الرئيسية / فنون / مهرجان القاهرة السينمائي يستعد لدورة جديدة طموحة

مهرجان القاهرة السينمائي يستعد لدورة جديدة طموحة


*محمد رُضــا

صدر في الأسبوع الماضي قرار مثير للاهتمام عن مهرجان القاهرة السينمائي الذي ترأسه الناقدة ماجدة واصف. يقضي بتسمية الجائزتين الممنوحتين لأفضل ممثل ولأفضل ممثلة باسمي ممثلين معيّنين، كما هو الحال في بعض أهم المهرجانات الدولية. والممثلان المعنيان هما فاتن حمامة، التي سيُطلق على جائزة أفضل ممثلة اسمها، وجائزة أحمد زكي، الذي سيُمنح اسمه لجائزة أفضل ممثل.

القرار جيد بحد ذاته. كل من أحمد زكي وفاتن حمامة هما أكثر من ممثلين عبرا سماء السينما العربية والمصرية خصوصا. الأول كان نجما يمكن التمثّل به في موهبته واندفاعه لتشخيص الدور الذي يقوم به، والثانية أيقونة بين ممثلات السينما العربيات جميعا، وتاريخها الطويل في المهنة لا يجب أن يمر هكذا بعد رحيلها كما لو كان الرحيل هو مجرد إضافة لتراكمات الأمس كما هو الحال عادة مع الشخصيات الفنية الأخرى في العالم العربي بأسره.
* دول منتجة
* بدوره يحمل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي ستنعقد دورته الـ37 ما بين الحادي عشر والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) هذا العام، أسم «وزارة الثقافة»، أكثر وزارات الثقافة العربية والأفريقية نشاطا، كما بالنسبة لتعدد مناسباتها وأدوارها في المشهد الثقافي والاجتماعي المصري. هي تطبع كتبا وصحفا أدبية وثقافية وفنية، وتدير قصورا للثقافة تمتد عبر البلاد، كما تقيم مهرجانات ومعارض تشمل كل الفنون؛ من الرسم إلى الموسيقى والكتب، وفن الغرافيكس إلى الرقص المسرحي الحديث وفن الخزف وسواه.
السينما تأخذ حيّزا مهما من هذا البرنامج المتعدد؛ فالمهرجانات تقيم وترعى مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، ومهرجان سينما الطفل الدولي، كما مهرجان القاهرة السينمائي الذي هو واجهة البلاد السينمائية.
كذلك كان يمكن له أن يكون واجهة المهرجانات العربية السينمائية. بكلمات أخرى، كان يمكن له أن يزاول دوره كأهم مهرجان سينمائي يُقام في العالم العربي. المشكلة ليست فيمن تولاه في العامين الأخيرين (الناقد سمير فريد والناقدة ماجدة واصف حاليا) فهما من أفضل ما يمكن الحصول عليه من خبرات وعقول في هذا المجال، بل في الوضع القائم خارج نطاقه وسيطرة المهرجان ذاته.
في أفضل مراحله، تلك التي شهدت رئاسة الراحل سعد الدين وهبة له في السبعينات وجزء من الثمانينات، كان حال السينما المصرية أفضل بكثير من حالتها هي. لم يكن ذلك فعلا «صدفيا» على الإطلاق. مهرجانات السينما الكبرى تنطلق في عواصم ومدن تقع ضمن حزام من الإنتاجات المحلية والمشتركة. هذا هو حال برلين وفينيسيا وكان وتورونتو وبوسان الكوري وسان سابستيان الإسباني ولندن والمهرجانات الأميركية الأولى مثل نيويورك وسان فرانسيسكو وترايبيكا وصندانس وبالم سبرينغز. كل هذه المدن تنتمي إلى دول منتجة ومنتجة بغزارة، مما يتيح لها أولا إفادة السينما المنتجة داخل كل منها، على جانب، وجذب الأفلام الرئيسة والمهمّـة من حول العالم إليها.
مهرجانا أبوظبي ودبي يكادان يكونان استثنائيين في هذا المجال. فبينما لا أحد ينكر «دوليّـتهما» وحجمهما الكبير وقدرتهما على الاستقطاب، إلا أنهما يقعان في محيط لا يزال، نسبيا، جديدا على إنتاج الأفلام والسوق التجارية فيه مرتهنة للموزعين الذين عادة لا يرحّبون بأي تغيير يُطلب منهم لتشجيع السينمات محلية كانت أو عربية أو حتى أفلام أجنبية، ما لم تكن أميركية (ونوعا محددا منها على أي حال).
* الوضع الراهن
* المقصود قوله هنا هو أن قوة مهرجان القاهرة كمن سابقا، وسيبقى دائما مناطا بقوّة السوق الإنتاجية المصرية. السبعينات كانت مثالية في نشاطها السينمائي: جيل يوسف شاهين وعاطف سالم وكمال الشيخ وصلاح أبو سيف وسعد عرفة كان لا يزال نشطا وجيل كمال حسين وأشرف فهمي ومحمد خان وعاطف الطيّب وسعيد مرزوق كان بدأ يستعد أو ينطلق.
الإنتاج السينمائي المصري كان يوحد الجمهور العربي في كل مكان بلا منازع. كان موازيا في حضوره للسينما الأميركية، وكان في رواجه متقدّما عليها في كثير من العواصم العربية.
التراجع، ولأسباب لا مجال لذكرها هنا، بدأ في النصف الثاني من الثمانينات وإن ليس بالكمّ أولا بل بالنوعية. على ذلك، بقيت السينما المصرية قادرة على النفاذ من حصار الوسائط التقنية الجديدة (آنذاك)، وفي مقدّمتها أشرطة الفيديو. في التسعينات، ومع مطلع هذا القرن، تراجع حضور الأفلام العربية في العواصم وإن لم يختفِ مطلقا، لا آنذاك ولا اليوم. هذا الحضور هو المنطلق الممكن لاستعادة زمام المبادرة فيما لو تم إيقاف التدهور الحاصل في نوعية الأفلام المنتجة ورسم خارطة لأهداف جديدة يمكن من خلالها تنشيط الصناعة السينمائية وحمايتها من المغامرات الإنتاجية السريعة.
الجانبان الرسمي، المتمثل بوزارة الثقافة، والخاص، المتمثل بشركات الإنتاج والتوزيع، يستطيعان معا رصد نقاط الضعف في الوضع الراهن للسينما المصرية ومعالجتها طالما (وهذا هو الشرط الصعب) أنهما قادران على الخروج من متاهة تكرار المناهج السابقة. بعض هذا الخروج عليه أن يتعرّف لا على الموانع فقط، بل على ما يجعل الصناعات السينمائية في بعض دول أوروبا نشطة وناجحة، رغم وسائط العرض المختلفة التي غزت الأسواق وحوّلت جانبا كبيرا من الجمهور إليها. المؤكد، حتى بالنظر إلى نجاحات أفلام مصرية حاليا مثل «يوم ما لوش لازمة» و(قبل حين) «الجزيرة 2» (كل منهما تجاوزت إيراداته العشرة ملايين جنيه مصري)، أن الجمهور ما زال موجودا، والجزء المختفي منه لا يمانع في العودة إلى الصالات الكبيرة إذا ما أدرك أن الأفلام باتت، أخيرا، تعترف له بأنها أخطأت في حقه عندما فرضت عليه النوع الواحد من الأفلام.
آنذاك يمكن، تلقائيا، تحرُّك قطار المهرجان بوقود جديد. ما حدث في العام الماضي هو إعادة تشغيل المهرجان بعد فترة توقف لا ريب أضرّت به خصوصا أن السنوات القريبة لهذا التوقف كانت تعيش فقط على أوهام الأمس والتاريخ. بالتالي، إذا ما تم إيقاف الربط بين مهرجان القاهرة والسياسة السياحية من ناحية والأمنية من ناحية ثالثة خلصنا إلى عهد جديد على المهرجان فيه أن يقف على قدمين ثابتتين تخصّانه. على صعوبة ذلك، إلا أن البدء بتنظيم البيت السينمائي في مصر بمنأى عن أي غرض آخر سوى استعادة نشاطه السابق وتعدد أنواعه ونوعياته، سيقود بلا ريب إلى ضخ النجاح في شرايينه.
لم يكن التقصير في من تولاه بعد ثورة يناير. سمير فريد كان الشخصية المثالية لمثل هذه الإدارة، وليس العيب فيمن تولته الآن؛ فالزميلة ماجدة واصف لديها الخبرة ذاتها التي لسمير فريد، وتعرف ما تريد وكيفية تحقيقه. التقصير كان دائما في بعض من ترأسه سابقا، كما في المحيط الصناعي والفني المحيط، وتحوّله إلى مناسبة تنـفّذ بقرار، لأنها عليها أن تبقى عوض أن تبقى وتتطور.
طبعا هناك ما يمكن عمله ضمن المهرجان نفسه، وفي مقدمة ذلك خلق حوافز للسينمائيين المحليين والواردين من الخارج. بما أن السوق المصرية محدودة القدرات بالنسبة للمنتجات الأوروبية، فإن المقترح الممكن هو تحقيق حوافز لاستقطاب المواهب العربية، كما كان الوضع سابقا.
الاحتفال نفسه عليه أن يبقى كبيرا، لكن في حدود التنظيم والمشاركات والفاعليات، وليس في أي شكل استعراضي ينقل زواره إلى مواقع أثرية في حفلتي الافتتاح والختام. هو مهرجان للسينما، وعليه أن يبقى على هذا النحو، وأن تنبع نجاحاته من هذه الحقيقة.
_______
*الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

بوب ديلان..قصيدة إلى جواني

* خلدون الشمعة إذا صح ما يقوله الناقد الإنكليزي جون رسكن من أن “الشعر الغنائي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *