الرئيسية / نصوص / الساموراي

الساموراي


هناء موسى*



 «لدي كل ما أحتاج»، يقول لنفسه بينما يتحسس فنجان قهوته مغمض العينين تاركاً الشمس تدغدغ وجهه، وصوت الموسيقى يروح به إلى عالم أثيري يتخفف فيه من جسده الثقيل.
«لدي كل ما أحتاج».. يصر عليها بينما يحتفل الوجود حوله بالصمت، لا رنين هاتف يدفع وجهه للاحتقان ما إن يرى اسم المتصل، لا بريد إلكترونياً يومض كل دقيقة رسالة جديدة، لا امرأة تصرخ في وجهه: «لماذا نسيتَ إحضار الطماطم؟ العمل، العمل دائماً أولاً، أليس كذلك؟!»، لا صغار يطالبون بحنانه بينما كل ذرة من جسده تكاد تنفصل عن أختها من التعب، لا خادمة تذكّره بموعد الإفطار والغداء والعشاء.. لا شيء.
يتأمل في نبتة السرخس، يعشق النباتات لأنها صامتة، أو لأن لغتها أقل صخباً، يقول لها: «من دون مفردات.. هكذا يجب أن يتواصل البشر».. يهب نسيم يداعب نبتته. يا إلهي، إن للريح صوتاً أيضاً، كيف لم يسمعه خلف أبواق السيارات وصافرات الشرطة وضجيج بنّائي المنازل والأصوات الغاضبة لكائنات متعبة.
بدا كطفل للتوّ، خرج من شرنقته يحتفل بالكائنات اللامرئية، ويصغي لهمس الطبيعة غير المسموع، تهدهده الشمس التي لم يرها منذ سنين.. لم يرفع رأسه للسماء منذ سنين.. السلام.. السلام.. أجل هذا هو اسمه.
قلبه فارغ؛ لا حب، لا كره، لا حقد، لا حزن، لا فرح، لا إعياء، لا ألم.. عقله تحرر من ذاكرته ومن خططه المستقبلية، لا سلطة لأحد عليه.. إنه الآن بوزن ريشة!
تحرر من أسمائه وألقابه، تجاوز اسم العائلة الذي يربطه بطبقة من المجتمع عليه أن يراعيها في تصرفاته، لم يعد يهمّه اسم أبيه القاضي الفاضل.. الآن يمكنه أن يذهب إلى الحانة، وأن يشرب دون أن يلطخ اسم أحد.. يمكنه أن يشتم شرطي السير الذي يترصده كقدر كلما زاد من سرعة ركضه إلى المجهول قليلاً.. يمكنه أن يقلب الطاولة فوق رأس رئيسه في العمل.. لا مزيد من العطل الضائعة والأعمال الإضافية.. يمكنه أن يسير في الشارع، يغني، يرقص، يشد شعر المتسول الذي يأخذ نقوده عنوة.. قد يطلّق امرأته ويدفع مؤخّرَها شاحنة طماطم.. ربما يمكنه الآن أن يتدرب على رقص الباليه.. يمكنه أن يصبح نكرة تماماً، ويتسول قوت يومه مستخدماً طريقة ذلك المتسول الذي شد شعره.. يمكنه أن يصير أي شيء، أي أحد.. لا لا… لا يريد أن يملأ رأسه بالاحتمالات..
يمد رجليه بكسل كامرأة خمسينية تتشمس أمام منزلها بينما تتابع عيناها الدجاجات ينقرن الأرض بحثاً عن الدود. السلام شيء….. ترى، هل مات؟! 
يحدق في الغابة التي تمتد أمامه: الورد، الشوك، الغزلان، الذئاب، العصافير، العقبان، المخالب، الهررة الأليفة، العواء والزئير.. كل كائن قد يكون مفترِساً أو مفترَساً.. إنها احتمالات لا نهائية لا تشبه المكان الذي قدم منه.. لا أحكام مسبقة، ولا خطة حياة مدرجة ضمن حمضه النووي قبل أن يمتلك روحاً.. في الغابة كل كائن حر في أن يكون أو لا يكون.. كيف أتى هنا؟!
الرجل الذي في أعلى الجبل لا يمكنه إلا أن يطير، السقوط ليس خياراً.. أما الرجل الذي في أسفل الجبل فيمكنه أن يمشي، يهرول، يسقط، يتعثر.. هو حر في أن يتعثر، أن يقوم، يصعد.. هو حر في أن يصعد أي جبل، يتعثر، يتابع الصعود.. هو حر في أن يتابع الصعود…
يشعر بوخز في يده اليسرى ويضطرب تنفسه.. إنه يسقط، يـ….سقط. 
يختفي صوت الموسيقى، صوت هدوء مشوش يفتت خلوته، تختفي نبتة السرخس أيضاً، الشمس والغابة.. يذوب العالم الذي يحيط به شيئاً فشيئاً، يزداد الوخز في يده اليسرى.
فريد، فريد.. صار له اسم!
-فرييييييد.. 
يفتح عينيه. إنه رب عمله يهزه. لا يصدّق ما حدث، لقد غفى في أهم اجتماع في حياته.. نظر إلى الوجوه المتعبة التي تحدق به في دهشة، أيّ عالم هذا؟! سأل نفسه مستنكراً، ثم عزّى نفسه: «يوماً ما سأتقاعد وأعود إلى هناك».
.. وعلا شخير رجل في الخامسة والعشرين يفكر بالتقاعد!

* الرأي الثقافي

شاهد أيضاً

القـُــــــــدُوم

القـُــــــــدُوم المَسِيرةُ البيضاء قصَّة قصيرة الأديب السُّوري موسى رحُوم عبَّاس    المرَّة الأولى التي أدخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *