الرئيسية / قراءات / مرافعة الشيطان لعبد الناصر رزق: لعبة الثنائيات المتقابلة

مرافعة الشيطان لعبد الناصر رزق: لعبة الثنائيات المتقابلة



وسام الخطيب*

(ثقافات)


تتوالد الدلالات في شخصية البطل سامي في رواية مرافعة الشيطان لعبد الناصر رزق الصادرة عن “دار فضاءات عام 2014” بطريقة تربك المتلقي ،وتجعله على حافة الشك طوال السرد الروائي ،لا بل إنه يحافظ على مسافة واسعة بينه وبين البطل. فالمتلقي الذي يستمع طوال السرد إلى سامي المضطرب نفسياً ،والذي تشبه أحاديثه الهذيان لن يتماهى معه إطلاقاً ولن يثق به وعليه يضع السرد الروائي متلقيه بين سندان الحذر ومطرقة التيقّظ وهو ما سيساعده في تفسير تلك الدلالات التي تحتاج إلى قارئ متأنٍ ونخبوي إن صح التعبير لالتقاطها.

تطرح شخصية سامي إشكاليتها عندما تحاول الانتحار فتخضع للعلاج النفسي وعليه تقود هذه الشخصية الحوارات عندما تبوح بتفاصيل حياتها للدكتور النفسي مهدي أي أن اللاوعي يتخذ شكل اللغة بحسب عبارة “جاك لاكان” ونرى أن محور الرواية/ سامي له وجوه متعددة داخل السرد كالموشور فعندما يعود في حديثه مع الطبيب مهدي إلى مرحلة الطفولة ويذكر له حوادث متلاحقة ( دهس سيارة له – ارتطام وجهه بالحائط بعد مشاهدة جارة أمه زهرة شبه عارية – مغادرة الجارة للحي …) لا نستطيع تحديد السارد هل هو سامي الوسيم ابن المخيمات الفلسطينية المسحوقة الذي تعرض للتحرش الجنسي من جارة أمه الأرملة زهرة أم أن السارد هو سامي الحربي ابن زهرة الذي يفترض به أن يكون شاهداً على هذه التصرفات؟
وعندما ينتقل في حديثه مع الدكتور إلى مرحلة الشباب لا نستطيع أيضاً تحديد السارد هل هو سامي الوسيم شبه العاطل عن العمل المتزوج من امرأة سورية والذي يتهمه أبناء حارته بإقامة علاقة مع جارته زهوة زوجة أبو خالد الشهراوي أم أن السارد هو سامي الحربي شبه العاطل عن العمل المتزوج من سلمى التي لم تستطع الإنجاب منه فطلقها وأقام علاقة مع زهوة زوجة أبو خالد الشهراوي ؟! 
إذن نحن أمام ثنائيات متقابلة ومتداخلة بآن ثنائية ( سامي الوسيم /سامي الحربي) و(زهرة /زهوة) و(زوج زهرة الميّت / زوج زهوة الغائب ) في إطار(البراءة /النضج) و (الطفولة / الشباب)
وينتهي السرد بمفاجأة عندما نكتشف أن سامي الحربي ابن زهرة مات في حادثة الدهس عندما كان طفلاً وأن الطفل الذي كان معه – خالد الوسيم – بقي على قيد الحياة وأن زهرة هي من أطلقت على خالد الوسيم اسم سامي الوسيم وبدأت علاقتها به تعويضاً لها عن وفاة ابنها وعليه لا وجود لشخصية سامي الحربي ولا لشخصية سامي الوسيم وهما في الحقيقة وجهان لخالد الوسيم الذي حاول ابتلاع حياة صديقه سامي الحربي الميّت وحياة الشخصية التي أرادت زهرة أن يكونها: سامي الوسيم.
وإن الذكاء الروائي يظهر عندما يسمّى ابن زهوة زوجة الشهراوي -الذي كان يعلم بإقامة والدته بعلاقة مع سامي/خالد – باسم خالد أيضاً وهذه الإشارة بمثابة دال مفتاحي يقدم لنا مدلولين:
المدلول الأول هو أن خالداً هذه الشخصية التي سحقت بين (سامي الحربي/ وسامي الوسيم) ما زالت موجودة من حيث الكينونة وأن هذه الشخصية التي غطتها الأخطاء لابد أن تعود إلى فطرتها السليمة بطريقة أو بأخرى وفعلاً هذا ما حدث فسامي الوسيم / الحربي/ خالد/ الشيطان… قدم لابن زهوة خالد الصغير النصيحة الأخلاقية بخصوص علاقته بأمه زهوة (تظن هذه العلاقة قادرة على الاستمرار ألا ترى أنها ضرب من الجنون!)ص169 إنها العبارة الأولى في السرد التي تبتعد عن هذيان سامي / خالد/ الشيطان … وتكشف لنا جوهر الخير في شخصيته وهنا نستطيع أن نربط هذا مع عنوان الرواية فما من شياطين تولد وتتكاثر في المجتمعات من تلقاء نفسها إنما هناك إطار سيسيولوجي / سيكولوجي / براغماتي / ديني… ينتج هذه الحالات في المجتمع فخالد الكبير لم يرد لخالد الصغير أن يسير على خطاه وهذا ما يؤكد أن خالداً لم يكن شيطاناً وإنما ضحيةً.
والمدلول الآخر هو أن المقدمات المتشابهة إن تكررت فستعطينا النتائج ذاتها فخالد الصغير ابن زهوة إن لم يجد من يمسك بيده و يساعده في تخطي خيانة أمه زهوة لزوجها الشهراوي وقيام زهوة بنسبه للشهراوي وهو ابنها من رجل آخر وإنجاب زهوة لطفلين رغم أن الشهراوي عاجز جنسياً سيتحول بدوره إلى خالد الكبير/ سامي الحربي/ سامي الوسيم الذي لم يجد من يساعده على تخطي وفاة صديقه سامي الحربي عندما كانا يحاولان إمساك الفراشات! ولم يجد من يمسك بيده عندما تعرض للتحرش الجنسي وهو طفل بريء وبعبارة أخرى: إن مجتمعاتنا العربية إذا لم تستطع إيجاد حلول حقيقية للكبت الجنسي / التحرش بالأطفال/ البطالة / فقدان الهوية / ضياع الأوطان/ تلاشي الأحلام… فإننا أمام مجتمع شيطاني ننتجه بأيدينا.
وبعد: إن رواية مرافعة الشيطان تحاول تأسيس سردها على أعمدة علم النفس وهذا ما وسمها بالتعقيد تارة وبالعرض النظري للأفكار تارة أخرى إلا أنها تبقى محاولة جادة لسبر أعماق الشخصية الإنسانية وسبر أعماق الظواهر الاجتماعية وإثارة الكثير من التساؤلات التي تنتظر من “اللاوعي الجمعي” لمجتمع متأزمٍ الإجابة عنها.
*كاتبة فلسطينية مقيمة في حلب/ سورية.

شاهد أيضاً

منجد صالح هو الأسلوب نفسه

فراس حج محمد لكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يعرف به، وربما من أجل ذلك كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *