الرئيسية / فنون / فيلم «عدو».. الرتابة التي تخلق الفوضى

فيلم «عدو».. الرتابة التي تخلق الفوضى


*بشار كاظم

تمكن المخرج الكندي دينيس فيلنوف (من مواليد 3 تشرين الأول 1967) من أن يحتل مكانة مميزة في المشهد السينمائي المعاصر عبر ماقدمه من أعمال رصينة شاركت في العديد من المحافل والمهرجانات الدولية، فمنذ فيلمه “حرائق” المنتج العام 2011 طرح نفسه إلى العالمية بوصفه واحداً من صنّاع الفيلم الناجحين، حيث رشح الفيلم الى جائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي واختير من ضمن أهم عشرة أفلام أنتجت في تلك السنة. وتتابعت أعمال فيلنوف الناجحة والمميزة وصولاً الى فيلمه الأخير “عدو” الذي كُرم من خلاله بجائزة أفضل مخرج من قبل الأكاديمية الكندية للسينما والتلفزيون.

فيلم “عدو” مقتبس عن رواية “البديل” للروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل (جوزيه ساراماغو). تدور أحداث الفيلم (والذي يختلف في البعض من تفاصيله عن الرواية) حول آدم بيل أستاذ مادة التاريخ في احدى الجامعات ومايعيشه من رتابة في مفردات حياته اليومية، تتكرر في عدة مشاهد منذ بداية الفيلم، فبين علاقته بحبيبته ماري وبين محاضراته الجامعية رسم بيل مساراً لحياته سار على وفقه لسنوات عديدة. تتغير هذه الرتابة الى ارباك وفوضى عندما يستأجر آدم بيل فيلم فديو ليشاهده في بيته تبعاً لنصيحة أحد زملائه في العمل، إذ يكتشف خلال مشاهدته ان أحد ممثلي الفيلم ويدعى انتوني كلير يشبهه لدرجة التماثل، وهذا مايقود بيل الى حالة من الهوس في البحث عن هذا الشبيه حتى يتمكن من ايجاده. هذا اللقاء مع الشبيه لم يخلق لأستاذ التارخ الا حالة من الشك والريبة جعلته ينسلخ من واقع يومياته ويعيش فوضى مربكة تترك المتلقي قبل بطل الفيلم في حالة من الحيرة والغرابة ازاء مايشاهده.
يتحدث بيل في أثناء محاضراته الجامعية عن الدكتاتوريات وهدف السيطرة الذي يعتريها، وتتباين أساليبها في السيطرة بين ما تتّسم به من قوة وقسوة، وفيما توفره من وسائل للترفيه تشغل من خلالها العامة أو بواسطة تحجيم المعلومات والأفكار وتقليص فضاءات المعرفة. وهذا الجزء من الحوار يضعنا أمام ثيمة الفيلم الأساسية المتمثلة بوجود دكتاتورية غير مرئية تسيطر على أجواء وشخصيات العرض، دكتاتورية تهدف إلى خلق تماثل بين أفراد مجتمعها وتعمل على محو أي تنوع أو اختلاف يمكن أن يشير بأصبع الاتهام إليها. وتتم الاشارة الى تلك الثيمة بطريقة رمزية ومشفرة في بنية الفيلم عن طريق السيناريو كما في الحوار المنوه إليه، أو بنحو صوري وهو ما ميز رؤية فيلنوف الإخراجية في هذا الفيلم. في أكثر من مرة يكرر فيلنوف لقطات عامة من الأعلى تستعرض المدينة التي تجري فيها أحداث الفيلم، وهذه اللقطات أشبه ما تكون نوعاً من المراقبة بوجهة نظر ذاتية من شيء ما، ويكون جلياً للمتلقي في أثناء استعراض الكاميرا للمدينة التماثل المعماري للبنايات والأمكنة وهو مايعزز حضور هذ الثيمة بقوة.
هنالك رموز أخرى يكررها فيلنوف في أكثر من مشهد وبطرق مختلفة ومبتكرة لتدعيم أفكاره، ففي أحد المشاهد الشبيهة بحلم يظهر عنكبوت عملاق تمتد أقدامه إلى أسفل المدينة، وهو هنا يمثل رمزاً للسيطرة والتحكم، ومن الممكن أن يكون تجسيداً للقطات تمثل وجهة النظر الذاتية المتعددة. وفي اشتغال آخر للرمز نفسه بطريقة “كافكوية” حيث يتم تحوّل احدى شخصيات الفيلم الى عنكبوت في دلالة على دور تلك السلطة في جعل الفرد مشابهاً لها. هذه الرموز هي من رؤى المخرج فيلنوف وليس لها ذكر في عمل ساراماغو مع الكثير من الاختلافات الأخرى عن الحبكة المعقّدة للرواية في بنائها السردي وهي سمة تتواجد في العديد من أعماله. ومع كل هذه الرموز والغموض الذي يجعل متلقي الفيلم يقف على منطقة رخوة لايستطيع بسببها تحديد الواقعي من الفنطازي داخل مشاهد الفيلم، يبقى هناك نوع من الانجذاب الجمالي والحسي يبرع المخرج في نقله الى المشاهد. وتوج العمل بالأداء التمثيلي لجيك جيلنهال بدوري آدم بيل /أنتوني كلير في ثاني تعاون له مع المخرج دينيس فيلنوف بعد فيلم “السجناء”، وبمشاركة نسائية لكل من ميلاني لوران وساره جادون مع المميزة ايسابيلا روسوليني.
_____
*الصباح الجديد الثقافي

شاهد أيضاً

هيفاء كمال تطلق ألبومها الجديد “إلى قرطبة”

يجمع بين قصائد مغناة وموسيقى الفلامنكو هيفاء كمال تطلق ألبومها الجديد “إلى قرطبة”   ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *