الرئيسية / إضاءات / في انتظار ربيع الفكر!

في انتظار ربيع الفكر!


*هاشم صالح

ولكن يبدو أن ثورات الربيع العربي أو ما دعي كذلك نقضت هذا القانون العام. بل وتريد أن تقنعنا طوعاً أو كرهاً بأن أفضل أنواع الثورات هي تلك تتوج بأنظمة إخوان مسلمين! ويصفق الكثير من المثقفين أو أشباه المثقفين لهذا الخيار في الوقت الذي يدعون فيه الحداثة والتحديث! بل ويصف بعضهم التطورات الأخيرة في تونس أو مصر بأنها ثورة مضادة! بمعنى أن الإخوان هم الذين يمثلون جوهر الثورة الحقيقية للربيع العربي، وأن الحداثيين الليبراليين انقلبوا عليها وأجهضوها. وهكذا ضاعت الطاسة، اختلطت الأمور، تشوشت الأشياء. هكذا انعكست المفاهيم والمصطلحات رأساً على عقب. يوجد هنا خلل في الثقافة العربية ولا أحد يتوقف عنده تقريباً. وهذا ما يدهشني ويحيرني إن لم أقل يغيظني. لكن قد يقول قائل: على مهلك يا رجل! خذنا بحلمك قليلا. خذ واعط يا أخي. لا تطلب كل شيء دفعة واحدة والا فستخسر كل شيء. التاريخ لا يتغير فجأة بلمح البصر. لا يمكن تكنيس الماضي كله وكأنه لم يكن. فهذا حل لاإنساني يا من تدعي النزعة الإنسانية في كل شاردة وواردة. هل يحق لك أن تفصل البشر عنوة عن تراثهم، عن مقدسهم، عن أعز شيء على قلوبهم؟ انظر الى تجربة تونس التي أصبحت مختبراً لكل العرب. إنها تتطور بشكل تدريجي معقول. وهذا أفضل أنواع التطور. صحيح أنها تتطور من خلال الصراع، والنقاش المحتدم، بل وأحياناً بعض العنف. ولكن هذه هي طبيعة التاريخ البشري. ألم يقل لنا هيجل بأنه «لا شيئا عظيما يتحقق في التاريخ الا من خلال الأهواء الهائجة والصراعات الصاخبة؟»، وأجيب بأني لا أريد إطلاقاً فصل الناس عن دينهم ومقدساتهم وإنما عن الفهم الخاطئ لهذا الدين العظيم وتلك المقدسات. فتراثنا يحتمل قراءتين لاقراءة واحدة: الأولى انغلاقية، والثانية انفتاحية، الأولى ازدهرت في العصر الذهبي، والثانية هيمنت في عصر الانحطاط، ولا تزال. هذا كل ما أريد قوله. فهل هذا ممنوع أيضاً؟!

ثورة فكرية
لكن ما معنى ربيع الفكر؟ ما الذي أقصده بهذا المصطلح؟ أقصد حصول ثورة روحية – فكرية داخل العالم العربي والإسلامي، ثورة لا تقل خطورة وأهمية عن الفلسفة المثالية الألمانية، أو عن التنوير الأوروبي الذي فكك الانغلاقات المسيحية وتجاوز الطائفية ودحر الأصولية على أرضيتها الخاصة بالذات. ونتج عن ذلك النظام الديمقراطي الحديث الذي يؤمن بحقوق الإنسان لا بالشريعة المسيحية أو القانون الكنسي المقدس. أقصد ظهور فكر جديد على أنقاض الفكر القديم الراسخ المسيطر منذ مئات السنين. وبلفظي كلمة «أنقاض» هنا فإني أعني أنه لا يمكن أن يظهر فكر جديد على الأساسات المهترئة للفكر القديم. ديكارت يقول بأنه ينبغي هدم البيت القديم على الرغم من أنه عزيز جداً على قلوبنا. لماذا؟ لأنه قد يتهاوى على رؤوسنا اذا لم نهدمه ونبني محله بيتاً جديداً. ولكن بعض حجارة البيت القديم يمكن استخدامها في البناء الجديد بعد نحتها وتنجيرها ونفض الغبار عنها. وهذا ما سنفعله مع التراث في الواقع. بمعنى آخر فإن هذا الفكر الجديد الذي نحلم به لا يمكن أن ينبثق قبل تفكيك الفكر القديم الذي أثبت فشله الذريع وشوه سمعتنا في شتى أنحاء العالم على يد داعش وأخواتها. قلت أثبت فشله ولكني مخطئ في الواقع. فهو لا يزال قوياً مرهوب الجانب بل ومرعباً للجميع. وقد برهن على مدى تجذره العميق في الوعي الجماعي الشعبي من خلال الانتشار الهائل لفكر الإخوان والسلفيين والخمينيين. لنقل بأنه قوي وضعيف في ذات الوقت. قوي بالمشروعية التاريخية بل وبالقدسية التي يتمتع بها في أنظار جماهير الشعب الأمية أو ملايين الملايين. ولكنه ضعيف جداً من الناحية الفكرية بل وهزيل، مدقع، فقير. علاوة على ذلك فهو مضاد لحركة التاريخ والحداثة العالمية التي تنبذه ويصطدم معها بعنف شديد مروع. من هنا الوضع القلق والمشوش الذي نعيشه حالياً. حقاً أنها مرحلة انتقالية عسيرة. ولكن أطمئنكم وأطمئن نفسي منذ البداية: نحن لن نقطع مع التراث كله قطيعة مطلقة تقذف بنا في متاهات الفراغ أو فوهة المجهول. نحن لن نعدم تاريخنا كله اذ ندعو الى «ربيع الفكر» الذي يسبق «ربيع السياسة» بالضرورة. وانما سنكتفي بشطب الصفحات السوداء منه والتي أصبحت عالة علينا أصلا وعلى العصر. الشجرة لا تُقلم منها الا الأغصان الجافة أو اليابسة أو الميتة التي أصبحت عالة عليها والتي قد تقتلها اذا لم تُقلم وتُشذب.. أنا لا أدعو الى الانتحار الثقافي ولا الى العدمية الفكرية.
أعتقد شخصيا أننا سننخرط في حركة تفكيكية وتحريرية هائلة في السنوات القادمة. وهي حركة تهدف الى تحييد كل ما يتعارض داخل تراثنا مع المبادئ الانسانية الكونية التنويرية. كل الأفكار التراثية المظلمة أو الفتاوى الدينية التكفيرية التي تحتقر الآخر في انسانيته وكرامته وعقيدته ينبغي التخلي عنها. وإلا فلن نستطيع العيش بسلام في عالم العولمة الكونية. سوف نبدو نشازا على خارطة التاريخ وسوف يلفظنا الآخرون، كل الآخرين. بل وحتى قضايانا العادلة كقضية فلسطين مثلا سوف تذهب ضحية هذا الموقف التكفيري المتشنج الذي يأخذه بعض جهلتنا ونؤيده عن غباء وانسياق للعصبية البدائية. بهذا المعنى أقول بأن كل الانغلاقات التراثية مدعوة للتفكك والا فلا مخرج من المأزق الحالي ولا خلاص. ولكن كيف يمكن أن نفككها وهي التي تشكل «قدس الأقداس» ليس فقط بالنسبة للجماهير الشعبية وانما أيضا بالنسبة للمثقفين المحافظين في العالم العربي؟ فمن كثرة ما كرسها الزمن المتطاول أصبحت مقدسة في نظر الجميع في حين أنها بشرية بالكامل والمقدس الحقيقي يكمن في مكان آخر. المقدس الإسلامي يكمن في مكارم الأخلاق والقيم الروحية العليا للتراث الاسلامي العظيم. ولكن الناس لا يفرقون بين هذا وذاك. وبالتالي فتفكيك اليقينيات التراثية الضخمة المكرسة والمرسخة عبر القرون سيؤدي الى زعزعة الوعي العربي الاسلامي في الصميم. لماذا؟ إنه يعيش عليها كيقينيات مطلقة ومعصومة منذ مئات السنين. يضاف الى ذلك أنه يتكئ عليها ويجد فيها سندا وعونا في ظروف المحنة والشدة والفقر والمجاعات الخ.. هنا تكمن الصعوبة الكبرى. المسألة ليست فكرية فقط وانما حياتية وجودية أيضا. فأنت تشعر أحيانا وكأنك «تقتل» الناس أنفسهم وليس فقط اليقينيات المطلقة التي تعمر عقولهم أو قلوبهم! وبعضها يقينيات تكفيرية محضة. وأصلا لن يسمحوا لك بذلك. فهم قد يقتلونك فعليا لا رمزيا كرد فعل على «عدوانك» عليهم أو على يقينياتهم الماضوية التي هي أعز عليهم من كل شيء.. ولكن لا بد مما ليس منه بد. فبعد كل ما حصل من فظائع على يد داعش وأخواتها لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه اليقينيات القدسية الفتاكة. وهي يقينيات تملأ الشوارع والمكتبات والفضائيات والمدارس والبيوت والعائلات هذا ناهيك عن كليات الشريعة والجوامع بل وحتى الجامعات. ألم يقل أحدنا صارخا: كلنا داعش؟!. كيف يمكن أن تواجه جيشا عرمرما كهذا؟ إنها مواجهة غير متكافئة على الاطلاق. ينبغي أن تكون مثقفا دونكيشوتيا أو كاميكازا انتحاريا لكي تتجرأ على ذلك. ماذا؟ أتريدون تفكيك ثوابت الأمة والمقدسات! ويحكم أفلا تعقلون؟
التراث بالتراثلكي أخفف من هول الصدمة سأقول بأني كمرحلة أولى سأفكك التراث بالتراث. وداوني بالتي كانت هي الداء. العلاج من أصل الداء والترياق من ذاك السم لأنه مضاد حيوي له ويستطيع تحييد مفعوله. وبالتالي كمرحلة أولى لن أستعين بالخارج: لا بالمستشرقين الأكاديميين الكبار ولا بفلاسفة الأنوار الأوروبية. فلمواجهة الأصوليين من كل الأنواع والأصناف سوف أستخدم محاجات من داخل التراث. بعضي يحارب بعضي! بعضي يعالج بعضي! سوف أستخدم الصفحة المضيئة من التراث لمواجهة الصفحة المظلمة، الصفحة المنفتحة لمواجهة الصفحة المنغلقة. من يستطيع أن يمنعني. أليس كله تراثا؟ ألا ينتمي كله الى التراث العربي الاسلامي الكبير؟ لا أعرف لماذا يكون ابن قتيبة من تراثي وليس الكندي أو الفارابي؟ لا أعرف لماذا يكون الغزالي من تراثي وليس ابن سينا أو ابن رشد؟ لا أعرف لماذا يكون ابن تيمية هو تراثي فقط وليس ابن عربي؟ لماذا يكون حسن البنا وليس طه حسين؟ لماذا يكون القرضاوي وليس محمد أركون أو عبد المجيد الشرفي؟ الخ.. الخ.. بل لا أعرف لماذا تكون تفسيرات التكفيريين للقرآن هي وحدها التراثية وليس تفسيرات التنويريين؟ لن أستخدم أي شيء من خارج التراث – كمرحلة أولى على الأقل. سأحارب الأصوليين بأسلحتهم ذاتها: أي من الداخل لا من الخارج. وسأقول لهم بالفم الملآن: لكم تراثكم ولي تراثي! وسأشرح معنى ذلك تفصيلا.
ينبغي أن نتفق على الأمور منذ البداية: نحن لا نتحدث عن ذات التراث! فالتراث تراثان أو وجهان وليس وجها واحدا. وهذا عند كل الأمم والشعوب وليس عندنا نحن العرب فقط. فالمسيحي الليبرالي المعاصر في فرنسا أو أوروبا لا يعتبر فترة محاكم التفتيش جزءا من تراثه الذي يعتد به أو يفتخر! على العكس تماما فانه يخجل بتلك الفترة ويعتذر عنها. إنه لا ينفي حصولها اطلاقا ولكنه يتمنى لو أنها لم تكن. وقل الأمر ذاته عن فترة الحروب الصليبية وكل الفظائع التي رافقتها. وقل الأمر ذاته عن حروب المذاهب المسيحية فيما بينها وكل من حرض عليها وأشعلها. وقل الأمر ذاته عن أساطين الأصولية المسيحية الذين أشعلوا النيران في كل مكان. كل هذا يكرهه المثقف الليبرالي الحديث ويدينه. أما المسيحي الأصولي فانه يفتخر به ويعتبره الصفحة الأولى من التراث. انه يفتخر بالانتصار على الكفار الزنادقة! انه يفتخر بسحق المثقفين الأوروبيين متهما إياهم بالكفر والخروج على الدين. ماذا فعلوا بجيوردانو برينو أو جاليليو أو جان جاك روسو والقائمة طويلة. كل هؤلاء لا يساوون قشرة بصلة عند المثقف الأصولي العتيد. صحيح أن المتزمتين الأوروبيين أصبحوا أقلية قليلة تشبه المستحاثات المنقرضة أو المرشحة للانقراض في بلدان تطغى عليها الحداثة من أقصاها الى أقصاها. ولكنهم لا يزالون موجودين على هيئة جزر صغيرة منعزلة هنا أو هناك. أما عندنا فهم الأغلبية الغالبة وأمامهم تنحني الرقاب. الصورة معكوسة تماما ولا مجال للمقارنة. من يتجرأ على مواجهتهم أو حتى مساءلتهم مجرد مساءلة؟ على الرغم من كل ما ارتكب من فظائع ومجازر، على الرغم من بوكو حرام وغير بوكو حرام فلا يزالون يرفعون رؤوسهم مهددين متوعدين. بدلا من أن يكونوا في خط الدفاع اذا بهم في خط الهجوم. والله لو كنت مكانهم لما تجرأت على الخروج في الشارع ناهيك عن رفع صوتي. ولكنهم لا يشعرون بأي مشكلة. وهنا تكمن المشكلة بالضبط.
افتخارات الأوروبيينولكن بالمقابل نجد المثقفين العقلانيين الأوروبيين يفتخرون بالصفحات المضيئة من تراثهم وهي كثيرة منذ عصر النهضة وحتى اليوم. إنهم يفتخرون بالأعلام الكبار الذين أخرجوهم من ظلمات الجهل ومحاكم التفتيش السيئة الذكر. إنهم يفتخرون بأولئك الذين نوروهم وثقفوهم وفتحوا لهم الآفاق. وبهذا الصدد نجد من الطبيعي أن يفتخروا بديكارت أكثر من بوسّويه زعيم الأصولية الفرنسية على الرغم من أنه كان خطيبا مصقعا ومفكرا لا يستهان به. ومعلوم أنه كان يجسد في شخصه عبقرية الأصولية المسيحية في نسختها الكاثوليكية البابوية المتعصبة. ولذلك كان يلعن البروتستانتيين نهارا جهارا ويدعو الى قتلهم واستئصالهم على الرغم من أنهم كانوا مسيحيين مثله يؤمنون بالإنجيل ورسالة السيد المسيح. ولكنهم يختلفون عنه في بعض التفاصيل اللاهوتية. ولذا كان يفتي بتكفيرهم ويهنئ لويس الرابع عشر على قتلهم واستئصالهم باعتبار أنهم زنادقة وأنه لا يمكن أن يوجد الا مذهب واحد صحيح داخل الدين، أي مذهب قويم مستقيم، هو مذهب الأغلبية الكاثوليكية التي كانت تشكل تسعين بالمائة من الشعب الفرنسي. فهي وحدها الفرقة الناجية في نظره. ومعلوم أنه داخل منظور العصور الوسطى فلا يمكن أن يوجد إلا دين واحد صحيح أو مذهب واحد صحيح داخل نفس الدين. بمعنى آخر فإن التعددية الدينية أو المذهبية كانت تشكل ما يدعوه أركون باللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه داخل ذلك المنظور القديم الذي ساد المسيحية والاسلام في آن معا. ولكن المسيحية الأوروبية خرجت منه بعد عصر الأنوار. أما الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية فلم تخرج منه الا بعد انعقاد المجمع الكنسي التحريري الشهير باسم الفاتيكان الثاني عام 1962 ـ 1965. عندئذ تخلت الكنيسة الكاثوليكية عن احتكارها للحقيقة الالهية المطلقة واعترفت بمشروعية الأديان الأخرى وفي طليعتها الإسلام. ولكنها طيلة قرون وقرون كانت تردد الفتوى اللاهوتية الشهيرة: «خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة لا مرضاة عند الله ولا نجاة في الدار الآخرة». أما الآن فأصبحوا يعتقدون بأن هناك عدة طرق تؤدي الى الله لا طريقا واحدا اذا ما صدقت النوايا وخلصت الأعمال. وهذا ما يعتقده القرآن الكريم ذاته اذ يقول:
«ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» (الحجرات،13)
ثم هذه الآية الواردة ثلاث مرات في القرآن الكريم مع تغيير طفيف والتي تعترف بالأديان الأخرى وتسميها بأسمائها صراحة:
«إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (البقرة،62)
ثم بعد كل ذلك يقولون لك بأن القرآن كتاب عنف وإرهاب وتكفير من أوله الى آخره!! ومن المسؤول عن ترسيخ هذه الصورة السلبية البشعة عن كتاب الله؟ جماعة الإخوان وكل الحركات المتطرفة التي خرجت من معطفهم. وبالتالي فقد آن الأوان لانتزاع القرآن الكريم والتراث العظيم كله من براثنهم. لقد أخذوهما رهينة وشوهوا صورتنا في شتى أنحاء العالم. ولن تقوم لنا قائمة قبل أن نظهر للعالم كله الصورة الحقيقية المشرقة لقرآننا وديننا وتراثنا.
فرز وغربلةوبالتالي فكما يحق للفرنسي أو الأوروبي عموما أن يغربل تراثه، فإنه يحق لي أن أيضاً أقوم بعملية الفرز والغربلة فآخذ من التراث ما أعتبره مضيئاً وأترك ما عداه. أنا لست مجبراً على الالتزام الحرفي بكل شيء، بكل ما هب ودب. هناك صفحات مشرقة في تراثي ويحق لي أن أفتخر بها وأعتز. ولا يمكن أن أتخلى عنها بأي شكل من الأشكال. وهي عديدة جدا لحسن الحظ. ولكن هناك صفحات غير مشرقة على الإطلاق ويحق لي أن أتجاهلها. بل اني لا أستطيع أن أتقدم خطوة الى الأمام اذا لم أتجاهلها وأحيّدها وأعزلها من طريقي أو أنزلها عن كتفي. ولكن ما الذي يحصل عندنا الآن؟ العكس تماما. فما ينبغي أن نفتخر به نحتقره، وما ينبغي أن نطرحه نفتخر به ونعتز! ما ينبغي إدخاله في برامج التعليم لتنوير الأجيال الطالعة نحذفه كليا، وما ينبغي إخراجه منها فورا نجده في موقع الصدارة. كيف تريدون أن تستقيم الأمور في مثل هذه الحالة؟ لماذا تستغربون حصول صدام مروع بيننا وبين العصر كله؟ لماذا تستغربون ظهور داعش وغير داعش؟ وهذا التعليم الظلامي سائد ليس فقط الآن، وانما منذ الدخول في عصر الانحطاط أي منذ سبعمائة سنة على الأقل. نعم ان معظم ما يحتقره الأصولي أو الإخواني الحالي أحترمه ومعظم ما يحترمه ويبجله لا يعني لي شيئا يذكر. مرجعياته ليست مرجعياتي. هو يقدس ابن تيمية ويعتبره معصوما تقريبا، وأنا أعتبره إحدى شخصياتنا الدينية الكبرى بدون شك. ولكنه أسرف وتطرف رحمه الله عندما كفر جميع الأديان والمذاهب الأخرى. وبما أن كل الحركات الأصولية الحالية تنسب نفسها اليه وتعتبره مرجعيتها الأولى فإنه أصبح يمثل مشكلة دولية من أعلى طراز. وبالتالي فيحق لي أن أنسب نفسي الى ابن عربي لا الى ابن تيمية لأن الأول يمثل عبقرية الانفتاح في حين أن الثاني يمثل عبقرية الانغلاق. فمن يمنعني من ذلك؟ كلاهما من تراثي. كلاهما شخصية ضخمة داخل التراث العربي الاسلامي الكبير. وأنا أختار منه ما أشاء، وأتعلق بما أشاء. لماذا يعجبني ابن عربي؟ لأنه قال هذه الأبيات الرائعة التي لا تكاد تصدق والتي لا أتجرأ على الاستشهاد بها في محافل اخوانية أو سلفية:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
اذا لم يكن ديني الى دينه داني
وقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالحب ديني وايماني
هذه الأبيات تمثل عقيدتي وعقيدة الحداثة العالمية التنويرية كلها. وأستطيع أن أواجه بها العالم بأسره وأثبت للشامتين المغرضين المقهقهين بأن تراثي ليس كله تراثا تكفيريا ظلاميا كما يزعمون أو يتوهمون. نعم أستطيع أن أستشهد بابن عربي في كل عواصم الغرب والشرق دون أن ينظر الي أحد شذرا. ولكني لا أستطيع أن أذكر اسم ابن تيمية مجرد ذكر في باريس أو واشنطن أو موسكو أو طوكيو.. لماذا؟ لأنه هو الذي يقف وراء داعش والقاعدة ويغذيهما بفكره المتطرف. أو على الأقل هذه هي الصورة المشكلة عنه من قبل المتطرفين. وأنا شخصياً أعتقد أنه لا يمكن اختزاله الى فتاوى التكفير. ففكره أكبر من ذلك وأكثر تشعباً وأهمية بكثير. لقد كان عالماً ضخماً أما هم فلا يفقهون شيئاً. بل وحتى داخل القرآن الكريم ذاته فان ما يهمله الاخواني أو ينسخه من الآيات البينات أعتبره أنا ذروة الذرى وقمة القمم.. يحق له أن يرسم شعاره الشهير على هيئة سيفين معقوفين متصالبين وبينهما المصحف وتحتهما كلمة «وأعدوا»!.. ويحق لي أن أرد عليه قائلا: ليس من حقك مصادرة القرآن الكريم على هذا النحو فهو ليس كتاب إرهاب ولا تخويف. لقد فهمتم الاسلام بطريقة خالية من أي شفقة أو رحمة. وهذا مضاد لجوهر القرآن الكريم الذي يبتدئ دائما بالآية الكريمة التالية: «بسم الله الرحمن الرحيم».ولذلك نقول لهم: لا يحق لكم اختزاله الى مجرد آية واحدة أو كلمة واحدة منزوعة من سياقها. هم يعتبرون أن آية السيف وبقية الآيات التكفيرية القتالية الحامية تنسخ ما عداها. وأنا أعتبر العكس تماماً. فآيات الرحمة والتسامح والغفران والسلام تملأ القرآن الكريم من أقصاه الى أقصاه. وهذه الآيات ذات القيم الايمانية الكونية التي تعترف بمشروعية الأديان الأخرى هي التي تنسخ ما عداها. هل هو النص التنويري ضد النص التكفيري؟ ربما. لم لا؟ فآيات التكفير والعنف تعد على أصابع اليد الواحدة، وهي دائما مشروطة. واذا ما ربطناها بسياقها التاريخي خفت شحنتها التكفيرية بل وحُصرت بظروف عصرها. فجوهر القرآن الكريم والاسلام الحنيف ليس الشر ولا الارهاب ولا العنف المجاني وانما حمل الخير للبشرية جمعاء: «وما أرسلناك الا رحمة للعالمين».
أختتم شروحاتي لمقولة «لكم تراثكم ولي تراثي» مضيفا ما يلي. هناك فتوى تراثية شائعة تقول: «زنادقة الاسلام ثلاثة المعري وابن الراوندي والتوحيدي. وشرهما على الاسلام التوحيدي لأنهما صرحا وهو مجمجم لم يصرح». أنا على عكس الثقافة الأصولية السائدة لا أحتقر هؤلاء المفكرين العظماء ولا أكفرهم اطلاقاً، وانما أحترمهم جداً بل وأفاخر بهم الأمم. وأصلا ليس عندنا أكبر من المعري لكي نفاخر به الأوروبيين ونقول لهم بأنه سبق دانتي ان لم يكن قد أثر عليه. رسالة الغفران رائعة أدبية وفكرية نادرة ليس فقط في التاريخ العربي وانما الكوني أيضا. وصاحبها علم من أعلام الفكر والعقل في تاريخ الاسلام كله. فلماذا أخجل به؟ لماذا لا أتجرأ على الاستشهاد به في كليات الشريعة مثلا أو في المعاهد الدينية التقليدية؟ لماذا أعد على العشرة قبل أن أذكر اسم فلاسفتنا وعظمائنا، قديمهم والحديث، أما شخص تراثي أو مثقف محافظ؟ لو كنت مسؤولا عن برامج التعليم لملأت بهم الكتب ولأحللتهم فورا محل المرجعيات الأصولية الانغلاقية التي تغذي الطالبان وغير الطالبان وتخرجهم جيوشا بالملايين في أفغانستان والباكستان وكل بلاد العرب والاسلام. وهذا ما حاول أن يفعله في وقته المفكر التونسي محمد الشرفي عندما كان وزيرا للتعليم. ولكنهم لم يعطوه الامكانيات الكافية لتأدية مهمته فاستقال. كان يعرف أن أصل المشكلة يكمن هنا. فالتعليم هو المسؤول الأول عن تخريج الأجيال اما في هذا الاتجاه أو ذاك. والمعركة فكرية في العالم العربي قبل أن تكون سياسية. ولذلك فلن يحصل أي انتصار على داعش وسواها ما لم تتغير برامج التعليم والثقافة الدينية السائدة التي هي ظلامية في معظمها. وبالتالي فالمعركة أكبر مما نتصور وأكثر عمقا وخطورة.
_________
*الاتحاد

شاهد أيضاً

فايز صُيّاغ: مثقَّف موسوعيّ ومترجم قدير خسرته الثقافة العربية

*فخري صالح ما يحفظ للثقافة العربية حضورَها وحيويَّتها، في الوقت الراهن، ثلَّةٌ قليلةٌ من المبدعين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *