الرئيسية / فيديو / ‬موديانو في خطبة نوبل‮:‬ ‬أنا ابن الحرب وفرنسا المحتلة

‬موديانو في خطبة نوبل‮:‬ ‬أنا ابن الحرب وفرنسا المحتلة


*ترجمة‮:‬‮ ‬لطفى السيد

أود أن أقول لكم بكل بساطة كم أنا سعيد لوجودي بينكم وكم أنا متأثر بالشرف الذي أوليتموني إياه بمنحي جائزة نوبل في الآداب‮. ‬

إنها المرة الأولي التي ينبغي علي فيها أن ألقي خطابا أمام هذا الجمع الغفير وأشعر من ذلك ببعض التخوف‮. ‬نميل إلي الاعتقاد أنه،‮ ‬بالنسبة للكاتب،‮ ‬من الطبيعي ومن السهل الانخراط في هذا التمرين،‮ ‬لكن الكاتب‮- ‬أو علي الأقل الروائي‮- ‬له علاقة صعبة،‮ ‬في أغلب الأحيان،‮ ‬بالكلام‮. ‬ولو استدعينا هذا التمييز المدرسي بين الكتابي والشفاهي،‮ ‬فالروائي أكثر موهبة في الكتابة منه في الكلام‮.‬
‮ ‬الكاتب يعتاد علي الصمت وإن ود اختراق مناخ ما ووجب عليه الانصهار في حشد،‮ ‬يسمع الحوارات دون أن يظهر،‮ ‬وإن اشتبك في هذه الحوارات،‮ ‬يطرح دوما بعض الأسئلة الحصيفة حتي يفهم جيدا النساء والرجال الذين يحيطوبه‮. ‬يتردد في كلامه بسبب اعتياده علي محو كتاباته‮. ‬بكل تأكيد،‮ ‬بعد العديد من المحو،‮ ‬قد يبدو أسلوبه صافيًا‮. ‬لكن عندما يتحدث لا يجد مخرجًا لتصحيح تردداته‮.‬
‮ ‬ثم إنني أنتمي لجيل لم يسمح للأطفال بالحديث إلا في بعض المناسبات النادرة،‮ ‬وإذا طلبوا تصريحا بذلك،‮ ‬ومع ذلك لم يسمعوهم وفي الغالب الأعم كان يقطعون حديثهم‮. ‬هذا ما يفسر صعوبة تعبير البعض مننا،‮ ‬فتارة مترددين وتارة متسرعين جدا،‮ ‬وكأنهم يخشون مقاطعتهم في كل لحظة‮. ‬من هنا وبلا شك جاءت الرغبة في الكتابة التي شغفت بها،‮ ‬مثل كثيرين آخرين،‮ ‬للخروج من الطفولة‮. ‬تود أن يقرأك البالغون‮. ‬سوف يضطرون هكذا لسماعك دون مقاطعتك وسيعرفون مرة واحدة وللأبد ما في قلبك‮.‬
‮ ‬الإعلان عن هذه الجائزة بدا لي‮ ‬غير واقعي واحترت في معرفة لماذا تم اختياري‮. ‬في ذلك اليوم،‮ ‬أعتقد أنني لم أشعر قط علي نحو قوي جدا كم أن الروائي أعمي بإزاء أعماله الخاصة وكم أن القارئ يعلم أكثر منه عما يكتبه‮. ‬الروائي لا يمكن أن يكون قارئه إلا ليصحح في مخطوطه بناء الجملة،‮ ‬التكرار،‮ ‬ومحو الفقرات الزائدة‮. ‬ليس لديه سوي تمثيل مشوش وجزئي عن كتبه،‮ ‬كرسام منهمك في عمل لوحة فريسك علي السقف،‮ ‬وممد علي السقالة،‮ ‬يعمل علي التفاصيل من أقرب مكان ممكن أقرب،‮ ‬دون أن يري المجموع‮.‬
‮ ‬نشاط الكتابة نشاط متفرد مثير للفضول‮. ‬تمرون بلحظات من الإحباط عندما تكتبون الصفحات الأولي من رواية‮. ‬ينتابكم،‮ ‬كل يوم،‮ ‬إحساس بالسير في الطريق الخطأ‮. ‬ومن ثم تكون الغواية كبيرة للرجوع للخلف والانخراط في طريق آخر‮. ‬لكن لا ينبغي الاستسلام لهذه الغواية بل اتباع نفس الطريق‮. ‬الأمر تقريبا كما تكون وراء عجلة قيادة سيارة ليلا،‮ ‬في الشتاء،‮ ‬وتسير في شبورة جليدية دونما أدني رؤية‮. ‬ليس لديك اختيار،‮ ‬ولا تستطيع السير للخلف،‮ ‬وينبغي أن تستمر في التقدم محدثا نفسك بأن الطريق سيكون في نهاية المطاف أكثر استقرارًا وستنجلي الشبورة‮ .‬
‮ ‬في المرحلة الأخيرة من الانتهاء من كتاب،‮ ‬يبدو لك أنك تبدأ في الانفصال عن نفسك وأنك تتنفس بالفعل هواء الحرية،‮ ‬كالأطفال في الدراسة عشية الإجازات الكبيرة،‮ ‬يكونون لاهين وصاخبين ولا يستمعون لمعلميهم‮. ‬أود أن أقول أيضا إنه في اللحظة التي تكتب فيها الفقرات الأخيرة،‮ ‬يشهد الكتاب بعض العدوانية في عجلته للتحرر منك‮. ‬يغادرك بمجرد أن تخط الكلمة الأخيرة‮. ‬انتهي الأمر،‮ ‬لم يعد به حاجة لك،‮ ‬لقد نسيك‮. ‬والآن القراء هم من يكشفونه لك‮. ‬تشعر في هذه اللحظة بفراغ‮ ‬عظيم وبأنك قد أهملت‮. ‬تشعر بعدم الرضي بسبب هذه العلاقة بين الكتاب وبينك التي سرعان ما انقطعت‮. ‬عدم الرضي هذا وهذه العاطفة‮ ‬غير المكتملة تدفعانك لكتابة الكتاب التالي لتوطد التواز،‮ ‬دون أن تصل له قط‮. ‬كلما مرت السنون تتوالي الكتب ويتحدث القراء عن‮ “‬مشروع‮”. ‬لكن ينتابك شعور هو الهروب بعيدا للأمام‮.‬
‮ ‬نعم،‮ ‬القارئ يعرف أكثر عن الكتاب من مؤلفه نفسه‮. ‬يحدث بين القارئ والرواية ظاهرة تشبه ظاهرة تحميض الصور،‮ ‬التي كنا نمارسها قبل العصر الرقمي‮. ‬من لحظة تداولها في الغرفة المظلمة تصير الصورة شيئا فشيئا مرئية‮. ‬كلما تقدم المرء في قراءة الرواية،‮ ‬تحدث نفس عملية التطور الكيميائي‮. ‬لكن حتي يوجد مثل هذا الاتفاق بين المؤلف والقارئ،‮ ‬من الضروري ألا يجبر قط المؤلف قارئه،‮ ‬بالمعني الذي يقال عن مطرب يفرض صوته،‮ ‬ولكن يشده بشكل لا يحسه ويسمح له بهامش كاف حتي يشبعه الكتاب تدريجيا،‮ ‬وذلك عبر فن يشبه الوخز بالإبر،‮ ‬حيث يكفي أن توخز الابرة في مكان محدد حتي يشيع التدفق في كل النظام العصبي‮.‬
‮ ‬هذه العلاقة الحميمية والتكميلية بين الروائي وقارئه يبدو أن المرء يجد معادلها في الحقل الموسيقي‮. ‬اعتقد دائما أن الكتابة قريبة من الموسيقي،‮ ‬لكن أقل نقاءً‮ ‬بكثير منها،‮ ‬وأحسد دائما الموسيقيين الذين يبدون لي أنهم يمارسون فنا أعلي من الرواية‮- ‬والشعراء أقرب ما يكونون للموسيقيين من الروائيين‮. ‬بدأت في كتابة قصائد في طفولتي،‮ ‬ولذلك دون شك فهمت بشكل أفضل الفكرة التأملية التي قرأتها في مكان ما‮:”‬إنه من الشعراء السيئين يخلق كتاب النثر‮”. ‬وفيما يتعلق بالموسيقيين،‮ ‬المقصود في الغالب بالنسبة للروائي أن يجذب كل الأشخاص والمناظر،‮ ‬يعاين الشوارع في تقسيم موسيقي حيث يعثر المرء علي نفس المقطوعات اللحنية من كتاب لآخر،‮ ‬لكنه تقسيم موسيقي‮ ‬غير كامل‮. ‬الروائيون يأسفون لعدم كونهم موسيقيين صرف،‮ ‬وأنهم لم يؤلفوا الـ‮ ‬
nocturnes لـ‮ ‬شوبان‮.‬
‮ ‬يكمن فقدان الوضوح والتراجع النقدي لروائي إزاء مجمل أعماله الخاصة في ظاهرة لاحظتها في حالتي وفي حالة كثيرين آخرين‮: ‬كل كتاب جديد،‮ ‬في لحظة الكتابة،‮ ‬يمحو السابق،‮ ‬لدرجة أن يولد لدي انطباع أنني قد نسيته‮. ‬أعتقد أنني كتبت رواياتي بشكل متواصل وراء بعضها البعض بضربات من لحظات النسيان المتعاقبة،‮ ‬لكن‮ ‬غالبا نفس الوجوه،‮ ‬نفس الأسماء،‮ ‬نفس الأماكن،‮ ‬نفس الجمل تعود من كتاب لآخر،‮ ‬مثل موتيفات مفرش كان قد تم نسجه في لحظة بين الصحو والنوم‮. ‬غفوة أو بالأحري حلم يقظة‮. ‬الروائي في الغالب مسرنم،‮ ‬كم هو مخترق بما ينبغي أن يكتب،‮ ‬وقد يخاف أن يسحق أثناءعبوره أحد الشوارع‮. ‬لكن المرء ينسي هذه الدقة المتناهية للمسرنمين وهم يسيرون نياما علي الأسطح دون أن يسقطوا‮.‬
‮ ‬في البيان الذي تلي الإعلان عن جائزة نوبل هذه،‮ ‬استوقفت العبارة التالية،‮ ‬التي كانت إشارة للحرب العالمية‮:” ‬أماط اللثام عن عالم الاحتلال‮”. ‬أنا مثل كل اللاتي والذين ولدوا في عام1945،‮ ‬طفل الحرب وعلي نحو أكثر تحديدا،‮ ‬بما أنني ولدت في باريس،‮ ‬طفل يرجع ميلاده لباريس الاحتلال‮. ‬الأشخاص الذين ولدوا في باريس تلك أرادوا نسيناها بأسرع ما يمكن،‮ ‬أو بالأحري لا يتذكرون سوي التفاصيل اليومية،‮ ‬أو هؤلاء الذين أوهمونا أنه بعد مجمل المعيشة كل يوم لا يجدونه يختلف كثيرا عما كانوا يعيشونه في الأوقات العادية‮. ‬حلم سيء وكذلك ندم‮ ‬غامض بعد أن كانوا نوعا ما من الناجين‮. ‬وعندما سألهم أبناؤهم فيما بعد عن هذه المرحلة وعن باريس تلك،‮ ‬كانت اجاباتهم مراوغة‮. ‬أو بالأحري التزموا الصمت كما لو كانوا يريدون محو ذكرياتهم‮. ‬هذه السنوات مظلمة ومخفاة عنا بعض الشيء‮. ‬لكن أمام مرات الصمت من آبائنا،‮ ‬خمنا كل شيء،‮ ‬كما لو كنا قد عشناها‮. ‬
‮ ‬كم كانت مدينة‮ ‬غريبة باريس الاحتلال هذه‮. ‬في الظاهر،‮ ‬الحياة تتواصل‮ “‬كالسابق‮”. ‬المسارح،‮ ‬دور السينما،‮ ‬قاعات الميوزك هول،‮ ‬والمطاعم المفتوحة‮. ‬كنا نسمع الأغاني في الراديو‮. ‬كان هناك أيضا الكثير من الناس في المسارح ودور السينما مثل ما قبل الحرب،‮ ‬كما لو كانت كل هذه الأماكن مخابئ يتجمع فيها الناس وينضمون إلي بعضهم البعض ويتضامنوا‮. ‬لكن كثير من التفاصيل الغريبة أوضحت أنها لم تعد‮.
نفسها باريس السابقة‮. ‬بسبب‮ ‬غياب السيارات،‮ ‬كانت مدينة صامتة،‮ ‬صمت نسمع معه حفيف الأشجار،‮ ‬اصطفاق حوافر الخيل،‮ ‬ضجيج خطوات الجمع علي الجدات،‮ ‬صخب الأصوات‮. ‬في صمت الشوارع والإظلام الذي يحدث في الشتاء حوالي الخامسة مساءا،‮ ‬كان ادني ضوء من النافذة ممنوعا‮. ‬كانت تبدو هذه المدينة‮ ‬غائبة عن نفسها‮- ‬مدينة‮ “‬بلا عيون‮” ‬كما كان يقول المحتل النازي‮. ‬كان من الممكن
اختفاء الكبار والأطفال من لحظة لأخري دون أن يتركوا أي أثر،‮ ‬وحتي بين الأصدقاء كنا نتكلم بشكل إيحائي ولم تكن المحادثات صريحة أبدا لأننا كنا نشعر بتهديد يطير في الهواء‮.‬
في باريس هذه الحلم السييء،‮ ‬حيث يجازف المرء أن يصبح ضحية لوشاية أو لكبسة عند الخروج من محطة المترو،‮ ‬ان المقابلات خطرة وتحدث بين أشخاص يفعلونها في أوقات الطمأنينة،‮ ‬غراميات عابرة تولد في ظل اطفاء النور دون أن يكون المرء متأكدا من العثور عليها في الأيام المقبلة‮. ‬وبالتالي تكون هذه المقابلات في الغالب بلا‮ ‬غد،‮ ‬وأحيانا يولد من هذه المقابلات السيئة أطفال فيما بعد‮. ‬ولذلك كانت باريس الاحتلال بالنسبة لي دوما كليل أصيل‮. ‬بدونه لم أكن لأولد قط‮. ‬لم تتوقف باريس تلك عن تسلطها بضوء ملثم تنضح به كتبي أحيانا‮.‬
‮ ‬ها هي تجربة كاتب تميز بطريقة راسخة بتاريخ ميلاده وزمنه،‮ ‬حتي وإن لم يشترك مباشرة في الحدث السياسي،‮ ‬حتي لو أعطي انطباعًا بعزلته،‮ ‬منسحبا فيما نسميه‮” ‬برجه العاجي‮”. ‬وإن كتب قصائد،‮ ‬تكون صورة عصره الذي يعيشه ولا يمكن أن تكون مكتوبة في عصر آخر‮.‬
هذه هي قصيدة ييتس،‮ ‬الكاتب الأيرلندي العظيم،‮ ‬والتي دائما تؤثر علي نحو عميق قراءتها‮:” ‬البجعات البرية في كول‮. ‬في أحد المتنزهات يراقب ييتس البجعات وهي تنساب فوق الماء‮”.‬
‮ ‬ظهر البجع في كثير من أشعار القرن التاسع عشر‮- ‬عند بودلير أو مالارميه‮. ‬لكن قصيدة ييتس هذه لا يمكن أن تكون مكتوبة إلا في القرن التاسع عشر‮. ‬بإيقاعها المتميز و سودواويتها،‮ ‬تنتمي للقرن التاسع عشر وأيضا للسنة التي كتبت فيها‮. ‬
‮ ‬يحدث أيضا أنني ككاتب في القرن الحادي والعشرين أشعر،‮ ‬أحيانا،‮ ‬بأنني حبيس زمني،‮ ‬وأن روائيي القرن التاسع عشر العظام،‮ ‬بلزاك،‮ ‬ديكنز،‮ ‬تولوستوي،‮ ‬ديوستوفسكي،‮ ‬يبعثون في نفسي بعض الحنين‮. ‬في ذلك العصر،‮ ‬كان الزمن يجري بطريقة أكثر بطئًا من اليوم،‮ ‬وهذا البطء يتوافق وعمل الروائي لأنه يستطيع أن يركز أكثر طاقته وانتباهه‮. ‬منذ ذلك،‮ ‬تسارع الزمن وتقدم في شكل انتفاضات مما يفسر الفرق بين السلاسل الروائية الضخمة في الماضي،‮ ‬وفي فن العمارة الكاتدرائي،‮ ‬والأعمال‮ ‬غير المتصلة والمجزئة اليوم‮. ‬من هذا المنظور،‮ ‬أنتمي لجيل وسيط وسأكون شغوفا لمعرفة كيف ستعبر الأجيال التي ولدت مع الإنترنت والتليفون المحمول والإيميل وتويتر عبر الأدب عن هذا العالم الذي‮ “‬يتصل‮” ‬فيه كل واحد بشكل دائم وحيث‮” ‬شبكات التواصل الاجتماعي تخدش الحميمية التي كانت لا تزال ملكنا حتي وقت قريب‮. ‬الحميمية التي تمنح عمقا للأشخاص ومن الممكن أن تكون موضوعا روائيا عظيما‮. ‬لكني أود أن أبقي متفائلا فيما يتعلق بمستقبل الأدب وأن واثق أن كتاب المستقبل سيؤكدون علي التناوب كما فعل ذلك كل جيل منذ هوميروس‮.‬
‮ ‬وعلاوة علي ذلك،‮ ‬الكاتب مثل كل فنان آخر،‮ ‬ويجب أن يرتبط بعصره علي نحو وثيق ولا يهرب منه،‮ ‬والهواء الوحيد الذي يتنفسه هو ما يمكن أن ندعوه”هواء زمنه‮”. ‬دائما ما أعبر في كتبي عن شيئ ما من الأبدية‮. ‬في مسرحيات راسين أو شكسبير لا يهم أن تكون الشخصيات مرتدية ملابس عتيقة أو يجعلهم المخرج يرتدون الجينز والجواكت الجلد‮. ‬هذه تفاصيل لا أهمية لها‮. ‬ننسي،أثناء قراءة تولوستوي،‮ ‬أن آنا كارنينا ترتدي ملابس‮ ‬1870،‮ ‬كم هي قريبة منا بعد قرن ونصف‮. ‬ثم بعض الكتاب،‮ ‬مثل إدجار آلن بو،‮ ‬ملفيل،‮ ‬ستندال،‮ ‬مفهوموين علي نحو أفضل بعد مائتي عام من موتهم من هؤلاء الذين كانوا معاصريهم‮.‬
‬في النهاية،‮ ‬علي أي مسافة يقف الروائي بالضبط؟ علي هامش الحياة ليصفها،‮ ‬لأنك لو‮ ‬غرقت فيها،‮ ‬في الحدث،‮ ‬سوف يكون لديك صورة مشوشة عنها‮. ‬لكن هذه المسافة الخفيفة لن تمنعه القدرة علي التماهي التي تكون له إزاء شخصياته وإزاء النساء والرجال الذين استلهمهم من الحياة الواقعية‮.‬
‮ ‬قال فلوبير‮:”‬مدام بوفاري هي أنا‮”. ‬وتولستوي تماهي في الحال مع هذه التي راها تلقي بنفسها تحت القطار ليلا،‮ ‬في محطة روسيا‮. ‬وموهبة التماهي هذه ذهبت بعيدا جدا لدرجة أن تولستوي انصهر مع السماء والمنظر الذي كان يصفه واسغرقه كليا،‮ ‬حتي أبسط حركة من جفن آنا كارنينا‮. ‬هذه الحالة الثانية هي نقيض النرجسية لأنها تفترض في آن نسيانا لذاته وتركيزا عاليا جدا علي‮ ‬غيره،‮ ‬حتي يتجاوب مع أقل تفصيلة‮. ‬ذلك يفترض أيضا بعض العزلة‮. ‬وهي لا يعني الانكفاء علي الذات،‮ ‬ولكن تعني الوصول لدرجة من الانتباه والشفافية العالية اتجاه العالم الخارجي لنقله في رواية‮.‬
‮ ‬________
* أخبار الأدب.

شاهد أيضاً

(فيديو) بليغ حمدي: أم كلثوم أصرت على المقدمة الطويلة في أغنية ألف ليلة وليلة لتتغلب على الخوف

(ثقافات)   يسرنا أن ننشر هنا الفيديو الخاص بالمقابلة التي أجرتها الروائية والإعلامية ليلى الأطرش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *