الرئيسية / إضاءات / أيتها الفتاة، جمالُك، ربَّى كثيراً من المواشي: شعر العامية الصيني(دراسة ونماذج)

أيتها الفتاة، جمالُك، ربَّى كثيراً من المواشي: شعر العامية الصيني(دراسة ونماذج)



يارا المصري *

( ثقافات )


يقول المثل الصيني (كل يوم أشياء جديدة)

ومع التحول الكبير الذي تشهده الصين الحديثة منذ أكثر من أربعين عاماً، كان لا مناص من أن يكون ثمة (أشياء جديدة) في الشعر، وهذه الأشياء الجديدة تولى كتابتها شعراء بلغة بلدهم الدارجة، تلك اللغة التي لا يوجد فارق كبير بينها وبين اللغة المستخدمة في الصحافة والتعليم والإعلام والتواصل اليومي.

وهذه الدراسة القصيرة للشعر الصيني الحديث والمكتوب بلغة الماندارين واللهجات الدارجة، هي عمل في الترجمة والتحرير لعدد من المقالات النقدية التي تناولت هذا الشعر على مواقع الإنترنت الصينية المعنية بالشعر والإبداع في الصين، التي تتغير وتتطور بوتائر سريعة، لنشاهد (آلاف التطورات في طرفة عين) كما يقول أيضاً المثل الصيني.

مع خروج الكتابة الشعرية في الصين من أشكالها الكلاسيكية المتوَارثة إلى أشكال جديدة تستخدم اللهجات الدارجة ولغة الماندارين العامية، أصبح الصينيون كلما يقرؤون شعراً عامياً، يشعرون تلقائياً بهذا الإحساس: هل يمكن أن تتحول هذه اللغة العامية إلى شعر؟، وإذا اعتبرنا أن العامية يمكن أن تكون لغة شعر، إذن هل حديث الناس مع بعضها البعض في الأحوال العادية يمكن أن يكون شعراً؟، ومن هنا، هل نعتبر كل الناس شعراء؟. 

لقد انتشرت خلال العشرين عاماً الماضية أشكال الكتابة باللهجات الدارجة وعامية الماندارين، الأمر الذي دفع الصينيين إلى انتقاد هؤلاء الشعراء الذين يكتبون باللغة العامية، بإطلاق الكثير من الأحكام الخاطئة والمضللة عليهم، وعدم الاعتراف بهم واتهامهم بالتسبب في انهيار منظومة الشعر الكلاسيكي في الصين، ونالت الأشكال الجديدة من الكتابة الشعرية أوصاف مثل: “قصائد منطقية جداً أو عامية جداً أو حتى مزعجة.


وخلال تلك الفترة التي كان الشعر العامي يتعرض فيها للتهكم والسخرية اللاذعة كمجال أدبي جديد، أصبح الشعر العامي بلغته الغنية بمفرادات الواقع المباشر ومعانيه، من أحد أهم الأسباب التي ساهمت في ازدياد الوعي باللغة في الشعر.

في السابق، كان الصينيون يعتبرون اللغة الأدبية نوعاً من الأداة للتواصل ونوعاً من الناقل، لكنها جزءٌ من شكل الأدب، وإن كانت تقوم فقط بعملية التواصل. ولكن لغة الشعر، ليست ناقلاً وأداةً للتواصل فحسب. وإنما هي كغيرها من اللغات الأخرى، نوعٌ من الظواهر الثقافية، لأن الإنسان هو من يقوم بعملية الإبداع والابتكار المتفرّد في اللغة، واللغة هي نوع من العلامات المميزة للإنسان وأحد صفاته، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بتركيب وشكل وتفكير الإنسان، وإن الشيء الأعمق في التفكير هو مفهوم الإنسان، ويجب على لغة الشعر تحطيم القواعد المألوفة، ولكن كيفية تحطيمها والتخلص منها يتطلب نموذجاً معيناً ومفهوماً للتحطيم.

إن ظهور الشعر العامي في غمار التصادم العنيف بين الثقافة الصينية والغربية، جعل الشعراء يتحررون تدريجياً من المفاهيم الأخلاقية تجاه العالم، واتجهوا إلى تأمل العالم بذاته، وبخاصة تأمل حياة الإنسان. وفي وجهة نظرهم، العالم وهمي خيالي، ولا يوجد نظام لانتقاد الأخلاق، فالعالم قائم بذاته كما هو، فلا شيء يستحق أن يكتسب صفة الجمال، ولا شيء يستحق أن يكتسب صفة القبح.

إن الإنسان ضئيل في هذا الكون اللانهائي الغامض. وقد أنتج الإنسان المعاصر الذي يعاني من الوحدة والإرهاق وغيرها من المشاعر، وبسبب رؤية الشعراء الجدد أن الكون قائم بذاته، فإنهم لا يرون حاجة للغضب العارم، وأسلوب حياتهم لا يضاهي شعراء كـ: قوه مو روه، وين يي دو، آي تشنغ، لي جي وغيرهم، كما لا يضاهي شعراء مثل بي داو، و غو تشانغ. وهم لا يغنون للجمال، أو يحزنون ويقلقون لفقدانه، بل هم على استعداد لمواجهة الشرط الأساسي للعالم من أجل إرساء قواعد للحياة.

 إن هذا المفهوم واستخدامه كنموذج فكري لرؤية العالم هو ما حسم شكل لغتهم المستخدمة وجعلها بهذا الشكل العامي، كما أن بساطة شعرهم هي ما جعلت دلالته بسيطة وعذبة، ولغته العامية قوية.

وهنا، أود الاستشهاد بقصيدة “الشعراء الجائعون” للشاعر وو وين جيان الشهير بـ (عيسى) كأحد الأمثلة على الشعر العامي الصيني:

“الشعراء الجائعون”


أيها المرتاحون

تمارسون مهنةَ الزراعةِ من جديد

تُحَضِّرُونَ تجهيزات الزراعةِ والفلاحةِ أيضاً

يأتي الربيع ويذهب الخريف

تتصببون عرقاً

تحصدون القمح

تظنون القمحَ هو أنْفُسَكُم

هل تُذْرَفُ الدموعُ من أجل امرأة؟

حسك القمح يشبهكم مُستندين على صحفةِ خدودكم

هل شعر الخنزير ناعم؟

ازدحمتم على طريق التشرد في ذلك العام

قمح الشمال نما لوحده

يُلوِّح مُنحنياً

مِنجلُ نور الشمس يقطع أعوادَ القمح

وانقطاع الاتصال الأخير بين أعناقكم والأرض

جعلكم مُكتملين

لقد شبع الشعراء

حقولُ القمح الممتدة على مدى البصر

انتشرت رائحتُها في بطونهم

أعظمُ مَدينيٍ كسول 

يعمل فلاحاً شريفاً في الشعر

القمح، يعتمد على مُسمّى الشمس والمطر

أنادي: جَوِّعُوهُمْ

أيها الشعراء الكلاب

جَوِّعُونِي أنا أولاً 

شريكٌ أنا في جريمةِ تلويثِ الأرض بالحبر

ابنُ حرامٍ في عالم الفن.




هذا شعر عامي، ولغته كلها بسيطة. وعند قراءتك للقصيدة تشعر أنها ليست شعراً، ودائما يروادك شعور بأنه شيء غريب وغير مألوف، ولكن عند يروادك هذا الإحساس، فهذا معناه أنك قد دخلت “تفكير” الشاعر. والفعالية الذي يُحدثها الغريب وغير المألوف هو ما يثبت أن الشاعر قد حطّم القواعد المألوفة للغة.

وقراءتك لهذا الشعر العامي يعطيك إحساساً بطعم الماء المغلي، الذي هو في الحقيقة لا طعم له، لكن عندما يصلك هذا الإحساس، فستكتشف أنك اندمجت اندماجاً تاماً مع تأثير الجمل الشعرية بذاتها والأشياء التي يريد أن يعبّر عنها الشعر، وقد أطلقنا عليه مُسَمَّى “داخل الأشياء الشكلية تكتشف المضمون”.
وقد استخدم الشاعر جمله الشعرية المميزة المكررة تمهيداً لخلق جو من المبالغة فيما يتعلق بموضوع القصيدة ” الجوع”، يقول الشاعر:

قمح الشمال نما لوحده

يُلوِّح مُنحنياً

مِنجلُ نور الشمس يقطع أعوادَ القمح

وانقطاع الاتصال الأخير بين أعناقكم والأرض

جعلكم مُكتملين

لقد شبع الشعراء

حقولُ القمح الممتدة على مدى البصر

انتشرت رائحتُها في بطونهم

أعظمُ مَدينيٍ كسول 

يعمل فلاحاً شريفاً في الشعر

القمح، يعتمد على مُسمّى الشمس والمطر

وإذا ما توقفت القصيدة عند هذه الجملة، فستصبح فعلاً من دون معنى، ولكن السطور الخمس الأخيرة جعلت غرض القصيدة والمفهوم الفني الذي تحمله ذا عمق أكثر، كما أن بساطة الأسلوب تحمل تأثيراً قوياً:

أنادي: جَوِّعُوهُمْ

أيها الشعراء الكلاب

جَوِّعُونِي أنا أولاً 

شريكٌ أنا في جريمةِ تلويثِ الأرض بالحبر

ابنُ حرامٍ في عالم الفن.

وقد استعار الشاعر هنا “الشعراء الجائعون” للتأمل بعمق في أحوال تطور الشعر في العصر الحديث، وتحتوي القصيدة على أكثر من صورة للصمت الموحي، كما أن الخمسة أسطر الأخيرة تعطيها نهايةً منيرة.

في هذا النوع من الشعر العامي، لا ينتهي غرض القصيدة ومفهومها الفني بانتهاء الأسطر الشعرية، فالأشياء الخفية الأخرى تُترك للقارئ لاكتشافها، وهذا هو سحر الشعر..!

عند قراءة هذا الشعر العامي، لابد لنا من تغيير طريقة قراءتنا وتحليلنا التقليدية للقصيدة. كان الشعراء القدامى يهتمون بشكل القصيدة (الجملة أو السطر الشعري الذي يحمل المعنى الأقوى والأكثر تعبيراً عن معنى القصيدة)، والشعراء أمثال قوه مو روه، وين يي دو، آي تشنغ، لي جي، قوه شياو تشون، بي داو، وغيرهم يهتمون بالسطر الشعري، لكنهم يمزجون بين المهارة والتفرد في التعبير عن الشكل. لكن شعراء كـ: يو جيان، “وو وين جيان ـ عيسى”، فإنهم يهتمون أكثر بالإيحاء. هم لا يريدون أن يستخدموا كلمات عدة للتعبير عن شكل القصيدة، ولا يريدون أن يجعلوا كل سطر شعري في القصيدة فصيحاً بليغاً مُعبِّراً، بل يسعون بكل جهد لجعل القصيدة تُظهر قوتها من خلال البنية المترابطة، وإنشاء تأثير متبادل بين بنية القصيدة والعالم الذي تركز عليه وتُظهره، وجعل المشاعر والانفعالات والفكر متضمنة في بنية القصيدة كاملة.

هذا النوع من الشعر العامي لا يكمن سحره في الرموز، أو الكلمات، ولا الجمل، بل في التركيب. ولهذا فإن كل جملة في هذا الشعر قد لا تبدو لك شعراً، إلا أنك لا تستطيع أن تنكر أن هذا التركيب بأكلمه هو تركيب شعري. وأيضاً، فإنه على الرغم من اختلاف التقييمات المختلفة لهذا الشعر، فإنك لن تستطيع أن تنكر أن الخلفية اللغوية له تحمل مفاهيمَ جديرة بالتأمل، وطرقاً للتفكير، وأساليبَ للحياة، كما تحمل عالماً استثنائياً مفعماً بالمشاعر.

وبالحديث عن الشعر العامي، فإن ظهور هذا النوع من الشعر هو علامة من علامات هذا العصر، ونوع من أنواع أشكال الشعر فيه، ولا يمكنه أن يتحول إلى الاتجاه الوحيد في الشعر الصيني الحديث. وحيث أن الخلفية اللغوية لهذا الشعر تقوم على المفاهيم الإنسانية وعلى أشكال التفكير المختلفة، فإن هذه المفاهيم والأشكال، تتطلب استعمال لغة مختلفة لكتابة شعر مختلف. كما أن العيش في عصر مختلف يحتم إنتاج عددٍ من الآراء والأيديولوجيات والأشكال المختلفة للتعبير، كما يحتم ظهور أنواع مختلفة من الشعر، وجماهير متعددة من القراء. وخلال هذه الفترة الطويلة نسبياً، كان من الضروري أن تتطور أشكال التعددية في الشعر الحديث، وإن اندماج هذه الأشكال مع بعضها البعض، وظهور إبداعات مختلفة، هو الأمل المُنتظر لتقدم الشعر الحديث في الصين.

إن اللغة العامية هي اللغة المقابلة للغة الكتابة، وقد ظهر الشعر العامي أيضا ليواجه الشعر المكتوب (الفصيح). ولنبرهن على معقولية وإمكانية تواجد اللغة العامية، يجب عليها أن تتمرد على الأسس الثلاث المهمة المهيمنة على الشعر المكتوب، أولا: الأساليب القديمة، وتعني القوانين الأساسية للتعبير الشعرية وقواعد النظم (العروض). ثانياً: الاستعارة أو المجاز، ويعني مواجهة تجارب العالم بافتراضاته وإشراقاته و(ربط المفاهيم والأشياء المختلفة ببعضها البعض حتى تؤكد وجودها وتكون مستقلةً بذاتها). ثالثاً: تبادل النصوص. ويعني الاستفادة من تجارب السابقين من الشعراء، وألاَّ يحمل النص خلفية تجاربه وألاَّ يتضمن الإيحاء الشعري فقط، بل يكون السلاح الوحيد الذي يستخدمه، هو اللغة العامية العصرية، لغة التواصل اليومية، اللغة التي تساعد على تحفيز المجال اللغوي، والإطاحة باللغة الكلاسيكية، الثابتة المحددة، التي تعتمد على المذهب الجمالي. ولهذا فإن أهم خصائص الشعر العامي، أنه يقوم على الوجود الملموس لحياة الإنسان اليومية، وجعلها منفتحة أكثر، كما أن المفردات المستخدمة بسيطة، طبيعية، خالية من التكلف، والعبارات موجزة، واضحة، نقية، حيوية، تُظهر جوهر الموضوع.

يقسم يي هانغ الشعر العامي إلى نوعين: شعر غزلي وشعر يقوم على الملاحظة بهدوء. وهو يعتبر أن الشعر الذي يقوم على ملاحظة الأشياء بهدوء أكثر أهمية. ويرجع ذلك إلى اعتقاده أن هذا النوع يقوم على محاولة إظهار الصدق والملامح الحقيقية للحياة، إلا أن مفهومه للصدق والملامح الحقيقية للحياة لا يقتصر على المحتوى فقط، بل يتعدى إلى الشكل أيضاً، واكتشاف الفرص السعيدة في الحياة والاستمتاع بما تزودنا به الحياة من معان مختلفة، فهذا الشعر يجتاز ويتخطى المحتوى، ليصل إلى نقاء الشكل السمعي والبصري. وهنا أود أيضاً الاستشهاد بقصيدة للشاعرة جاو لي هوا للتأكيد على هذا المفهوم:

“الونش”

يُمْسِكُ بالتراب

يمدُّ ذراعيه

بيسطُ مخالبه

حركاتها مُتأنيةٌ، مُبالغٌ فيها

ما تمسك به التراب هو مجرفةٌ كبيرة

ما تجرفه من تراب تضعه داخل المقطورة

هذه المقطورة هي أقرب شيء لها

أقرب شيء تتصل به بعد الأرض

والعالم الغير مبالٍ يقع خارجها

والبنزين الحار يغلي في داخلها. 



إن هذه القصيدة شكل من أشكال السرد الرتيب الموضوعي، فالحديث هنا عن الونش، وهو آلة ليس بها أية خصائص إستثنائية أو خارقة، إلا أن الشاعرة تضعها في نهاية القصيدة في العالم الواسع، مما أدى إلى إحداث تناقض وتمايز بين العالم الخارجي البارد والجزء الحار في داخل الونش، وذلك ما حرك مشاعر القراء. وهذا نوع من الصدف السعيدة، وما تحدثه من المشاعر والمفاجأة، يعمل على تعزيز لذة هذا النوع من القصائد: اختراق التقريرية بتفوق!. ومن الواضح، في هذه القصيدة، أن الوصف الشكلي للتجربة الشعرية هنا قد تخطى المضمون، وجعلها تعلو إلى نوع من الجمال الحقيقي.

غير أن للشعر العامي مخاطر وحدوداً، تتلخص في النقاط التالية: أولاً، الشعر العامي، هو لغة عامية تحولت إلى شعر، وإن لم يتمكن الشاعر من تحويلها فسوف تبقى كلاماً عادياً ونثراً، ثانياً: لا يهتم الشعر العامي بـ(بالقواعد) والاستعارات، ليس لأنه لا يمكنه تطبيق ذلك، بل لأنه ليس ضرورياً أيضاً، فقط إذا استطعنا أن نستخدم اللغة بشكل ملائم عندما تنتابنا حالة اليقظة والرغبة في الكتابة، فليس هناك داعٍ من إخفاء أي نوع من التجارب المعيشية، ومن ثم إضعاف القدرة الإبداعية الذاتية. ثالثاً: إن الشعر العامي هو تأكيد على تجارب المعيشة اليومية، ويمكن أن يخضع بسهولة لأية رغبة أو أمنية، ولذلك فيمكن أن يتحول إلى نوع من التنفيس عن مكنونات الصدر ولكن بشكل عابث، مما يجعل ذلك الشعر العامي يتحول إلى صورة باهتة رمادية مملة ومبتذلة وتافهة وسيئة لحياة البشر.

لكل شيء وله حد، وللوصول إلى الجمال يجب مراعاة الحدود، فزيادة الشيء عن الحد تجعله سيئاً. ومن المشاكل والتحديات التي تواجه شعراء العامية:

1ـ كيف يمكن من خلال التأمل في تجارب الحياة اليومية التوصل إلى نتائج الاشتراكية.

2ـ كيف يمكن من خلال تجارب الحياة العادية والواقعية البحث عن الطريق المقدس للروحانية.

3ـ في غياب العالم الرمزي، كيف يمكن أخذ الوجود الحقيقي للإنسان ووضعه في قلب العصر الحديث، وتحويله إلى شعر بكل ما يستطيعه الشاعر من جهد إبداعي.

إن لغة قصائد الشاعر وانغ تاي يونغ الشهير بـ: غِهْ شِي، هي عامية صرفة، ولعبت دوراً في تعزيز مزايا استخدام اللغة العامية في الشعر وتوضيح تأثيرها، وقد تم الاعتراف بقصائده العامية في الأوساط الشعرية في الصين. وجميع قصائده كُتبت بلغة عامية خالصة. “بعد الحياة وقبل الموت” هي قصيدة كتبها الشاعر غِهْ شِي عام 2010، وعندما خرجت من محبسها إلى الضوء، حصلت على جائزة (جانغ جيان الشعر ـ الدورة العاشرة). وهذه القصيدة تساعدنا على القيام بدراسة للتوصل إلى موضوع ظهور اللغة العامية في الشعر الصيني.

فقط إذا تأمل شعراء العامية بعمق وجدية، سيستطيعون أن يحملوا على عاتقهم رسالة (مهمة) الشعر والمسئولية التاريخية، وسيكتبون قصائد خالصة (جديرة بالعصر). ونحن ننتظر بهدوء وشغف هذه اللحظة.


نماذج من الشعر الصيني الحديث المكتوب بالعامية


الشاعر والناقد وانغ تاي يونغ ـ الشهير باسمه الأدبي “غِهْ شِي” 

(بعد الحياة وقبل الموت)

مَنْ يرى دونه مَنْ لا يرى، العمى/ في بعض الأحيان يكون آمناً. /ورقة/ بعض الكلمات، موضوعة هناك/ يمكن لأي شخص أن يطالعها، إلا أنَّ/ هذا كان قبل سن الأربعين، قبل أن تضطرب الحياة، العاصفةُ/ أطاحت بالورقة، لكنها لم تُطح بالكلمات/ هذه الكلمات القليلة، سطران ربما/ ليست سراً، لكنها تجعل مَنْ يصادفها/ غيرَ مطمئن.


الشاعر غونغ تشوين

الاسم الأدبي: ضفدع هو بيي، كما يُطلق على نفسه

حاصل على جائزة الدورة الثانية لأفضل إبداع شعري على الانترنت عام 2000 في الصين.

(تصنيف)

لا نمثّل نحن المسرحيةَ نفسها 

لكننا نمثّل على خشبة المسرح ذاته 

لطالما كنت غير بارع في التمثيل في شبابي 

ودائماً ما كنت أنسى نصّ الدور الذي تدربت عليه جيداً

تقفون أنتم جانباً ولا تتحدثون.


(إستنساخ صورة طبق الأصل مني)

القطن، الذرة، الأرز، السلجم الحقلي، اختفوا من الحقول وعادوا من جديد 

الأب والأم الفقيران 

قاما بتربية طفلٍ شقي يحب اللعب بالنبلة 

اختفت الطيور من فوق رؤوس الأشجار ثم من القمم عادت من جديد: سروالٌ مهلهل، حَلْقةُ رأسٍ تقليدية، يتشاجرُ من أجل الذهاب إلى المدرسة، وأنفه تسيل.



(ترك رسالة في النُزل)

هذه إحدى ليالي الوطن الساكنة

تذكرت زميلي الذي يمكث في المدينة

استمتعت بالهواء البارد حتى منتصف الليل

وهذا الجو البارد الذي يكتنفه الحزن والقلق

يخلو من بعض الأصحاب الذين يحكون قصص العفاريت.



(زجاج المدينة)

لم يجد الفلاح شيئاً ليأكله 

فحمل الشنطة الكاروهات واتجه إلى المدينة 

جعله رئيسه ذو النية الطيبة يصعد إلى السحاب لتنظيف الزجاج 

تذكر بهدوء سحاب القرية الأبيض.




(النزول في نهر جيانغ)

الأسماك، السلاحف لينة الترس، والتمساح الصيني

تنزل في نهر جيانغ 

حفيد السلحفاة،ينزل في نهر جيانغ 

هذه الحقول الواسعة المنبسطة الممتدة على مدى البصر، وشمس المغيب الهائمة 

جدتي المحبوبة غرقت في دموعها 

وقبل زواجها تطلعت إلى هذه الحقول واحداً واحدا.



(أسطورة)


في أعماق نهر جيانغ، تعيش حورية تُدعى يانغ تينغ

جميلة، لكنها ليست محظوظة…

هناك نوع من اليعسوب، دائماً ما يستريح بين جنبات أزهار اللوتس 

يدعوه صغيرنا بيانغ تينغ، أمَّا عن حياته وتجاربه، فمنعتنا جدتنا أن نحكيها.




(مطر يهطل طوال ثلاثة أيام وثلاث ليال)

لم يتوقف هطول الأمطار طوال ثلاثة أيام وثلاث ليال 

أفرغ “دا دا” محتويات عربة اليد تحت السقيفة،

ولعلَّه ذهب إلى منزل” أر غو يي” لاحتساء البيرة 

شجرة صفيراء اليابان في مدخل المنزل تتساقط أوراقها 

وأصبحت أطول بقليل من الأيام السابقة.



(رباعية)



لعلَّها رايات ملونة، أو لعلَّه حجر أسود يُوقع خطواتك في ارتباك 

لعلَّ السماء شديدة الزرقة، أو لعلَّ السحب شديدة الانخفاض 

أيتها الفتاة، جمالُك، ربَّى كثيراً من المواشي.



الشاعر خو شياو سان 

(في الحديث عن الثلج)

في العاصمة السابقة لنان جاو ودالي لي جيو

وعلى قمة جبل ديان تسانغ شان تساقط ثلج كثير

قمة الجبل كفتاة ترتدي منديلَ رأس أبيضَ اللون

أما أسفل الجبل، فقد مرت سنوات عديدة

لم ينزل الثلج فيها 

حقاً إنه لأمر نادر

بعض الناس يدوسون على أماني الثلج النقية 

قد يكون من الصعب تحقيقها 

أما أنا، فلا أستطيع أن أكون بهذا السخف

لماذا أيها الثلج؟ لماذا أيها الثلج؟

لماذا أيها الثلج؟ لماذا أيها الثلج؟

كلهم أناسٌ كبار، ماذا يفعلون بعصا التزلج؟

ولماذا يصنعون رجل الثلج؟

أنا فقط أعتقد:

ثلج اليوم

ليس له علاقة بالمزاج والشغف

أشعر بالبرد، بالبرد القارس

سأظل في المنزل

أشعل النار بكل شجاعة وثقة.




(يوان واحد)

بعد انتهاء الدوام أستقل الباص رقم 2

اليدان اللتان تمنعانني، حركةٌ تعودت عليها

وجوه مألوفة ووجوه غير مألوفة تقول لي:

لا عليك، لا تدفع الأجرة

سائق الباص رقم 2

ينبغي أن يكون زميلي في الجامعة

وزميلي في الفصل المجاور

أعرفه، أعرفه لا أكثر

أنا أكتب الشعر

هو يلعب الكرة

ولهذا، سأشعر بالإحراج

أتجه إلى الخلف بارتباك 

وقلبي يحمل قلقاً واضطراباً، ما بعده قلقٌ واضطراب.




(مقابلة لو شيانغ رونغ في المدينة الصغيرة)

وقت المغيب

هاتفت لو شيانغ رونغ ذائع الصيت

ودعوته لشرب البيرة هو وبعض الأصدقاء

نشرب حتى نسكر 

كانت النتيجة أن قابلت أصدقاء لم أرهم منذ وقت طويل

ومنهم لو شيانغ رونغ

لم أره منذ عشر سنوات

لم يخالجني شعورٌ بالانتصار

فكلنا كبرنا في السن قليلاً

تشابكت الكوؤس

سكرنا حتى الثمالة

لم أتذكر شيئاً من هذه السهرة

أتذكر فقط شخصين يغنيان في إحدى الدارات الجبلية

ركبنا الدراجة النارية 

وأوصلني إلى الفندق

وفي اليوم التالي ذهبت إلى منزله لتناول الغداء

تناولت حبات الفول الأخضر الذي زرعه بنفسه

وتناولت اللحم المقدد أيضاً

نُشِرَت مجموعة شعرية للو شيانغ رونغ

وتأثرتُ تأثراً عميقاً.




(حضور زفاف شاعرين في نان جيان)

مطرٌ يهطل ليل نهار

وفجأة، صفا الجو في اليوم التاسع

في إحدى المناطق في مركز محافظة نان جيان

أقيم زفافُ شاعرين

وكغيرها من حفلات الزفاف

كانت مملةً لا طعم لها 

لم أتمالك نفسي من الفرحة أنا وشياو تاو

الذي توجه من عمله مباشرةً إلى مكان الحفل

أنتظرُ وابنُ شياو تاو العربةَ المزينة بقلق بعد سماع المفرقعات 

شي ياو تسي يرتدي بزَّته وحذائه الجلد

و يون لي سعيدة كثمرة تفاح 

تدخل ببطء إلى مكان الحفل

أما كاميرا تشون بي

فالبتأكيد تسجل هذا المنظر الرائع.




(صاحب السعادة في رأس السنة القمرية)

في رأس السنة القمرية

ذهبت إلى دكان قريبي

وهناك، كان العديد من الفلاحين مجتمعين رجالاً ونساءً من مختلف الأعمار

وكانوا مصرّين على وصفي بصاحب السعادة

لاعتقادهم بأنني ثري…

وفي الحقيقة، كانت محفظتي لا تحتوي على أكثر من 400 يوان

وما أن جلست حتى أنفقت الأموال كلها 

فسألت قريبي متصنعاً:

وانغ جينغ شياو، هل يوجد هنا ماكينة لسحب الأموال؟

وفجأة، نظر إليَّ الفلاحون نظرةً يملؤها الإعجاب.




(يتناثر التراب.. في العودة)

حتى أختفي في التراب المتصاعد

يظل أبي وأمي واقفين طويلاً تحت الشجرة الخضراء على مدخل القرية

يقفان وقتاً طويلاً

كأني سأعود 

يتناثر التراب…

هبت الرياح على زهور الحنطة السوداء وتفتحت للناظرين 

يتلصص ظلهما على الطريق الذي أسير فيه 

يتناثر التراب…

أستطيع أن أرى بوضوح الدموع في عينيّ أمي، والقلق الذي يعلو وجه أبي

المنعطف في طريق شان لو

زهور شجرة الكرز تكون في أوّج تفتحها

صمتٌ.. لا صوت.




(ويستمر النهر في جريانه إلى الشرق)

“القصيدة إهداء إلى مسقط رأسي، مسقط رأسي والقرى التي واجهت الهجرة”

مع استمرار جريان النهر تجاه الشرق، اتخذ في هذا المكان منعطفاً جديداً 

اتسعت الوديان الجبلية، حتى أنها أصبحت شاسعة 

يأتي الربيع بسرعة…

ليونة الطين الكسولة

رائحة تفتح الزهور

يأتي الربيع سريعاً، بل يأتي أسرع من فصل الشتاء

اخضرّت أغصان الصفصاف المستلقية على الضفة،

وأطلقت أزهاراً مستديرة..

تتراقص براعمُ الصفصاف في الفضاء عندما تهب الرياح

يأتي الربيع مسرعاً، ويستمر النهر في جريانه تجاه الشرق

قامت الأم بحراسة حقول القمح

وقام الأب بحراسة حقول القمح 

وغيرهما اتخذوا وضعية الحراسة نفسها

يستمر النهر في جريانه تجاه الشرق، ويأتي الربيع مسرعاً…

هناك شخص يغني أغاني الحقول الربيعية…

ويسوق البقر والغنم لترعى في مكان ناءٍ

ويسوق البغال لترعى في مكان ناءٍ

ويضع قلبه في مكان ناءٍ…

المكان البعيد.. فيما عدا المكان البعيد

سفح الجبل به مكان يمتلئ بالعشب النضير…

ويستمر النهر في جريانه تجاه الشرق ليل نهار…

بلا توقف.. إلى الأبد



* مترجمة وباحثة من مصر
( النص من مدونة يارا المصري )

شاهد أيضاً

ركوّة فيلليني: حول رواية “حذاء فيلليني” للكاتب الروائي وحيد الطويلة

(ثقافات)*طلعت قديح هناك من الروائيين من لا يصح أن تقرأ لهم بطريقة تقليب الصفحات؛ حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *