الرئيسية / مقالات / وجهه الذي لا أعرفه ..

وجهه الذي لا أعرفه ..


*رتيبة كحلان

( ثقافات )

من معضلات الكتابة أن تدعوك السطور إلى الحديث عن مخزون غابر في نفسك ولكنّك لا تعرف كيف توقّع الكلمة الأولى بسهولة ذلك أن الأفكار المتلاحقة في رأسك لا تعينك على استجماع موقف واضح منها، إن هذا التشابك يجعل من الصعب علينا إفراغ الصدر من المشاعر رغم أننا حين نحسّها تبدو واضحة لكن كيف السبيل إلى صياغتها ؟ 
أفطم نفسي من هذه الحيرة وأكتب كلمة واحدة فقط: (كم أحبه) .. فتضحك منّي الكلمة ويتعجّب منّي المعنى : إذ كيف ومتى أدركَكِ هذا الحدث العظيم ؟ ولأنني ما أحببت يوما علامة الاستفهام أشحتُ بلغتي عنها وعزمت أن أتجاهلها لكن قارئا يطارد مجهول عبارة (كم أحبه) لن يهتم بإهمالي لعلامة الاستفهام تلك بل سيقلب النص سطرا .. سطرا في سبيل أن يعثر عليه، لذا رأيتُ أن أجرّب الكتابة على منوال مختلف أي أن أجبر نفسي على الكتابة لأول مرة والجبر في موقف كهذا يفتح آفاقا لمعرفة الذات أكثر و ربما يريح قارئا يحاصره الفضول.
إنّ ذلك الذي اخترت أن أفاجئكم بحبي له أنا امتداده في الغيب .. لا يعرف أني أنتمي إليه، أنا التي تحفظ سيرته الذاتية منقوصة من وجهه الذي لا أعرفه .. أعود دائما أدراج الحكاية محاولة فهم خياره بتغييب ملامحه في المجهول ! تخلّى عن كل ممتلكاته، أحرق كل أوراقه الثبوتية وصوره الشخصية حماية لنفسه وللمجموعة التي كان يحارب معها، رفض الاستسلام لجنود فرنسا فامتدت إليه رصاصاتهم وانتهى في كهف نائي تغطيه الثلوج معظم أيام السنة وبعد عام من وفاته أُخرجت فرنسا من الجزائر فآن لمن لم ينسه أن يأتي به إلى مدفن لائق: مقبرة الشهداء في سفح جبل تحرسها أشجار الصنوبر التي تعادي الفصول كلها لتبقى خضراء.
الحكاية سمعتها من جدتي وما زادني تكرارها لنفس السيرة إلا محبة له وتعلّقا بروحه التي ارتقت إلى بارئها ولكن حين أمسك الموت بكفّ جدتي وأخذها بعيدا شعرت بالحرمان لأنه لم يعد هناك من يعيدني إليه، لم يعد هناك من يضخّم تفاصيله في ذاتي أكثر فالقلب الذي عرفه صار مفتوحا على محبّة كاملة لا تعرف النقصان كما لا تنجب المآسي الكبيرة إلّا أبطالا عظاما فمشيت إليه لأول مرة ليتحوّل قلبي إلى جرس كبير يُقرع بعد كل خطوة .. وما إن دنوت من البوابة الكبيرة الخضراء لمقبرة الشهداء حتى انطلقت في وجهي صفارات الإنذار التي كنت أسمعها وحدي ذلك أنني تركت كل شيء خلفي أخذت فقط مشاعري وحسبتها تكفي ولم أعلم أنني سأكون بحاجة إلى معول يعينني على حفر قبر التاريخ لأراه كما كان فعلا.
قبر عادي يشبه القبور البيضاء الملساء التي تجاوره، إطار معدني مثبّت عليها يحمل معلومات مختصرة: اسم، لقب، تاريخ الاستشهاد والدور الموكل في الثورة .. لكن الكثير منها تحمل كلمة واحدة “مجهول” وأمام كلمة كهذه تصطادني الفجيعة التي لا أعرف كيف أردّ عني حرابها الحادة الموجعة.
أمام قبر جدي تفرّ من ذهني كل الصور التي تخيّلتها قريبة منه .. تنمحي فجأة كل تشبيهات جدتي وكأنها ما حدثتني عنه يوما .. ليس لأنني أنتمي إلى جيل متعلّق بالصور الملونة وليس لأن تشبيهات جدتي لم تصمد في موقف كهذا وإنما رأيت فجأة حواجزا كثيرة تقف بيني وبينه .. أعترف أنني تأخرت كثيرا عن زيارته .. كان ما مضى من عمري ربما هو الأنسب للقاء أول .. في عمر طريّ كذلك الذي مضى لن أُلحّ على خيالي باستجماع ملامح وجهه .. وربما لن أسأل أيضا هل هذه المقبرة تليق به وبرفاقه ؟ لكن الآن وبهذا العمر الذي تسلّل بعض الوعي إليه من الصعب عليّ إهمال الحقيقة الصارخة في وجهي: لماذا أنا الوحيدة التي تسمع صفارات الإنذار تلك ؟ ولماذا أشعر أنه مدفون في داخلي يصحو كل “نوفمبر” ليتلو بصوت عال وصاياه .. ؟ دائما يدير ظهره لي يتجنّب تفتيشي عن تلك العينين المجهولتين .. )إني أحبه (وإنّ الزمن قد رسمه في داخلي مثلما رسمت كفّا ناجي العلي حنظلة وحين مضى أبقاه خلفه يراقب من بعيد وطنا موضوعا على موجة .. لست الوحيدة التي تملك مخزونا غابرا في النفس يصعب الحديث عنه وليست الكتابة وحدها من تغرقها المعضلات المتشابكة لكننا في زمن كهذا يصعب علينا رسم إطار واضح للغد على أساسات ماض هشّ.
وأنا أكتب هذا النص شعرت بجدي يمد كفه ليصافحني .. انشغلت بكفه الممدودة وغفلت عن رفع بصري لأرى ملامحه لكنني أغمضت عيني وتركت قلبي ليدرك وجهه الذي لا أعرفه.ولكن هل يعرف الوطن وجوه كل من أبقوا لهيب شعلته أبديا ؟ وهل سيتحمّل مشقّة حمل قبورهم على ظهره وهي المغروسة فيه كمسامير يهاجمها صدأ النسيان ؟ وإن يكن غير هذا فأعياد الثورة تحرس الذاكرة وتحكي لكل جيل عن وجه التاريخ الذي لا يعرفه رغم أن لكل جيل ثورته. 
_________
*كاتبة من الجزائر

شاهد أيضاً

قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ

* أحمد الشهاوي عاش النفَّري صاحبُ ” المواقف ” و ” المُخاطبات ” يسترُ معانيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *