الرئيسية / نصوص / ياسمين في الخيام

ياسمين في الخيام


تغريد أبو شاور*




دع الصفحة بيضاء الآن ، وانتبه لي، سأحدثك عن القشتاليين.
كيف طبخوا لحمنا ، و وزعوه نتفًا على فقرائهم في وضح العيون الناظرة لنا برأفة 
مغمسةٍ بالطاعون !
لا تنزعج سيدي من حدة ما سأقول ، وتريْث ، ودع الصفحة بيضاء إلى حين .
سأخبرك كيف كسَّروا عظامنا . 
في البداية كنت أسمع صوت الحجر يَصحنُ العظم ، ولم أكن أفهم لغة العظام بعد .
فلم أكن أميز عظام مَن التي تطحن الآن !
بعدما تمرست جيدًا ،كان لكل عظم نبرته ، وتختلجه آهات كثيرة.
صرت ما أن أسمعها تتكسر حتى أميزها فأقول: كان عظم أخي مثلًا. آراه بعد حين جسدًا متعلقًا بالريح مشدوهًا بالطيران.
هكدا يبتسم لي ويقول “أوووه، تحررت من ثقلي، الآن أنا عظيمًا بلا عظام تحملني الريح ، و هناك مَن ينتظرون”.

كانت تجربة سحق عظامنا مريرة يا سيدي ، ولكني تفوقت عليها كان يجب أن أدون أسماء من تناثرت عظامهم في البلاد البعيدة كي يبنوا منها متاريس تحميهم .
كان عليّ أن أظل حاضر الذهن حتى وإن كان دوري قد حان 
تعلمت الموسيقى، نعم تعلمتها.
ميَّزت صوت الحجر على العظم إن جاءت الآه صلبة حادة كانت عظام أبي
وإن ترنحت الآه فتلك عظام الرهيفة الشقراء طفلتي. 
وهكذا كونت من عظمهم جوقة للعابرين للمتبتلين للنساك، للشقر والحمر والسود والبيض بملامح وبلا ملامح .
انتظر دع الصفحة على بياضها ، دون أن تضيق بالفراغ .
في الربيع كان المغول قد سحقوا عمودنا الفقري بخيولهم 
وأوغلوا في الجسد الحِراب ، ودسوا الذخيرة في أحشاء بغداد فيما بعد الخراب.
وأنضم صوت عظمها ؛ ليضيف أنة للأنين الطويل في النوته.
عندها كنا لا نزال نُربي الياسمين، ونُلقي الحبَّ للحمام على أسطح البيوت الطينية. وكنا لا نزال نقرأ” قل هو الله أحد”
لما صَهلت الخيول في حاراتنا ،عجنا أرواحنا طينًا نسد به ثغرات البلاد الوادعة وبذرنا بقايا الحبق في أحشاء نسائنا .
كان بسيطًا علينا أن نندثَر ، جديرٌ بنا على النحو الآخر أن نعيش .
الآن ..
كنت متأكدًا ، أني سأدفع ثمن كل هذا البياض الذي أمْنتُه لأولادي ، وآمنت به، وآمن به غيري .
صرخت من جديد من شدة الجلدِ في الطرق ، فقد جفَّ ماؤنا ،واستبدَّ بنا الطاعون و تلظيْنا تحت وطأة الحذاء المحلي الملمع بدهانٍ عالمي.
عزفت في الميادين لحن أجدادي ؛ فأنتشلت اللحن قبل أن يتصلب أكثر في الحناجر.
دوّى مع الريح.. ذنبُ الريح ،ليس ذنبي ،أنها لعثمت به صوت الفونوغراف في غرفهم الذهبية .
ذنب الشوارع الساجدة لهم واﻷشجار الداعية لهم ،والنهر المرهون لخدمتهم .
ما ذنبي أنا .غنوا جميعا معي ؛فتساقطت كسفًا من السماء 
عليهم/نا .
غنيْنا لأبعد نقطة في الكون ، لم تسعنا كل البلاد ، و تكاثرنا كما الحمام ،وعضضنا اليد التي تُكممنا .
كان لي في قشتالة جدٌّ ، وكان لهم جدود لهم رب يقول لهم ” اقتلوهم” ولنا رب يقول “قاتلوهم” . وسقطت كسفٌ من السماء أكثر .
لم يكن وقع عظامٍ تسحق ،ولا خيول تَعبر الحارات وتسكر من دمنا.
لا تكتب! لازال هناك مساحةٌ للبياض بعد.
لم نَمُتْ بعد !!! 
رغم أنهم أبادونا كقمل الرؤوس وحلقوا البيوت من جذورها ، ووزعوا أكياس الموت ودكَوا أحلامنا بالقنابل .
وجمَّعوا لعناتهم ،وصارت الكلاب ترتع في أجسادنا 
ولم نَمُتْ بعد !
لازلنا نغني بآهات جدودنا وتثأر لنا الريح .
فجأة كسونا العراء و سلخ الليل طاقات جسده ليدفينا 
أرضعت ذئبات الجبال أطفالنا ،شربنا الغيم .
تارة يعلو بنا الموج وتارة نصير وجبةً أصيلة معتقة بياسمين الشام لحيتان البحر .
و لم نَمتْ بعد.
اكتب الآن .. لم أمت بعد . 
لا بالسيف ، ولا بالرمح ،ولا بالبرميل .
أليس عار أن يقتلني الثلج.
اكتب الآن ، وأفضح عهر البلاد ،والصحف المرشوقة بالرصاص.
استبح عذرية قضيتي، و طبطب على كراسي الأمناء . وخذ كف صغيرة متجمدة وعلقها خرزةً أخيرة في مسبحة هذي البلاد. 
لن تكترث بموتك متجمدًا لا الصحف المكلومة اليوم و لا الرزيلة
س/ ينسوك 
يا وجعي المتجمد س/ينسوك ياسمينا في الخيام .

* كاتبة من الأردن

شاهد أيضاً

“كِشْ مَلِكْ” – نص شعري

“كِشْ مَلِكْ” نصٌ شعريٌّ الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس السُّويد يأتي الشِّتاء هنا باكرًا يغطِّي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *