الرئيسية / مقالات / العمل الثقافي

العمل الثقافي


*سعيد يقطين

يتطور العمل الثقافي في سياق التحولات الاجتماعية والتبدلات الفكرية التي يعرفها المجتمع، فيكون له دور مهم في تشكل المدارس الأدبية والتيارات الفكرية، والمجتمعات الثقافية، وينجم عن ذلك بروز الجمهور الثقافي الذي ينخرط بدوره في هذه الصيرورة، من خلال اتصاله بالمدرسة والجامعة والساحة الثقافية، فتتطور القضايا وتتعدد الإشكالات. 

لا يتعلق الأمر فقط بسياق التحول الاجتماعي، ولكن أيضا بالكيفية التي ينظم بها العمل الثقافي ويمارس من خلال الفاعلين الثقافيين. وكلما كان التفاعل بين التنظيم والممارسة، كان بالإمكان تأطيره وفق مبادئ تُمكِّنه من أن يكون له حضور وتأثير في الواقع الاجتماعي ـ التاريخي. ومتى غاب ذلك، لم تكن له أي فاعلية. ولمعالجة واقع العمل الثقافي في الوطن العربي حاليا، لا بد لنا من الانطلاق من رؤية شاملة وتاريخية تتيح لنا الوقوف على العوامل التي ساهمت في طبعه بالسمات التي يعرفها بهدف البحث عن الإمكانات التي تعمل على تخليقه ودفعه نحو التفاعل مع مجريات التطور التي يعرفها العصر.
يمكننا التمييز بين ثلاث حقب كبرى للعمل الثقافي في صيرورته الحديثة. في البدء كان للعمل الثقافي بعد وطني إبان تشكل الدولة العربية الحديثة التي كانت تبحث لها عن مقومات الوجود. فتوازى ذلك مع ما يمكن تسميته بـ»حماس التأسيس». فكان لانخراط المثقفين دور مهم في صياغة الأسئلة التي ساهم الكل في محاولة التفكير فيها، والجواب عنها بما يتلاءم مع تصوراته التي تشكلت بناء على ميوله ورؤيته. تضافرت في هذه الحقبة جهود الدولة مع استعدادات المثقفين، فحصل التلاؤم حول تطوير العمل الثقافي، فتحملت الدولة جزءا مهما من أعباء عملية التطوير عن طريق إحداث بنيات ضرورية للعمل الثقافي، وتكلف المجتمع الثقافي بجهد الإبداع والتفكير، فكانت النتيجة أن قامت المؤسسة.
ثم سرعان ما بدأ التمايز، بفعل التطور، بين عمل كل من المؤسستين السياسية والثقافية، ووظيفة كل منهما، والعلاقات التي يمكن أن تحكمهما. كانت كل مؤسسة تسعى لجعل الأخرى في خدمتها، وملحقة بها. ومن هنا بدأ التمايز الذي أدى إلى الصراع أحيانا. وبحسب خصوصية تجارب الدول العربية الحديثة، هيمنت مؤسسة الدولة على الثقافي في بعض الأقطار، فجعلته في ركابها (مصر مثلا)؛ ورغم ظهور المعارضة، فقد بقيت ممسكة بزمام المبادرة في توجيهه لخدمتها من خلال سيطرتها على الإعلام، وتوظيف المثقفين. في حين استقلت المؤسسة الثقافية في تجارب أخرى (المغرب مثلا)، عن الدولة، وغدت تسيرها المؤسسة السياسية المعارضة وهي توظفها في مسيرتها ضد الدولة، فحصل نوع من التلاؤم بين المؤسسة الثقافية، والمعارضة السياسية. وتم هذا بصورة خاصة، بعيد هزيمة 67. ومن خلال التجربتين المختلفتين نجد العمل الثقافي يرتبط، بـ»النضال الاجتماعي». وصار ما يمكن أن نسميه بـ»حلم التغيير» موجه العمل الثقافي لدى الذين انخرطوا في هذا المسار، وبقيت المؤسسة الثقافية التابعة للدولة تمارس دورها في ضبط التوازن، وممارسة الهيمنة. 
إن أهم ما يمكن تسجيله بخصوص الحقبتين الوطنية والنضالية هو غلبة الروح الاجتماعية والوظيفية للعمل الثقافي، حيث كان الهم الأساس هو خدمة الثقافة، بحس وطني يغلب عليه الحماس، تارة، وحلم التغيير، طورا. ولذلك كان التطوع، والمبادرة في تنويع أساليب العمل بهدف ابتكار طرائق متعددة لإشاعة الوعي الثقافي. وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة تشجع العمل الثقافي، متيحة هامشا ما للمثقفين (مصر ـ العراق ـ سوريا)، كانت الأحزاب المعارضة تضطلع بالدور نفسه تقريبا في تجارب أخرى، فكانت النتيجة أن تطور العمل الثقافي، وكان له تأثير في الحياة. وما إن تراجع هذا التلاؤم، بفعل التدهور الذي أدى إلى نكوص التفاعل، وتعرض المعارضة للانشقاق والتشرذم، حتى بدأت تدب في العمل الثقافي بنيات التردي، فانفرط عقده، وتراجعت وظيفته. ولما تزامن ذلك مع التحول الذي طرأ على المستوى العالمي، مع العولمة وبروز التكنولوجيا الجديدة، صار العمل الثقافي أمام أسئلة جديدة تتصل بالسياق الجديد الذي أدى إلى ضرورة التفكير في صيغ جديدة للعمل تتلاءم مع التطور. ولم يقتصر ذلك على العمل الثقافي فقط، بل إنه مس كل المفاهيم والتصورات التقليدية التي تشكلت منذ القرن التاسع عشر: المجتمع، الثقافة، الدولة، التغيير والحرية.
أدى هذا التطور إلى بروز العمل الفردي على المستوى الثقافي. وصار تحسين الوضع الاجتماعي للمثقف هو الأساس، وليس الاضطلاع بالوظيفة الثقافية ضمن مجتمع ثقافي عام. وكان لبروز ظاهرة «الجوائز» أثرها في إشاعة الفردية التي تولدت عن تحولات عميقة في فهم العمل الثقافي ومزاولته. فصار الهدف المحدد للعمل، ليس في قيمته الاجتماعية، ولكن في مردوده المادي. وبات سؤال «تدفعوا كام؟» هو الشغل الأساس. وكانت النتيجة «تسليع» العمل الثقافي ليس بالمنظور الذي ينطلق من اقتصاد المعرفة، ولكن من زاوية تحسين الوضع الذاتي. إنها صيرورة تبين أثر السياقات المختلفة في العمل الثقافي. وهي في الوقت نفسه تبرز أن فهمها هو الذي يمكن أن يوجه العمل الثقافي ويعدل مساره. إن إعادة النظر في المفاهيم القديمة هو مدخل الفهم والتغيير.
_____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *