الرئيسية / فنون / نساء السينما الفلسطينية: تجاوزن ثقافة الشعارات و يعبرن التابوهات الى العالمية

نساء السينما الفلسطينية: تجاوزن ثقافة الشعارات و يعبرن التابوهات الى العالمية


جهاد الرنتيسي*

(ثقافات)




يكاد اتساع موجة الحضور النسائي ، في السينما الفلسطينية ، ان يعيد طرح اسئلة سينما المرأة ، التي تراجع الجدل حولها ، لتبقى دون حسم ، بعد طول تداول ، تراكمت خلاله ازمات الفيلم العربي ، ليطغى بعضها على الآخر .
اتجاه الموجة ، نحو التحول الى ظاهرة ، ياخذ اكثر من منحى ، ففي السنوات الماضية ، توالت الافلام التي تنتجها ، سينمائيات فلسطينيات ، ونافست على جوائز في مهرجانات عالمية ، واظهرت قدرا اكبر من الحساسية في التعامل مع قضايا المرأة ، وقراءة القضايا العامة بعيون النساء ، وتمكنت من اثارة ضجة ، في الاعلام العربي ، رغم قلة عرضها ، في العواصم العربية .
قد تكون افلام المخرجة الفلسطينية ” سهى عراف ” المقيمة في في الجليل الاعلى الاكثر اشتباكا مع قضايا النساء من خلال فيلميها ” فيللا توما ” و ” نساء حماس ” اللذين اضاءا زوايا معتمة في الحياة اليومية .
قسوة النساء المقهورات ، حينما يملكن سلطة ما ، على نساء اكثر ضعفا ، قضية جرت العادة على طرحها في دراسات ومحاضرات و سينمارات علم الاجتماع ، الا انها وجدت مكانا ، على الشاشة الفلسطينية ، من خلال ” فيللا توما ” الذي عرض في مهرجان البندقية ، واثارت هويته ضجة في مصر و اسرائيل ، لم تنته بمنعه من العرض في مهرجان الاسكندرية ، بسبب تمويله الاسرائيلي ، ومطالبة وزارة الثقافة الاسرائيلية المخرجة باعادة التمويل ، لاصرارها على نسبه الفلسطيني . 
يروي الفيلم الروائي الاول للمخرجة عراف ، قصة عائلة ارستقراطية فلسطينية مكونة من ثلاث شقيقات ، في عقدهنّ الرابع ” جولييت وفيوليت وأنطوانيت ” يسكنّ مدينة رام الله ، خلال فترة الانتفاضة الثانية ، يعانين من الوحدة ، الشعور بالغربة المضاعفة عن مجتمع المدينة ، وتغرقهن عزلتهن ، في العيش على ذكريات الماضي.
تحاول المخرجة ، من خلال مسارات الاحداث ، تحديد موقع المرأة ، على خارطة التناقض الطبقي والديني ، اللذين تطغى عليهما ، تناقضات اخرى ، يفرضها واقع الاحتلال ، وتحولات المجتمع الفلسطيني ، خلال واحدة من مراحله التاريخية الحرجة .
طريقة تناول المخرجة للفكرة ، المستوحاة من مسرحية الاخوات الثلاثة ، لانطون تشيكوف ، وتحاكي قصة عزلة صاحبة فندق ” رام الله ” الذي يعد اقدم فنادق المدينة ، قدمت الفيلم وصاحبته ، بصورة مختلفة عن فيلم ” نساء حماس ” الوثائقي ، الذي كاد الجدل حوله ، ان يقتصر على نخب سياسية وثقافية فلسطينية ، اختلفت حول ما اذا كان الفيلم لصالح حماس ام ضدها .
يركز فيلم ” نساء حماس ” على دور المرأة ، في تلك الحركة ، الذي ظهر واضحا في الانتخابات العامة ، التي ادت الى وصول الاسلاميين بقوة ، للمجلس التشريعي .
الا ان القضية الاكثر اثارة للجدل ، تمثلت في كيفية تعامل نساء حماس ، مع فكرة الموت والفقدان ، ليظهر الفيلم العذابات ، التي تختفي وراء الهتافات والزغاريد ، وتظهر بشكل لا شعوري ، في الحياة اليومية .
وفي فيلمي سهى عراف ، الروائي والوثائقي ، تقدم المخرجة شخصيات مركبة ، تجمع بين التحدي والانكسار ، القوة والضعف ، لتثير زوابع من الاسئلة ، تصعب الاجابة عليها ، وان كثرت الاجتهادات . 
المخرجة نجوى النجار ، المقيمة في الاراضي الفلسطينية ، تتناول قضايا المرأة ، من زوايا مختلفة في افلامها ” عيون الحرامية ” و ” المر والرمان ” و ” جوهر السلوان ” التي لا تخلو من اضافات نوعية لسينما ، مرت بمراحل مختلفة ، منذ ثلاثينيات القرن الماضي . 
مشاركة نجمين عربيين ” خالد ابو النجا ” و ” سعاد ماسي ” في الفيلم الروائي ” عيون الحرامية ” وتناول العمل تجربة فلسطينية في المقاومة ، حظيت باحترام المجتمع المحلي ، حد من استحواذ القضايا النسوية ، على اهتمام اوسع ، في سياق الاحداث ، الا ان الهم النسوي كان حاضرا في التفاصيل ، يطل براسه بين لحظة واخرى .
ظهرت المرأة في الفيلم ، باحثة عن امان مفقود ، سلبية الى حد الخشية ، من البوح بما تريد ، صابرة على معاناتها المزدوجة ، في مجتمع ذكوري ، يعاني من الاحتلال ، الذي يفقد الحياة طبيعتها المألوفة في المجتمعات العربية المجاورة .
لكن هذه السلبية ، لم تحل دون ابراز ، القيمة الحقيقية للمرأة ، التي ظهرت في الجانب الاخر من الصورة ، جذور وامتداد ، للمقاوم العائد بعد غياب ، وامل بالمستقبل ، تجسده طفلته وهي تكبر .
يختلف الامر ، مع الفيلم الروائي ” المر والرمان ” الحائز على جائزة يوسف شاهين ، في مهرجان الرباط الدولي ، و يحكي من خلال بطلته ” قمر ” التي قامت باداء دورها الفنانة ياسمين المصري ، قصة معاناة زوجة الاسير ، في مجتمع محافظ ، حيث يكاد الزمن ان يتوقف ، خلال وجود الزوج ” زيد ” الذي يؤدي دوره الفنان اشرف فرح ، في الاعتقال الاداري .
ظروف الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية ، واثرها على حياة المواطن ، تمثل اطارا عاما لاحداث الفيلم ، تمس عصبا اجتماعيا عاريا ولا تصادره ، ليأخذ سجن العادات والتقاليد ، هامشا اوسع من هامش الاعتقال الاداري ، حيث القيود الاضافية ، التي يتم فرضها على الزوجة ، وتدخلات العائلة في حياتها اليومية .
تطفو على السطح صعوبات الفقدان المعنوي للزوج ، في المجتمع الفلسطيني ، والشعور بالوحدة والحرمان ، اللذين تتحداهما البطلة ، بالعودة الى الرقص ، في فرقة فلكلورية ، رغم المضايقات التي تواجهها.
معاناة الام تكمل الناقص من صورة المرأة ، فهي مطالبة بشد ازر ابنها لدى اعتقاله ، وشحذ معنوياته خلال زيارته في السجن ، والاحتفاظ بصورة المرأة القوية في البيت ، لسد الفراغ الذي خلفه ، واستمرار الحياة على طبيعتها ، في ظروف غير طبيعية ، ومعاناة نفسية ناجمة عن غياب الابن .
وفي فيلمها التسجيلي جوهر السلوان ، تتعامل المخرجة نجوى النجار مع المرأة ، باعتبارها حارسة للذاكرة ، تروى من خلال قصة ” سينما الحمرا ” المغلقة ، تاريخا غير مكتوب ، للحياة الاجتماعية في القدس ، قبل الاحتلال . 
تستند المخرجة في انتاجها السينمائي ، الى ارث من النجاحات ، حققتها في افلامها السابقة ، حيث انتزع فيلمها ” ياسمين تغني ” الذي يروي قصة حب اعترضها ” الجدار العازل ” عددا من الجوائز في مهرجانات عالمية ، من بينها “جائزة السلام” في مھرجان “بودروم” الدولي ، والجائزة الأولى في مھرجان “فیكا” الذي يقام في البرتغال ، اضافة الى جائزة في مھرجان “لوكارنو” السینمائي في سویسرا ، وفيلم ” وديع ونعيمة ” الذي حكى قصة الجد والجدة والبحث عن البيت العتيق ، وحظي بعدد من الجوائز ، بينها جائزة مهرجان “HRWIFF ” السينمائي الدولي ، الذي يقام في مدينة نيويورك.
حساسية المرأة في التعامل مع فكرة الوطن ، ظهرت بوضوح في الفيلم الروائي ” ملح هذا البحر ” للمخرجة الامريكية من اصول فلسطينية آن ماري جاسر ، الذي يدور حول فتاة عائدة لوطنها الام ، بجواز سفر امريكي .
تواجه بطلة الفيلم الرومانسي ” ثريا ” التي تؤدي دورها الفنانة الامريكية من اصول فلسطينية سهير حماد ، ظروفا صعبة ، في الاراضي الفلسطينية ، وتتمكن بمساعدة صديقها عماد ، الذي يؤدي دوره الفنان صالح بكري ، من العثور على بيت العائلة في يافا ، وتطرد منه .
من خلال حواراتها في الفيلم ، تظهر ثريا اصرارها على البقاء في الاراضي الفلسطينية ، في الوقت الذي يحلم صديقها ، المقيم في مخيم ” الامعري ” القريب من رام الله ، بالهجرة الى كندا . 
ويعد الفيلم من انجازات السينما الفلسطينية ، حيث رُشح لفئة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان كان عام 2009 ، وحاز على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان دبي السنيمائي ، وأفضل فيلم في مهرجان ميلانو ، رغم انه الفيلم الروائي الطويل الاول للمخرجة آن ماري جاسر .
المخرجة غادة الطيراوي ، تقترب من المسكوت عنه اجتماعيا، في معالجتها لقضايا المرأة ، بتعرض فيلمها التسجيلي ” فرط رمان الذهب ” للاعتداءات والتحرشات الجنسية ، التي تقع على النساء ، ويضطرين للتكتم عنها . 
للاقتراب من الواقع الاجتماعي الفلسطيني ، يغرف الفيلم من الموروث الاجتماعي ، باستخدامه احدى الحكايات ، الواردة في كتاب ” قول يا طير ” التراثي ، للباحثين شريف كناعنة وابراهيم مهوي .
الحكاية التي ترويها خلال الفيلم ، الحكواتية الفلسطينية دينيس اسعد ، المقيمة في حيفا ، تتناول قصة فتاة تدعى فرط الرمان ذهب ، تدرس في احد الكتاتيب ، تصمت عن ما تراه ، وتلاحقها تبعات صمتها اينما حلت ، لتتهم بالجنون .
في موازاة الحكاية التراثية ، تروي ضحايا اعتداءات جنسية ، قام ببعضها الاقارب ، قصصهن من خلال الشاشة ، لتسجل المخرجة نقطة ، على ظاهرة الصمت النسوي ، المتوارث في المجتمع الفلسطيني ، شأنه شأن المجتمعات العربية . 
تطفو على سطح الحكي ، قصص حرمان فتيات ، من شبان رغبن في الارتباط بهم ، وامهات يرفضن تصديق بناتهن ، خلال شكواهن ، من وقائع يفترض السكوت عنها ، تماشيا مع الخوف على السمعة ، لتاخذ العلاقة بين الام وابنتها ، طابع الشك والقسوة من ناحية ، ومعاقبة الضحية على ذنب لم تقترفه ، من الناحية الاخرى .
فرط الرمان ذهب ، من الافلام التي لا تكف عن طرح اسئلة ، من قبيل التساؤل حول اتساع الظاهرة التي يتعرض لها الفيلم ، وحضورها في الموروث العربي ، لا سيما وان الموروث لم يتوقف ، عند الفترة التي تعرض لها كتاب قول يا طير ، فمن بين الامثال الفلسطينية الدارجة بين الفلسطينيين ، مثل يقول ” غلب بستيرة ولا غلب بفضيحة ” ليتمخض عن تداخل الاسئلة ، سؤال حول ما اذا كانت الظاهرة ، تعيد انتاج نفسها ، مستفيدة من صمت النساء ، عن ما يلحق بهن .
رغم حساسية القضية التي يطرحها ، تعامل الجمهور الفلسطيني مع الفيلم ، باعتباره من الافلام التوعوية ، وان اظهرت بعض القطاعات النسائية ميلا ، الى ان القضية المطروحة محدودة ، لم تتحول الى ظاهرة .
المخرجة المقدسية ديما ابو غوش ، امسكت عصا التابوهات من منتصفها ، وهي تحاول كسر نمطية صورة الفلسطيني امام العالم ، بفيلمها التسجيلي ” اول حب ” الذي يركز الاضواء ، على احلام واوهام المراهقات .
بطلات الفيلم من طالبات المدارس ، حيث تدور الحكايات ، حول الحب الاول ، الاستجابات السريعة ، خيبات الامل ، وتمتد لتشمل قريبات ، انتهت قصصهن بالزواج .
الحكايات الاقرب الى الشهادات ، لا تخلو من اشارات ، الى دور العائلة المفترض في التوجيه ، وضرورات مصارحة الاهل ، مما يتطلب انفتاحا عائليا على الابناء ، وهم في فترة المراهقة .
وتبرر المخرجة ابو غوش ، غياب الشباب عن المشاركة في الفيلم ، بقناعتها بان النساء اكثر شفافية وعفوية ، في التعبير عن مشاعرهن ، مقارنة بالرجال ، كما ان المرأة تحب البوح ، اكثر من الرجل .
سينما المرأة في الاراضي الفلسطينية ، لم تعد قائمة على جهد فردي ، بعد محاولة ماسسة جهود السينمائيات الفلسطينيات ، وتوجيهها نحو القضايا الخاصة بالمرأة ، لتتم قراءة هموم النساء بعيون نسوية . 
تقوم بهذا الدور مؤسسة ” شاشات ” التي تأسست في العام 2005 ، لتشجع انتاج افلام عن القضايا النسوية ، وتنظم في رام الله ، مهرجانا سنويا خاصا بافلام المرأة ، يعد الوحيد من نوعه في المنطقة ، وصارت له امتداداته الدولية ، مع مؤسسات ومهرجانات مماثلة .
اضافة لمهرجانها السنوي ، تنظم المؤسسة عروضا ، في الجامعات والتجمعات السكانية ، غالبا ما تثير حالة من التفاعل ، بين منتقد للجرأة في الطرح وخرق بعض التابوهات ، ومؤيد للمكاشفة وجرأة طرح القضايا الحساسة .
استطاعت المؤسسة ، تطوير اداء مخرجات فلسطينيات شابات ، يبحثن عن دور ، في انتاج السينما ، وتوجيههن للتركيز على قضايا المرأة ، باعتبار النساء قضية اجتماعية .
ومن خلال دورها في تنشيط سينما المرأة ، قدمت المؤسسة مديرتها ، المنتجة والمخرجة علياء ارصغلي ، باعتبارها رائدة لسينما المرأة ، في الاراضي الفلسطينية.
تراكم جهد واجتهاد الفلسطينيات في السينما ، ساعد على تكوين ملامح تجربة ، تكتسب خصوصيات ، قد لا تكون متوفرة ، في العديد من دول المنطقة .
واللافت للنظر ان الهجرات من فلسطين واليها ، كانت عاملا مساعدا ، على اغناء هذه التجربة ، حيث اتاح الشتات للفلسطينيات ، الاحتكاك بانماط تفكير واداء مختلفة ، في مختلف انحاء العالم ، والتعامل مع تجارب وزوايا نظر متباينة ، للحياة والوطن والقضية .
تنوع انماط التجربة ، واختلاف اشكال المعاناة ، في فلسطين التاريخية ـ حيث ينقسم الفلسطينيون بين عوالم الضفة الغربية وقطاع غزة والمناطق المحتلة عام 1948 ـ كرس حالة من التعددية ، في السينما الفلسطينية ، بما في ذلك سينما المرأة ، التي تقوم عليها نساء ، وتناقش قضايا متعلقة بالنساء .
ساهمت هذه التنويعات ، في تغيير الملامح التقليدية ، للسينما الفلسطينية ، التي كانت تغلب عليها الشعارات ، وتبقيها تحت تاثير جرعات ، من اليوتوبيا والطوباوية ، وزخما لشيطنة الاخر ، دون الاقتراب من تفاصيله .
اختلاف وتعدد مصادر تمويل الافلام ، اخرج عملية الانتاج ، من دائرة الاضطرار ، لقبول املاءات ، من اطراف تحاول فرض سيطرتها ، واخضاع عملية الانتاج ، لشروطها وقوانينها ، مما اتاح للمخرجات الفلسطينيات اختيار قضاياهن ، وتناولها من الزوايا ، التي يرينها مناسبة .
يوازي هذا التنوع ، تقادم رؤية و ادوات اجيال من المخرجين الفلسطينيين ، قدمت الوطن على المرأة ، او حشرت المرأة في اطار شعاراتي ، افقدها بعض صورتها.
بجرأتها على عبور التابوهات ، وغنى وتعدد رؤاها ، وبحثها عن ادوات فنية تتناسب مع تطور الحس الانساني ، تضع السينمائيات الفلسطينيات اقدامهن بجرأة ، على اعتاب العالمية ، دون حمولات ايديولوجية ، ابقت السينما الفلسطينية تراوح مكانها عدة عقود . 


• كاتب من الاردن 

شاهد أيضاً

“تقاطع”.. فيلم خيال علمي تضيع حبكته في ثنايا الماضي وجراحه

طاهر علوان العزلة وسط الزمن أو الاحتجاز أو البحث عن منفذ أو سبيل لإيقاف حركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *