز على غيره من ضروب الكتابة، متأثّراً بالفكرة التفكيكية التي ترى أن الأدب في حلٍّ من مهمة الإحالة التي أشغلت أشكال الكتابة الأخرى نفسها بها.
وكما يقول بول دي مان فإن “تاريخ الفلسفة كله بمثابة رحلة طويلة إلى دنيا الإحالة، دون أن تعي الفلسفة حقيقة كونها استمدت أصولها من مصادر بلاغية”، وينتهي صاحب الكتاب إلى استنساخ الفكرة ذاتها في قوله: “على الرغم من أن السرد التاريخي يستعير مادته من الشهادات الشفهية والمكتوبة والروايات التاريخية فإنه ذو طبيعة بلاغية”. ويسوق هذا المؤلف إلى القول بأدبية التاريخ، غير أنه يتعدى هذا المقترب في الانتهاء إلى مثل هذه النتيجة، عامداً بنوع من المفارقة -أو يمكن أن نقول التناقض- إلى طريقة تقع في صلب عمل المؤرخ، وهي البحث في الموضوعات وتشكلها تبعاً لتعاقبها في الزمان. فهو يردُّ أحد الأسباب التي فصلت الأدب عن غيره من الفروع المعرفية إلى “انهيار فلسفات التاريخ إثر كارثة عام 1848م، التي أحيت محاولات القرن الثامن عشر في تقسيم مجال المعرفة إلى مناطق واضحة الحدود، مما عاون على استقلال المباحث الجمالية ومعها الأدب عن مبحث التاريخ الاجتماعي”.
وببحث المؤلف في التاريخية التي رسّخت انفصال الأدب عن مبحث التاريخ، يكون قد أشرع الباب، دون دراية كافية، للقول بتاريخية الأدب عوضاً عن أدبية التاريخ. ولسنا هنا بصدد الخوض في مماحكة نظرية تخرج بنا عن إطار الكتاب العام. وما يعنينا، هنا، هو مدى انتظام مدخل الكتاب النظري، الذي أراده واليا تأصيلاً لفكر سعيد، مع النقد كما مارسه الأخير ونظّر له. فمن المعروف أن الفكرة التي تشدِّد على نصية النص لا على طبيعته الإحالية، وهو أمر عُدَّ امتيازاً للأدب، لم تشكل إغراءً لسعيد الذي قامت إحدى أهم أطروحاته على تصريحه: “أن الروايات والأعمال التي أناقشها أعدّها أعمالاً من الفن والمعرفة جديرة بالتقدير والإعجاب، أستمد منها أنا وكثيرون غيري اللذة، ونمتح منها الفائدة. ويتمثل التحدي لا في أن نربط هذه الأعمال بتلكما اللذة والفائدة وحسب. بل كذلك بالعملية الإمبريالية التي كانت هذه الأعمال بصورة جلية ومعلنة جزءاً منها”. ويشير الاقتباس السابق إلى أن سعيد لا يعالج النصوص الأدبية بما هي منجزات جمالية فحسب، وإنما بوصفها وثائق تاريخية بصورة ما، وذلك بما استبطنته واستظهرته من نزوعات إمبرياليّة .
وربما أفضى الزعم بانعدام الموضوعية في الكتابة التاريخية إلى ضرب من العدميّة التي استهدفها سعيد في نقوداته، إذ تتحدّد مقاربة سعيد بوصفها فاعلية نقدية أو تأويلية تجهد للكشف عما يستضمره ويستعلنه الأدب والتاريخ من خطاب إيديولوجي واحد يتعالى على اختلاف الحقلين، واستقلال كل واحد منهما بأدواته. لكننا لا ننزّه عمل سعيد من آثار النصية ، ممثّلة بمفهوم التناص تحديدا وذلك حين يقول:” يتعيّن النظرُ في قانون العودة لليهود، وحقِّ العودة للاجئين الفلسطينيين، وتشذيبِهما معاً. ونحتاج إلى أن نحدَّ من فكرتيْن على السواء: فكرةِ إسرائيل الكبرى باعتبارها الأرضَ التي منحها اللهُ لليهود، وفكرةِ فلسطين باعتبارها أرضاً عربيّةً لا يمْكن أن تُعزلَ عن الوطن العرب” إذ تستحيل فلسطين ,تبعا لهذا الاقتباس,نصّا يتبادل امتلاكه والإقامة فيه غير مؤلف .
ومن الجدير بالذكر أن المؤلف لا يربط بين أطروحات المدرسة التفكيكية والممارسة النقدية لدى سعيد ربطاً مباشراً، كما فعل عند تناوله بالبحث أثر فوكو في كتابة المفكر الفلسطيني، فمركب السلطة والمعرفة ومفهوم الخطاب لدى فوكو يحتلان موقعاً بؤرياً في كتابات سعيد، ولاسيما في كتابه الأهم: “الاستشراق”، وقد استثمر سعيد السابق كي يؤسس نظرياً لأطروحته، وهذا ما عرضه “واليا”، موضحاً أن مفهوم الخطاب يتعدى المستوى اللغوي تبعاً لفوكو. وبإقحام معاملي السلطة والرغبة من جانب المفكر الفرنسي في تشكيل الخطاب، فإن من الخطأ أن يُعزا أو يحال، حصراً، إلى ما يُكتب ويُقال. ويعمد المؤلف إلى الأسلوب ذاته في تقصيه لمركّب السلطة والمعرفة، مثلما نظّر له فوكو وأفاد منه سعيد. فهو يلقي ضوءاً على الطرح الفوكوي القائل بالطبيعة التكاملية وتبادلية الاعتماد اللتين تطبعان علاقة السلطة بالمعرفة، مستشهداً غير مرّة بكتاب “المراقبة والمعاقبة” لفوكو، الذي يعرض بالتفصيل لهذه الموضوعة، غير أن المؤلف يجازف حين يعمد إلى مطابقة مفهوم السلطة الفوكوية بدلالات السلطة لدى نيشته الذي يرى تبعاً لواليا “أن ماهية الحقيقة تُحدَّد من جانب الأقلية المتنفذة المالكة للسلطة”. ويلتقي هذا التوجه مع منظور فوكو الذي يؤمن، كما يزعم المؤلف، أن بمقدور مجموعة من الناس امتلاك السلطة لخلق منظور عالمي، إذا هم امتلكوا المعرفة. ويدلل واليا على ذلك بإيراده اقتباساً، يقول فوكو فيه: “تخلق ممارسة السلطة، بحد ذاتها، موضوعات معرفية جديدة، وتتسبب بانبثاقها”. وعلى الرغم من أن فوكو استعان في تطوير منظوره للسلطة بالأفق الذي أنارته فلسفة نيشته، فإن أهم نقاط افتراقه عن نيتشه في أنه لا ينسب للذات فاعلية سببية في تشكيل استراتيجيات السلطة. وكما يلحظ “دريفوس” و”رابينوف” في كتابهما؛ فوكو مسيرة فلسفية ، الذي يُعد من أشمل الدراسات حول فوكو، فإن “أحد الاختلافات المهمة بين نيتشه وفوكو، هو أنه حيثما يبرر نيتشه، غالباً، الأخلاق والمؤسسات الاجتماعية بتكتيكات معدّة من قبل محركين فرديين، ينزع فوكو، كلياً، عن هذه المقاربة الصفة السيكولوجية ليجعل من الحوافز السيكولوجية لا منبع استراتيجيات بل نتيجتها”. ويتبدى هذا واضحاً في قول فوكو إن “علاقات السلطة والمعرفة هذه ليست نتيجة للتحليل انطلاقاً من فاعل المعرفة، بل ينبغي أن نعتبر أن الشخص الذي يعرف، والموضوعات الواجب معرفتها، وأشكال المعرفة هي كلها نتائج لهذه المضاعفات الأساسية للسلطة والمعرفة وتحولاتها التاريخية”. أما ما يبني عليه المؤلف في اقتباس لفوكو حول ممارسة السلطة التي تخلق موضوعات جديدة، فلا يعني أن أناساً متعينين يمارسونها بل إنها تأتي في سياق التحليل الفوكوي للسلطة التي يراها موضوعاً يُمارَس وليس شيئاً يُمتلك. فضلاً عن أنه يراها مبثوثة خلال الجسد الاجتماعي ولا تتنزَّل من الأعلى إلى الأسفل. ولا نتقصد، هنا، الكشف عن توافقات نيشته وفوكو وتفارقاتهما، بالقدر الذي نتغيّا فيه الكشف عمّا وقع فيه المؤلف من زلل حين رادف بين عمليهما.
وما يعنينا أكثر –حول هذا الأمر- أن “واليا” يعود ليقرر في موضع آخر من الكتاب أن منظور فوكو للسلطة يؤكد “العنصر غير الشخصي” في عملها الذي يقصد إلى تشكيل الذوات وتاريخها، مما يؤشر على اضطراب منهجي يطبع رأي المؤلف حول مفهوم فوكو للسلطة، ولا سيما أن “واليا” سيعمد إلى تعيين “العنصر غير الشخصي” في عمل السلطة بوصفه نقطة اختلاف فوكو مع أطروحة سعيد؛ التي تقول “بوجود خطة واعية وقصدية في سيطرة الغرب على الشرق، فالحكومات والكتاب والأفراد، ليسوا ببساطة عوامل خاملة أو سالبة في مثل هذه الاستراتيجيات”. وفي واقع الأمر فإن مفهموم السلطة لدى فوكو ملتبس قليلا تبعا لما اعترف به الأخير ، وقد أشكل على سعيد ذاته كما يتبدى واضحا في الإقتباس الأخير.إذ أن فوكو لايقول بانعدام فاعليّة الأفراد كما اعتقد سعيد، وإنما لا يراهم فاعلين الا ضمن نظام خطابي أو ثقافي. فسيزيف فوكو لايحمل صخرة بل خطابا، وهو لا يمتلك ندحة من الوقت ليتأمّل بؤسه ويمنحه معنى لدى سقوط الصخرة كما هو الحال مع سيزيف كامو، وإنما هو مخترق بهذا الخطاب ومشروط به .
وربما أشكل المفهوم الفوكوي للسلطة على سعيد بسبب من طغيان النزعة الانسانية لدى الأخير وغياب المصادر اللاهوتية في تكوينه الثقافي؛ تلك المصادر التي تنحو منحى تجريديا وتنزيهيّا، وتنزع إلى ماهو مباين للإنساني بأثر من منطلقاتها المتعالية . بل إننا نعثر على كثير من العبارات التي تماثل مفهوم فوكو الإسماني “”nominalism للسلطة في الطبقات العليا كما الدنيا من الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكيّة. ومن ذلك ماجرى على ألسنة العامة من أن “المُلك عقيم”. ومن ذلك أيضا ما جاء على لسان المعتمد بن عبّاد حين خاطب صديقه الشاعر ابن عمّار الذي انقلب عليه قائلا: “أنّه مهما اختلف السلاطين أفراداً فانّ للمُلك طبائع مستقلة عن شخص السلطان، فان وافق طبعه تلك الطبائع فهو المُعتضد، وان لم يكن على وفقها طبّعته بها ولو بعد حين، يعينه على ذلك أفّاقون من أمثال إبن عمار؛ فذلك هو المُعتمد.” أما سعيد فلا يؤمن بما هو مُفارق للإنساني، وقد مثلت فكرة فيكو القائلة:” بأن الإنسان يصنع تاريخه وهو قادر على فهم ما يصنع” نقطة البدء والمعاد في نقودات سعيد ومنطلقاته النظريّة. يقول:” “إن صميم الأنسنية هي الفكرة العلمانية القائلة؛ إن العالم التاريخي هو من صنع بشر من رجال ونساء، وإنه يمكن اكتناهه عقلياً وفق المبدأ الذي صاغه فيكو في العلم الجديد إذ قال؛ إننا ندرك فقط ما قد أنتجناه” ويقول في واحدة من محاضرته : كنت خلال العقود الأربعة الأخيرة، مدرِّساً وناقداً وباحثاً ملتزماً بالفكر الأنسني؛ ذلك هو العالم الذي أعرفه أكثر من سواه”. 
أما دعوته لإبقاء هذه النزعة تحت مطرقة النقد حتى لا تنقلب هي الأخرى الى صيغة لاهوتية شمولية وجامدة فان ذلك لم يحرّرها، معرفيّا، من لعبة الإرجاء التي تغيب فيها الأسس المعياريّة ، ولم يخلّصها، أخلاقيّا ، من آفة الإقصاء. ويتبدى هذا واضحا في موقف سعيد من الدين الذي رفضه في تعاليه اللاهوتي كما في تمثّلاته البشرية . ويتكشّف ما ينطوي عليه موقف سعيد من تعميميّة و إقصائية لدى مقارنته بمقاربة هابرماس التي تنماز عن مقاربة سعيد أخلاقيا ومعرفيّا . وذلك حين رأى الفيلسوف الألماني، وهذا هو الشق الأخلاقي، “أنه من غير الممكن تفريغ المجال العمومي”public sphere” من كل صور الحضور الديني في مجتمعات تحتشد ذاكرتها بالعقائد والرموز والتقاليد”، وحين انتهى ، وهذا هو الشق المعرفي ذو الأصل الجينالوجي، إلى” أن نزعة المساواة الكونية التي انبثقت منها قيم الحرية وروح الجماعة والإنعتاق بل والديمقراطية هي إرث مستقى مباشرة من الأخلاق الدينية المتعلقة بالمحبة والعدالة”.

شاهد أيضاً

“شاربو النُّجوم” للشاعر الإيطالي: إرنستو راغاتْسوني

صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتابُ الثَّاني من سلسلة الشِّعر الإيطالي، وحملَ عنوان: “شاربو النُّجوم” لـ إرنستو راغاتْسوني. الكتاب يضمُّ مختاراتٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *